رئيس التحرير: عادل صبري 12:38 مساءً | الجمعة 21 سبتمبر 2018 م | 10 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

عبء الرجل الأصفر

جميل مطر 21 يوليو 2014 10:04

قمتان عقدتا في البرازيل فكشفتا عن الصعاب الشديدة التي تواجه الدول الكبرى الناهضة. كانت قمة كرة القدم الفرصة التي حاولت البرازيل أن تثبت من خلالها كفاءتها في جهود الوصول إلى الكأس، وفي الوقت نفسه قدرة الاقتصاد البرازيلي على تحمل تكلفة إقامة المونديال، وكانت القمة السادسة لمجموعة «البريكس» المكونة من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، الفرصة المثالية لترجمة الفوز المتوقع للبرازيل في الحصول على الكأس بالإضافة إلى حسن إدارتها الألعاب نفوذاً ومكانة سياسية لـ «البريكس» على الساحة السياسية الدولية.

لم تحقق أي من القمتين الآمال الطموحة لقادة البرازيل على الأقل. حققتا ربما مكانة أفضل للبرازيل كدولة كبرى في أميركا الجنوبية قادرة على إنجاز عمل ضخم وكبير، وفي الوقت ذاته كشفتا الهوة السحيقة التي تفصل بين طبقتين في البرازيل وخلقتا الانطباع بأن الطريق أمام الدول المناهضة لتجد مكاناً لها بين قادة العالم شاقة وطويلة. تأكدت البرازيل، وتأكدت دول «البريكس» الأخرى وتأكدنا معها، أن أكثر من نصف الجهد الذي تبذله دولة تسعى للنهوض في العصر الراهن يذهب في محاولات التفلت من تحكم الدول الكبرى التي سبقت وتقدمت. تقدمت في عصر لم توجد فيه نماذج للتقليد، ولا قيود على مصادر المواد الخام اللازمة للتصنيع، ولا قوانين ومؤسسات دولية تنظم العلاقات وتعاقب المخالف، ولا قيم سياسية وأخلاقية «عالمية» تحرم التوسع الإمبريالي وتشغيل الأطفال واستخدام الرقيق.

لا يخفي قادة مجموعة «البريكس» حقيقة أنهم يسعون إلى تغيير التنظيم الاقتصادي الدولي القائم على اتفاقات «بريتون وودز». هناك هيمنة محكمة تفرضها المؤسسات المالية الاقتصادية الدولية التي انبثقت عن هذه الاتفاقات، وهناك قيود صارمة على حركة القوى الناشئة ونموها. يعتقد هؤلاء القادة، كما سبق واعتقد زعماء حركات الاستقلال في الخمسينيات، أن ظلما وقع على معظم دول العالم النامي حين حرمها نظام «بريتون وودز» من المشاركة في صنع القرار الاقتصادي العالمي وفي أحيان كثيرة في صنع سياسات وطنية معينة. كان التحيز ضد الفقراء مفهوماً عندما كانت دول الغرب المنتصرة في الحرب العالمية الثانية تفرض كلمتها على المجتمع الدولي ولكن، ومنذ أن قامت حركة عدم الانحياز مستندة إلى حركة جماهيرية استقلالية واسعة، سعت قيادات الحركة إلى إقناع الدول العظمى بمراعاة الظروف الخاصة التي نشأت فيها الدول الحديثة الاستقلال. دعت الحركة منذ العقد الأول التالي للحرب العالمية إلى زيادة التجارة بين دول «العالم الثالث» كإجراء يهدف إلى تحرير إرادة هذه الدول من هيمنة المؤسسات الدولية والدول العظمى، وبعد ستة عقود نسمع الآن من قادة دول «البريكس» الدعوة ذاتها تتكرر، ونشاهد لهم قمة تعلن إقامة مؤسسات موازية بأمل أن تصبح بديلة للمؤسسات الدولية المهيمنة على الاقتصاد العالمي.

قرر القادة الخمسة، في المؤتمر الذي عقدوه في مدينة فورتاليزا بشمال شرق البرازيل، إنشاء بنك للتنمية برأسمال قدره خمسون بليون دولار، وصندوق مالي بقيمة 100 بليون دولار. الهدف من المؤسستين دعم شركات البنية التحتية في دول المجموعة وتأمين مستقبل اقتصاداتها في مواجهة الأزمات المتكررة التي صارت علامة شبه دائمة للنظام الاقتصادي العالمي الراهن.

القفزة لا شك كبيرة، قفزة واسعة في مسيرة معقدة تسعى لتصحيح أوضاع النظام الاقتصادي العالمي. ومع ذلك فاجأني رد الفعل الهادئ الذي قوبلت به هذه الخطوة. إذ يبدو أن توقيت انعقاد المؤتمر فور انتهاء المونديال كان خطأ غير محسوب وقع فيه منظمو المؤتمر. ففي ظل انفعال شديد في الأوساط الشعبية البرازيلية بأحداث المونديال، مترافق مع انفعال آخر وأشد بسبب فشل الفريق البرازيلي في الحصول على الكأس، لم يحظ مؤتمر قمة «البريكس» بالتغطية الإعلامية التي يستحقها، خصوصاً أنه يعلن وللمرة الأولى إقامة مؤسسات بديلة لمؤسسات الهيمنة الأميركية.

لم يقتصر رد الفعل الهادئ على البرازيل، فقد كان هادئاً في شتى أنحاء أميركا الجنوبية وإفريقيا، بل كان هادئاً في مواقع القرار الاقتصادي العالمي التي يفترض أنها ستتأثر بإنشاء صندوق نقد وبنك للتنمية متوازيين مع الصندوق العالمي والبنك الدولي.

كان واضحاً خلال الوقت الذي استهلكه الإعداد لهذه القمة أن مجموعة «البريكس» لم تحقق الآمال «الاقتصادية» المعقودة عليها، ولهذا التقصير ما يبرره، فالفجوة بين اقتصاد الصين واقتصادات الدول الأخرى في المجموعة ما زالت شاسعة بل تزداد اتساعاً، وهو الأمر الذي يخلق شعورا باللامساواة، وربما الخوف من هيمنة صينية تحل محل الهيمنة الأميركية. اتضحت هذه الحساسيات من المفاوضات التي جرت لاختيار مقر للبنك ومقر للصندوق، وهي المفاوضات التي انتهت بأن يكون مقر البنك في شنغهاي، ويكون أول رئيس له هندي الجنسية. لوحظ أيضاً توصل الأطراف إلى صيغة تسمح لكل عضو بنصيب متساو في رأس مال البنك.

كذلك لم تحقق التجارة الدولية بين أعضاء المجموعة قفزة كبيرة تتناسب والهدف من قيامها، ومع ذلك يجب الاعتراف بأن نسب النمو الاقتصادي في جميع دول المجموعة ما زالت أعلى من نسب النمو السائدة في الاقتصادات الغربية، الأمر الذي يضاعف ثقة قادة المجموعة في مقدرة الدول الناهضة على تضييق الفجوة مع الأغنياء.

لا نبالغ إذا اعتبرنا قمة «البريكس» السادسة خطوة على الطريق نحو تصحيح أوضاع غير سليمة في العلاقات الاقتصادية الدولية، وبخاصة علاقة الأغنياء بالفقراء. كذلك لا نبالغ إذا كنا قد توصلنا إلى قناعة بأن القيمة الاقتصادية لمشروع «البريكس» ما زالت أقل كثيراً من قيمته الجيو استراتيجية. يغلب أحياناً على المراقبين الشعور وربما الاقتناع بأن قادة هذه الدول الذين يمثلون نصف سكان العالم قلقون من استمرار الهيمنة الأميركية في وقت تتعدد الأزمات والكوارث الاقتصادية وتتعاظم الهوة بين الأغنياء والفقراء. يخشى هؤلاء القادة أن يجدوا أنفسهم أمام كارثة انهيار مالي في أميركا في وقت لم يكونوا قد استعدوا له بمؤسسات وأساليب حماية وضمان لاقتصادات دولهم. يخشون أيضاً أن تتوجه ضدهم دول الغرب مستخدمة «أسلحة أخلاقية» لتعوض بها تراجعها الاقتصادي، أسلحة من نوع أنشطة الحقوق والدفاع عن الحريات. لذلك كان ملفتاً أن يغفل بيان القمة الإشارة إلى برامج الإصلاح السياسي وحماية الحقوق والحريات السياسية.

من ناحية أخرى، كان انعقاد المؤتمر مفيداً من الناحية السياسية لدول المجموعة كلاً على حدة. انتهزته روسيا فرصة لإطلالة جديدة على أميركا اللاتينية، فكان لقاء الرئيسين بوتين وكاسترو مؤشراً له دلالة لدى شعبي الدولتين، وكان فرصة ليؤكد بوتين من خلالها للولايات المتحدة أن بلاده لا تصر على استئجار وتشغيل قاعدة عسكرية في كوبا للتجسس الإلكتروني على الولايات المتحدة. وإن كنت أعتقد أنه لو سمحت كوبا وتعقدت المسألة الأوكرانية لنفذ بوتين حلم القادة الشيوعيين في أن تكون لروسيا قاعدة عسكرية دائمة في الجوار الأميركي. ولكن كوبا لم تسمح، ولن تشجع، على الأقل في الوقت الراهن والمستقبل المنظور.

كذلك كانت زيارة شي جين بينغ، الرئيس الصيني، فرصة لتذكير العالم الغربي بأن للصين «القوية اقتصادياً» حقوقاً لم تطالب بها بعد، ولكنها ستحصل عليها انتزاعاً أو بالاعتماد المتدرج. كانت الزيارة فرصة لنسمع من الصين نغمة جديدة في الخطاب السياسي، إذ تحدث الرئيس الصيني عن دور «الحكمة الصينية» في العلاقات الدولية وإصلاح النظام الاقتصادي العالمي. هذه النغمة ونغمات أخرى تجتمع في شكل نوتة موسيقية عنوانها «رسالة الصين الحضارية»، ينظرون إليها في الغرب كنسخة مجددة أو محسنة لرسالة حملت عنوان «عبء الرجل الأبيض»، أطلقها الاستعمار الأوروبي في القرن التاسع عشر ليبرر توسعه في أفريقيا وآسيا، وبتركيز خاص في الصين.

 

* نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان