رئيس التحرير: عادل صبري 07:47 صباحاً | الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م | 14 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

حضرة الضابط.. «ما تيجي تكتب انت»

حضرة الضابط.. «ما تيجي تكتب انت»

26 يوليو 2014 13:31

1-

«أنا مش عارف الجرايد سايبة الناس دي تكتب ليه بعد ما اتكشفوا والناس عرفوا إنهم خونة وبيقبضوا من برة علشان يخربوا البلد».

قالها عقيد شرطة بمديرية أمن المنوفية في لقاء جمعنا وذكر أسماء بعض الكتاب المعارضين للسلطة الحالية مؤكدا أنهم عملاء للغرب ويجب منعهم من الكتابة بأي طريقة حتى لا يوقعوا بين الشعب وجيشه وشرطته، وعندما ذكّرته بأنه ضابط شرطة وواجبه هو ووزارة الداخلية كشف الأدلة التي تثبت خيانة هؤلاء، قال: «دي حاجة مش محتاجة أدلة، باين من كلامهم اللي مفيهوش أي موضوعية، وبعدين ده مش وقت معارضة، يا تبقي مع البلد يا تبقي ضدها، ودول كلهم ضد البلد ومش عاوزين الجيش والشرطة يقفوا على رجليهم».

وبعد أكثر من ساعة خرجنا من النقاش كما دخلناه، هو مازال مقتنعا بأن الحل في إسكات أي صوت مختلف، وأنا لم أقتنع بأن مستقبل وطن كبير بحجم مصر يتوقف على ما يكتبه 5 أشخاص أيا كان انتشارهم وتأثيرهم، خاصة أن في المقابل توجد مئات الأصوات المدافعة عن الدولة وعشرات الصحف والقنوات والإذاعات المسخرة لتسويقها وتبرير أخطائها.

2-

«كده وضحت نواياكم، انتم مش وطنيين وضد جيش بلدكم، ومفيش مهلة، اللي هيرجع دلوقتي حالا يرجع واللي مش هيرجع هنرجعه بطريقتنا».

قالها عقيد قوات مسلحة عند كمين بالوظة بشمال سيناء قبل أن يأمر جنوده برفع أسلحتهم في وجوه المشاركين في قافلة المساعدات التي كانت متوجهة إلى قطاع غزة السبت الماضي، قالها فقط لأن بعض الشباب الغاضبين رددوا هتافا واحدا: «يسقط حكم العسكر»، بعد توقيف القافلة أمام الكمين لعدة ساعات قبل أن يتدخل منسقو القافلة ويطلبوا من الناس بألا تخرج الهتافات عن موضوع القافلة وهو التضامن مع قطاع غزة والشعب الفلسطيني، قالها وأتبعها بقوله: «اللي عاوز ييجي يبقي ييجي بعربيته لوحده، مش عاوزين تعملوا شو على حسابنا».

3-

«رغم أن الفعل الذي قامت به المتهمة واضح وصريح من حكم المحكمة لها بالعقاب، ولكن بعد أن نظرت المحكمة بعين الاعتبار إلى سن المتهمة وإلى مستقبلها ولكونها محامية شابة ولإدراك المحكمة إلى وقوعها فريسة لأفكار لا تدرك أبعادها فقد اتخذت المحكمة حكمها بتخفيض العقوبة».

هكذا قالت حيثيات الحكم بتخفيف حبس الناشطة ماهينور المصري من الحبس عامين إلى ستة أشهر، فهل نصبت المحكمة نفسها وصية على أفكار المتهمة؟، وهل تصادر على أهليتها وأحقيتها في التفكير والاختيار، وتدخل في تجاويف نفسها لتعرف ما تتبناه من قضايا وما تعتنقه من أفكار وتحاسبها عليه؟

4-

يفترضون أنهم يحتكرون تعريف الوطنية ويفرضون عليك تصورهم عن الموضوعية، إما أن ترى بأعينهم أو لا ترى، إما أن تتكلم بألسنتهم أو تخرس، لا يبحثون عن دليل لاتهامك بالخيانة، يكفي أنهم يروك هكذا، ولا يهتمون بمحاورة من يعارضهم أو ينتقد سياساتهم، يكفي أن يمنعوه من الكتابة.

الأزمة أن الأمر تجاوز مرحلة الاستغلال السياسي لتخوين المخالفين إلى الاقتناع الحقيقي بذلك، فاللهجة التي يتحدث بها بعض القيادات الوسطى في الشرطة والقوات المسلحة تكشف احتقارا بالغًا للديمقراطية، وكراهية واضحة للمعارضين، وانحيازا فظًا لآرائهم، وخطورة ذلك أنه يحول الحكم إلى خصم، ويجعل من أدى يمين الولاء للشعب رافضا لقطاع منه.

كراهية الناس للسلطة قد تخلق التنوع، كراهية السلطة للناس قد تؤدي لكارثة.

5-

في مرحلة ما كانوا يرون الوحدة مع سوريا الخطوة الأولى في طريق الحلم العربي، وثبت أنها كانت أوهام، في الستينيات أرسل عبدالناصر القوات إلى اليمن للقتال هناك واتضح أنه كان فخًا، في 4 يونيو 1967 كانوا يعتقدون أن كل الأمور على ما يرام وفي اليوم التالي ثبت العكس، في الأيام التالية تحدثوا عن هزيمة نكراء نلحقها بإسرائيل وتبين أنهم يكذبون، وفي 2012 كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة يدير مصر ويقول مؤيدو السلطة الآن إن رئيس الأركان السابق سلمها للإخوان.

لا نتهمهم بأي شيء، فنحن نعرف أنهم بشر، فقط نريدكم أن تقتنعوا بذلك.

ليس من مصلحة السلطة ولا الوطن أن يسوده صوت واحد، يجب أن يبقى هناك معارضون، ويجب أن تكون معارضة قوية يخشاها الحاكم فلا يطمع ويستمع إلى رأيها ربما يجد فيه ما ينفع، ويجب أن يعرف الجميع أن الإرهابي لا يكتب مقالا ولا يمشي في مظاهرة ولا ينظم وقفة، ربما لأنه لا يجد وقتا ليفعل ذلك، وربما أصبح إرهابيا في الأساس لأنه لم يجد مساحة ليفعل ذلك.

6-

في حوار له على قناة النهار قال أحد الكتاب الصحفيين القريبين من المؤسسة العسكرية: «السيسي كان جزءا من ثورة 25 يناير، فهو صاحب فكرة تدخل القوات المسلحة لمناهضة التوريث إذا نزل الناس».

كان الرئيس السيسي يرى نزول الناس آلية ديمقراطية فقط عندما كان ذلك أداة لمناهضة توريث لا تتقبله المؤسسة العسكرية، وكان يراه آلية للتعبير عن الرأي عندما نزل المصريون في 30 يونيو ضد نظام الإخوان، وكان يراه وسيلة لمواجهة الفوضى عندما دعا الناس للنزول لتفويضه في 26 يوليو، والآن نبذل جهدا مميتا لإقناع الرئيس وأنصاره بحق المعارضين في أن يتحدثوا ويكتبوا، فقط يتحدثوا ويكتبوا.

عبدوا الديمقراطية حتى جاءت بهم إلى السلطة ثم أكلوها، ومن لم تعلمه تجارب سابقيه أن الكبت يولّد الانفجار لن يتعلم أبدًا.

* نقلاً عن المصري اليوم

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان