رئيس التحرير: عادل صبري 07:10 مساءً | الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م | 08 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

هل استفزّت «صواريخ المقاومة» إسرائيل؟

هل استفزّت «صواريخ المقاومة» إسرائيل؟

بدر الراشد 19 يوليو 2014 10:17

لا تمكن الإجابة عن هذا السؤال مباشرة من دون الحديث عن سياقات طرحه ابتداء. فطرح الأسئلة – أية أسئلة - يتضمن بين طياته ممارسة سلطة، وطريقة طرح السؤال والتوقيت يتضمنان انحيازاته أيضاً. لذا فطرح أي سؤال وطريقة صياغته وسياقه وتوقيته عملية مراوغة، لا تخلو من مخاتلة يجب تفكيكها.

من ناحية التوقيت، يتكرر هذا السؤال – أخيراً - مع كل حملة عسكرية إسرائيلية ضخمة على قطاع غزة، فلا يأتي - غالباً - إلا في سياق محاولة إلقاء اللوم على المقاومة الفلسطينية واتهامها بأنها سبب عذابات الشعب الفلسطيني. ما يجعل السؤال موجهاً ابتداء لمحاولة لوم المقاومة على جرائم الاحتلال!

إن من يطرح السؤال غالباً لا يفتش عن إجابة ولا يطرح إجابة. فالجواب متضمَّن في السؤال ذاته تزامناً مع التقارير الإخبارية التي تبث لحظة طرح السؤال، ناقلة أنباء قصف الصهاينة لمنازل الفلسطينيين وتدميرها، وارتفاع عدد القتلى من الجانب الفلسطيني. أو يأتي الجواب - ضمنياً - من خلال ترديد الحديث عن «عبثية» صواريخ المقاومة، أو تأكيد الآثار المدمرة الهائلة للاعتداءات الصهيونية بشكل آلي شعاراتي، مع تقليل شأن أثر صواريخ المقاومة، بل اعتبارها مشكلة الفلسطينيين وليست طريقاً لحل مشكلاتهم.

الإشكال في هذا السؤال أنه يتضمن في داخله تغاضياً عن تاريخ الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، يتجاهل أو يسقط - عمداً أو جهلاً - سياقات الاحتلال، والمجازر، والتشريد، واللاجئين، وكل جرائم الكيان الصهيوني. ليتم اختصار القضية الفلسطينية برمتها في الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة. فيصبح السؤال: من الذي بدأ القصف؟ من الذي مارس الاستفزاز؟ هل قامت حركة حماس باستفزاز الإسرائيليين ودفعهم لقصف قطاع غزة؟ أم كانت المقاومة رد فعل على اعتداءات إسرائيلية آنية؟ تتحول القضية إلى هذا المستوى من التسطيح. فيصبح التعامل مع القضية الفلسطينية برمتها على أنها مسألة فعل ورد فعل، لا ممارسة شعب محتل حقه بالتحرر بمقاومة محتله.

يمارس من يطرح هذا السؤال دور رجل المرور في حادثة سير، يحاول أن يضع الخطأ على أحد السائقين (المتساويين نظرياً في هذا السياق). يتم نزع التاريخ وسياق القضية برمتها، لتصبح المسألة كلها مسألة «قصف متبادل» وكأننا نتحدث عن حرب بين دولتين اندلعت فجأة، لا نصف الحال في أرض محتلة عليها شعب يقاوم، وكيان غاصب.

المثير للانتباه، أن كل مرة يُطرح فيها هذا السؤال، يفقد السائل الذاكرة. فيبدأ التاريخ - لدى السائل - مع انطلاق أول صواريخ المقاومة الفلسطينية نحو مدن الكيان الإسرائيلي. ويتم تجاهل التاريخ، حتى القريب منه، ذلك الذي يمتد أسبوعاً أو اثنين، التاريخ الذي تمكن قراءته في صحيفة الأسبوع الماضي أو الذي سبقه.

لنتحدث عن «سيناريو» هذه الحملة العسكرية الإسرائيلية بوصفها مثالاً على حال فقدان الذاكرة، لنتجاهل كل الاحتلال وجرائمه، التاريخي منها واليومي المستمر منذ عقود. لنتجاهل حتى الحملة الصهيونية الكبرى على قطاع غزة في 2012، ثم الهدنة التي تم توقيعها مع حركة حماس آنذاك برعاية مصرية. وليتم تجاهل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي تم التوافق عليها بين حركتي فتح وحماس قبل أسابيع، ونتجاهل كذلك تخيير رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين ناتانياهو لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، بين التفاوض مع إسرائيل والمصالحة مع «حماس». لنتجاهل هذا كله، ونبدأ التاريخ «ببداية الأزمة» الحالية التي انطلقت مع اختفاء مستوطنين صهاينة في الضفة الغربية، ثم إعلان مقتلهم.

بدأ التصعيد الإسرائيلي بعد اختطاف ثلاثة مستوطنين صهاينة في الضفة الغربية في الـ12 من حزيران (يونيو) الماضي. العملية التي لم يعلن أي من فصائل المقاومة الفلسطينية مسؤوليته عنها. ليقوم جنود الكيان الإسرائيلي بتمشيط الضفة الغربية خلال فترة البحث عن المستوطنين المخطوفين، ثم اتهام «حماس» بأنها مسؤولة عن العملية، على رغم نفي الأخيرة، وتم إعلان استهداف «حماس» في الضفة الغربية من الكيان الصهيوني.

خلال فترة البحث عن المختطفين تم تمشيط أكثر من 2000 منشأة سكنية فلسطينية، كما تم اعتقال أكثر من 700 فلسطيني معظمهم من المنتمين إلى حركة حماس وكوادر المقاومة في الضفة. بعض المعتقلين أعضاء في المجلس التشريعي، وآخرون من الأسرى المحررين من سجون الاحتلال أخيراً في صفقة الجندي الصهيوني شاليط. وقتل خلال عملية «التمشيط» أكثر من ستة فلسطينيين في الضفة الغربية على يد جنود الاحتلال، كما قتل الشاب الفلسطيني حسين أبوخضير بعد أن قام مستوطنون صهاينة بخطفه وتعذيبه ثم قتله والتمثيل به، إذ تم إرغامه على شرب البنزين ثم إحراقه كما ذكرت تقارير طبية. كما تم تزامناً مع عملية «التمشيط» في الضفة الغربية استهداف مواقع لحركة حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة بهجمات صاروخية.

بعد كل هذا، انطلقت صواريخ المقاومة الفلسطينية من قطاع غزة، رداً على كل هذه الانتهاكات والهجمات التي باشرها جيش الاحتلال الصهيوني ابتداء من الـ12 من يونيو الماضي.

قراءة قصيرة للتقارير الصحافية في أية صحيفة، بما فيها الصحف الإسرائيلية، تظهر أن التصعيد جاء من الكيان الإسرائيلي، وأن صواريخ المقاومة جاءت رداً على سياسات الاحتلال الدائمة، المتمثلة في استهداف الشعب الفلسطيني بالقتل والاعتقال. كما جاءت في سياق اختراق الصهاينة هدنة 2012 في ظل إغلاق المعابر ومحاصرة قطاع غزة، واستمرار سياسات الاحتلال ومجازره، وجعل شعب كامل يعيش في ظل شروط لا أخلاقية. لذا يصبح السؤال المتكرر عمّن استفزّ الصهاينة، محض عبث. فالمسألة معكوسة: الاحتلال هو الاستفزاز الدائم الذي لا يحصد إلا المقاومة.

 

 

* نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان