رئيس التحرير: عادل صبري 04:45 مساءً | الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م | 08 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

«تحرير فلسطين» ليس مسألة هامشية

«تحرير فلسطين» ليس مسألة هامشية

بدر الراشد 26 يوليو 2014 09:18

اليوم، وبعد ما يزيد عن ستة عقود على غرس الكيان الإسرائيلي في العالم العربي، لم يعد وجوده - كامتداد للاستعمار الغربي للمنطقة - واضحاً للأجيال العربية الحالية كما هو في لحظة إعلان نشأته. ففي ذلك الزمان عندما كانت المعركة بشكل صارخ حرب تحرر عربية ضد الصهاينة، وكانت منظمات المقاومة الفلسطينية بمشاركة عرب تحرج الأنظمة العربية وتقاوم انطلاقاً من أراضيها، راغبة أو كارهة، كانت الأجيال العربية تعي تماماً أن تحرير فلسطين ليس مسألة ثانوية، بل هي بصيغة ما مسألة بناء أمة وحرب وجود للعرب، لا مجرد ترف أو ترديد شعارات بلا مضامين.

تأتي هذه الرؤية نتيجة مباشرة لتزامن نشأة الكيان الإسرائيلي مع معارك التحرر الوطنية في المنطقة، والتحرر من الإمبريالية والاستعمار الغربي. فالجيل الذي عاصر إعلان الكيان الغاصب هو ذاته الذي عاصر وخاض معارك التحرر من الهيمنة الغربية، وهو الذي طرد المستعمر. أو قاد المعارك اللاحقة في سبيل التحرر. لذا كان تعريف الدولة الصهيونية كجسم استعماري يخدم النفوذ الغربي أمراً معاشاً ظاهراً للعيان آنذاك، لا مجرد تحليلات سياسية أو تخرصات. وهذه الرؤية وبعد ستة عقود على الصراع العربي - الصهيوني، تثبت أنها دقيقة ومستبصرة.

من هنا نجد رد فعل جورج حبش - وهو واحد من أهم المناضلين الفلسطينيين - على النكبة أن أسس في 1948م حركة القوميين العرب في بيروت، عندما كان طالباً في الجامعة الأميركية هناك. فأسس مع وديع حداد وأحمد الخطيب وحامد الجبوري وآخرين حركة ضمت طلاباً من مختلف الأقطار العربية تسعى إلى وحدة العرب كجواب على النكبة. لأن المعركة في نظرهم معركة أمة لا معركة الفلسطينيين وحدهم. وهذا ما كان يقوله الحكام العرب آنذاك، لكن لا يتحرك أغلبهم على أساسه، بسبب انشغالاتهم بهواجس الاحتفاظ بالسلطة.

تجد هذا النفس طاغياً أيضاً في كتابات وزير البترول والثروة المعدنية السعودي وأحد مؤسسي منظمة أوبك، عبدالله الطريقي - رحمه الله تعالى - فهو يرى أن فلسطين قضية العرب جميعاً، وأن ولادة الكيان الإسرائيلي جاءت في سياق المحاولات الغربية للتنافس على المنطقة واستعمارها. ومن أجل زرع جسم استعماري يفصل الدول العربية الآسيوية عن الأفريقية، ويكون قاعدة عسكرية للبريطانيين والفرنسيين والأميركيين للتحكم في المنطقة.

هذا الوعي بالدور الذي يلعبه الصهاينة في المنطقة هو الذي جعل الطريقي يرى أن محاولة التحرر في فلسطين مرتبطة بتحرر الإنسان العربي وتنميته. فالمعركة شمولية لا يمكن قصرها على الجانب العسكري، وإن كان الطريقي يرى أن الجانب الاقتصادي هو الأهم، لذا كان يلح على استخدام النفط كأداة تحرر بشكل مستمر.

يرى الطريقي كما في مقالة «البترول في خدمة قضية فلسطين» أن إسرائيل دولة وجدت لحفظ المصالح الغربية «المسألة مسألة مصالح غربية وليست مسألة إسرائيل أو حب الغرب لها، بل هي فقط مخلب من مخالب الاستعمار الاقتصادي في الوطن العربي». من هنا وفي عبارة صادمة يرى الطريقي أن الأهم هو تحرير الإنسان العربي، وهذا هو الطريق لتحرير فلسطين، كتب الطريقي: «إن تحرير فلسطين من دون تحرير الإنسان العربي شيء لا يجوز، لأننا بذلك نضيف مليون متخلف إلى 99 مليون متخلف». لذا أكثر ما كان يلح عليه الطريقي آنذاك تأميم النفط العربي، والتحكم بأسعاره في الأسواق العالمية، باعتبار النفط أهم السلع العربية، وباعتباره الشريان الاقتصادي للمنطقة. فتحرير هذه الدول اقتصادياً يبدأ بالتحكم بهذه السلعة، ثم استثمارها في المعركة مع الغرب. لذا كتب الطريقي كتاباً بعنوان «البترول العربي سلاح في المعركة» لينظر لهذه الفكرة بشكل مفصل.

كان الطريقي يرى أن كل ما تقوم به الدول الغربية يهدف إلى إخضاع المنطقة وحملها على الاستسلام أمام إسرائيل. لذا كان يرى أن على العرب الكف عن التباكي أو محاولة استمالة هذه الدول للوقوف بجانبنا وهي سبب مآسينا. فكان الطريقي يعول على الإمكانات الذاتية للعرب حال توحيد مواقفهم وأهدافهم، من أجل تقوية أنفسهم وتعزيز مواقعهم في العالم ليتحرروا.

لا تبدو رؤية الطريقي بعيدة عن الرؤية التي نظر إليها لاحقاً المفكر المصري عبدالوهاب المسيري بشكل أكثر دقة. إذ اعتبر المسيري الكيان الإسرائيلي دولة وظيفية تمارس دوراً محدداً في المنطقة. فيرى المسيري أن «التشكيل الاستعماري الغربي» قام بجمع اليهود الذي يراد نفيهم من أوروبا، وتجميعهم في فلسطين، ليقوموا بأخذ «شكل دولة تضطلع بدور أساسي، الاستيطان والقتال». فالعنف جزء من تكوين الكيان الصهيوني، ودورها الوظيفي للغرب، هو ما نشأت لأجله، وتمددها الاستيطاني هو ما يكفل - مع العنف - غطاء لقيامها بمهماتها لخدمة الغرب.

من هنا تأتي أهمية مسألة فلسطين للعرب. ففلسطين ليست فقط مسألة نصرة شعب مظلوم يعاني الأمرين من الاحتلال والتشريد والقتل والحصار ونهب الخيرات.. إلخ. بل هي في المعنى الواسع، محاربة كيان زرع في المنطقة من أجل الهيمنة عليها، وإخضاع شعوبها واستنزافهم لأطول فترة ممكنة.

مما يقوله لنا التاريخ أن محاولة الهروب من حقيقة الكيان الإسرائيلي واعتماد الحلول الفردية لم يخدم الدول العربية فالدول التي خرجت نظرياً من الصراع العربي - الإسرائيلي عن طريق معاهدات السلام، مثل مصر والأردن، لم تحقق نهضة شاملة تثبت أن تحرير فلسطين مسألة هامشية. فوجود الكيان الصهيوني كان وما زال نتيجة للتراجع الحضاري في المنطقة العربية وضامناً له.


* نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان