رئيس التحرير: عادل صبري 07:51 صباحاً | الجمعة 16 نوفمبر 2018 م | 07 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

بداهة الأبد في خطاب بشار الأسد

بداهة الأبد في خطاب بشار الأسد

عبدالله أمين الحلاق 21 يوليو 2014 10:06

يشير عنوان هذا النص: «بداهة الأبد في خطاب بشار الأسد» وما فيه من سَجعٍ مقفّى، إلى أننا ربما كنا أمام كلام لبديع الزمان الهمذاني ومقامات عيسى بن هشام، أو أن هذا العنوان قد يصلح لكتاب يجلس جنباً إلى جنب عناوين كهذه على رفوف المكتبة العربية الغنية بها، أي مع كتب من قبيل

«الفلك الدوار في سماء الأئمة الأطهار»، أو «أنوار الهلالين في التعقب على الجلالين». ما يحول دون هذا الافتراض أننا أمام رئيس «علماني» يلقي خطاباً أمام مؤيديه الذين لم يعد رئيساً إلا لهم. وبناء عليه، ستنزاح أي دلالة دينية لهذه الزجلية المقفّاة لنعود إلى ذلك التلازم الذي ابتدأ مع أول استفتاء رئاسي في سورية عام 1976، وما رافقه من تلازم بين «الأسد والأبد» في هتافات الجموع ومسيراتها ولافتاتها، وما تفرع عنها من زجليات صغيرة تلخصت مثلاً بالغناء:

«للبعث يا طلائع / أقدامنا حقول / طريقنا مصانع»، أو «يداك الرسالة وأنت الأمين / أضاء المعلّم ليل السنين». والمعروف هنا أن الأغنية الأخيرة كانت تغنى كشارة لبرنامج «بناة الاجيال» على التلفزيون السوري، والمقصود بـ «المعلّم» طبعاً هو حافظ الأسد، وليس أي «معلّم» آخر «أضاء ليل السنين»، وفقاً للّقب الذي صار السوريون يطلقونه على ضباط مخابرات بلدهم.

يستطيع المحللون والكتّاب كتابة الكثير حول الخطاب الأخير لبشار حافظ الأسد، والذي رافق أداءه ما سمي بـ «اليمين الدستورية» بعد «نجاحه في الانتخابات» التي مددت عمر سلالة الحكم الأسدي سبع سنوات إضافية. وهو خطاب حمل الكثير من المحاور التي نطق بها رئيس النظام السوري. لكن هل انتبه البعض إلى معنى أن يرسخ عرش الأبد الأسدي بانتخاباتٍ وليس باستفتاءٍ هذه المرة، وفي بلد تتغير الوقائع اليومية على أرضه، فنرى ثورة هنا وحرباً هناك واستقراراً هنالك؟

يدخل بشار الأسد قصره مختالاً، إنها مشية لم نكن نشهدها منه قبل خطاباته السابقة، لأن الكاميرات التلفزيونية التي غطت هذا الخطاب لم تكن تعرض مراسم الدخول المقدونية هذه سابقاً، والتي توحي وكأنه عاد من نصر مبين. بدأ خطابه بالحديث عن الانتخابات، وهذا أمر لم يأتِ بمحض الصدفة بخاصة أنها الانتخابات الأولى منذ 44 عاماً.

وبغض النظر عن كاريكاتورية هذه المسرحية ووجود منافسيَن له في المعركة الرئاسية لا يرضون بديلاً عنه حتى أنفسهم، فإنّ معركةً انتخابيةً حدثت، وصوّرها إعلامه على أنها لا تقل عن معركته ومعركة منافسيه على الرئاسة ومعركة مؤيديه وشبيحته مع الشعب السوري. لم يعد هناك مكان للاستفتاء على المرشح الواحد إذاً، وإنما باتَ باب التعددية مفتوحاً على مصراعيه. هكذا يطوي الأسد الابن إرث أبيه ويفتح صفحة جديدة من «الإصلاحات» بعد عقد ونصف العقد من وعود ربيع دمشق، وبعد ثلاثة أعوام ونصف العام من ركام الجثث السورية.

ولاستكمال توريثه في ولاية رئاسية ثالثة، لا بد من التطرق إلى ظروف المنطقة والعالم العربي منذ ثلاث سنوات، كي يعرف الجميع أي جدارة وأي معركة خاضها «سيادته» حتى استطاع تثبيت حكمه بإرادة الشعب، وهذا ما أشار إليه قوله في الخطاب «ما حصل في الوطن العربي ليس ربيعاً ولا حرية»، أو وصفه الانتفاضات والثورات العربية ضد أشباهه بـ «داء الربيع العربي المزيف».

لا معنى لدحض كلام الأسد هنا، ذاك أن أبدَه وأبَد أبيه هما الصواب المطلق للحياة السورية (واللبنانية والإقليمية)، وما عدا ذلك خارج منطق الأبد وبداهته السلالية. لذا، كان نجاح الأسد في مسرحية الانتخابات كفيلاً بأن يبدو معه أفول نجم حسني مبارك وبن علي والقذافي وصالح أمراً لا يذكر. الحدث الجلل اليوم هو إعادة انتخابه، أما أن تزول أنظمة ويهرب أحد أشقائه في العروبة ويُسجن أحدهم ويُقتل آخر، فأمر لا يذكر أمام أسطورة التفاف الشعب حول قائده. كانت خطابات الأسد السابقة في الهجوم على الانتفاضات والثورات العربية أقل وضوحاً في ما خص هذا المجال، لكنه بدا اليوم واثقاً من أبده المتجدد وقد حصل على ضمانات وتطمينات إقليمية ودولية مباشرة وغير مباشرة، وتعترف هذه التطمينات بدورها بأن خطابه قبل أيام كان أكثر جذرية من خطاب مواطنه أبي بكر البغدادي. إذّاك، يبدو الكلام عن زيف الربيع العربي وتكذيب ما استطاع إنجازه، وتعويم ما حمله هذا الربيع وهو الفوضى والتفكك فقط، كلاماً طبيعياً لـ «منتصر»، وهو المنتصر على رغم كل شيء وعلى رغم محاولات بعض البلدان «منع التصويت في بلدان عربية تابعة لها» كما قال في الخطاب، فلا يبقى هنا إلا الوفاء اللبناني لمزرعة آل الأسد في البلدين الجارين. يشهد لهذا الوفاء ذلك الحاجز الذي نصب عند جسر بعبدا تأميناً لأصوات انتخابية في صندوق السفارة السورية في بيروت، وإن بالإجبار والإكراه على ما تحدث سوريون أجبرهم الحاجز على النزول والذهاب إلى السفارة.

المنطقة العربية إذاً تتوج الأسد قائداً عليها لسبع سنوات قادمة، وفي هذا مدعاة احتفال لسوريين ولبنانيين كثيرين، كما أنه يحمل علامةً وقناعة لدى آخرين من مواطني هذين البلدين بأن هذه الفترة الرئاسية الجديدة قد تحتمل سجعاً مقفّىَ هي الأخرى أيضاً، سجعاً يتضمن أبياتاً عن المعلّم والأبد والأسد والطلائع والمصانع، وربما عن الجوامع أيضاً في هذه المرحلة، مع افتراضات أنها ستكون آخر ولاية أسدية في هذه المنطقة، حفاظاً على المنطق الذي يدافع عنه الأسد نفسه في خطاباته.

* نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان