رئيس التحرير: عادل صبري 01:58 مساءً | الاثنين 24 سبتمبر 2018 م | 13 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

مبادرة بطعم الاحتلال

على هامش المبادرة المصرية

مبادرة بطعم الاحتلال

بقلم: أحمد شوقى 16 يوليو 2014 14:12

"سكت دهراً ونطق كفراً"، ينطبق هذا المثل اليوم على واقع سلطة الانقلاب فى مصر وموقفها من الاعتداءات الصهيونية على قطاع غزة ومجمل الأراضى الفلسطينية المحتلة. لقد أعلنت القاهرة مؤخراً مبادرة للتهدئة، بين الكيان الصهيونى المعتدى وفصائل المقاومة الفلسطينية، سارع العدو إلى قبولها فى حين وصفتها الأخيرة بأنها مبادرة خنوع وركوع وتقديم انتصار للعدو على طبق من ذهب، وإليكم عشر ملاحظات على هذه المبادرة والأجواء المحيطة بها:

الملاحظة الأولى
جاءت المبادرة المصرية متأخرة، بعد مرور أسبوع كامل على الاعتداءات الصهيونية على قطاع غزة، كما أن الموقف المصرى لا يعكس ما سماه بيان وزارة الخارجية "المسئولية التاريخية لمصر"، تلك المسئولية النابعة من اعتبارات الدين والعروبة والجغرافيا، فعن أى مسئولية يتحدثون ومعبر رفح مغلق معظم الوقت أمام العالقين من الفلسطينيين؟ أى مسئولية تلك التى تجعلك تصف بعض فصائل المقاومة بالإرهاب؟ ربما يقصدون مسئولية أخرى غير تلك التى نعرفها!.
الملاحظة الثانية
كيف تصدر القاهرة مبادرة للتهدئة دون التشاور مع فصائل المقاومة الفلسطينية؟ أليست طرفاً فى الاتفاق المنشود؟ أم أنها محاولة للقفز فوق الحقائق على الأرض إرضاءً لعبثية الانقلاب الذى يعادى فريقاً من الشعب الفلسطينى؟ إن الانقلاب لا يمكنه اتخاذ تلك الخطوة دون التنسيق مع الجانبين الصهيونى والأمريكى؟ فهل تهدف المبادرة لانتشال "الكيان الصهيونى" من ورطته لذا كانت مسارعته لإعلان التزامه بالهدنة المزعومة؟ أم إنها كانت خطوة لإحراج حركات المقاومة خاصة أن المبادرة لا تلبى أدنى مطالبها؟ إن خطوة عبثية مثل هذه تحتاج إلى تفسير من المسئولين.
الملاحظة الثالثة
أضفت التهدئة المقترحة قد على المستوطنين اليهود صفة المدنية، وهى ذات الصفة التى وصفت بها الفلسطنيين أبناء الأرض الذين يتعرضون لعمليات إبادة جماعية. وفى هذا التوصيف تدليس وتزوير لحقائق التاريخ والجغرافيا، كون قادة الانقلاب لم يميزوا بين المغتصبين وعصاباتهم المسلحة، وأهل البلد الأصليين من العرب والمسلمين الذين يتعرضون منذ نحو 6 عقود لعمليات تهجير وإبادة من جانب العصابات الصهيونية.
الملاحظة الرابعة
إن المتابع لتطورات الموقف المصرى من الاعتداءات الصهيونية على قطاع غزة يلاحظ أن سلطة الانقلاب قد تعمدت نزع صفة المقاومة عن الفصائل الفلسطينية فاكتفت بوصف الأحداث كافة بالعنف والعنف المضاد، والفعل ورد الفعل، دون التمييز بين المعتدى وتحميله المسئولية، والمدافع عن حقه ومساندته.
إن ذلك ليس فقط نتيجة لحالة العبثية التى تدار بها الأمور فى مصر فى عهد الانقلاب، بل يعكس رؤية واضحة وفكراً منظماً يحاول نزع القضية الفلسطينية من سياقها الطبيعى "أنها قضية أرض مغتصبة وشعب يقاوم" ليلبسها ثوباً مهلهلاً من الإنسانية المزعومة كذباً وزوراً. وقد كان ذلك جلياً فى البيانات الرسمية الصادرة عن مسئولى الانقلاب. فهذا وزير خارجيته أثناء كلمته أمام الاجتماع الاستثنائي للجنة التنفيذية لوزارء خارجية منظمة التعاون الإسلامي يوم 10 يوليو الجارى كانت الإشكالية الأساسية فى حديثه إزهاق أروح المدنيين من الأطفال والنساء والرجال، وهى نفس القضية التى كانت تتمحور حولها بيانات الشجب والإدانة المصرية والعربية إبان حكم المخلوع مبارك. والمثير أن إنسانية الانقلاب الدموى الغاشم قد امتدت أيضاً لتشمل ضحايا الحرب من الصهاينة.
الملاحظة الخامسة
فى حين طالب وزير خارجية الانقلاب أمام أمام المؤتمر الإسلامى حول غزة بإعادة النظر بجدية للآليات الدولية التى تهتم بالقضية الفلسطينية بشكل عادل وشامل، فاجأ قائد الانقلاب الجميع وكأنه سمع لأول مرة عن كيان يسمى اللجنة الرباعية للسلام فى الشرق الإوسط، بعد أن كان العالم قد نسيها ليلتقى مبعوثها للسلام وأحد المسئولين عن جرائم الحرب بحق الآلاف من أبناء الشعب العراقى رئيس الوزراء البريطانى الأسبق تونى بلير، والذى عينه قائد الانقلاب العسكرى مستشاراً اقتصادياً له، فما هذا التناقض؟ وهل ما يزال قائد الانقلاب يؤمن أن اللجنة الرباعية ستحقق سلاماً فى الشرق الأوسط؟ وهل يرى أن أمريكا الراعى الرسمى للكيان الصهيونى فى المنطقة ستضغط عليه لإرساء السلام بالمنطقة؟ ولماذا يتناسى كما الرؤساء والأمراء والملوك العرب والمسلمون جرائم تونى بلير فى العراق؟ ما هذا العبث! أيلتقى قائد الانقلاب مجرم الحرب البريطانى صباحاً على أنه مبعوث السلام فى الشرق الأوسط ومساءً على أنه مستشاره الاقتصادى؟
الملاحظة السادسة
نصت المبادرة المصرية على أنه سيتم استقبال وفود رفيعة المستوى من "حكومة الكيان الصهيونى" والفصائل الفلسطينية في القاهرة خلال 48 ساعة منذ بدء تنفيذ المبادرة لاستكمال مباحثات تثبيت وقف إطلاق النار- التى لم تبدأ أصلاً. إن ذلك يؤكد أن المشهد السياسى المصرى يدار بعبثية مطلقة، إذ كيف يتم استقبال وفد من الفصائل الفلسطينية التى إن أريد للمفاوضات أن تكون جدية، فلا بد أن يتضمن حركة المقاومة الإسلامية "حماس" المصنفة فى مصر على أنها حركة إرهابية. إن استقبال وفد حماس بهذه الصورة سيثير تساؤلات جدية حول طبيعة الاتهامات الموجهة إليها بالإضرار بالأمن القومى المصرى ومن ثم تصنيفها على أنها حركة إرهابية، فإما أن تكون هذه الاتهامات صحيحة فلابد من محاكمة قادة الانقلاب وكل من يتورط فى عقد لقاءات مع "حركة إرهابية" بتهمة الإضرار بالأمن القومى المصرى كما يحاكم حالياً الدكتور محمد مرسى بتهمة التخابر معها. أما إذا كانت الاتهامات غير صحيحة ومن ثم يكون النظام الانقلابى بمنظومته القضائية متاجراً بقضية مركزية فى العقل السياسى الإسلامى والعربى بهدف محاربة فصيل سياسى معارض للانقلاب العسكرى. وإذا ثبت ذلك فلابد من محاكمة المسئولين عن تلك الجريمة محاكمات ثورية وسياسية. وحينئذ لا بد من الاعتذار الرسمى للدكتور محمد مرسى.
وعلى كلٍ، فقد نجحت حركة حماس فى فرض نفسها على أجندة السياسة المصرية، للدرجة التى تدعى للقاهرة للتشاور على الرغم من أنها مصنفة كحركة إرهابية فى مصر.
 
 
الملاحظة السابعة
لقد فاجأت فصائل المقاومة الفلسطينية كل الأطراف برفض الهدنة المصرية المقترحة، كما أن المفاجأة لم تكن بعيدة عن البيت الأبيض، فوزير الخارجية الأمريكى جون كيرى كان فى طريقه إلى القاهرة يوم الاثنين الماضى، للاحتفال على ما يبدو بتوقيع اتفاق الهدنة، إلا إنه اضطر لإلغاء الزيارة فى أعقاب رفض الفصائل الفلسطينية لها ووصفها إياها بمبادرة الخنوع والاستسلام.
الملاحظة الثامنة
أين قائد الانقلاب العسكرى عبد الفتاح السيسى من الأوضاع فى فلسطين؟ إنه يتباهى بفتح معبر رفح أمام الجرحى الفلسطينيين للعلاج بالخارج، مع العلم أنه لم يفتح سوى لسويعات ولم تمر منه إلا حالات حرجة تعد على أصابع الأيدى.
لقد فضحت غزة قائد الانقلاب الذى خرج فى ذكرى العاشر من أكتوبر ليتحدث إلى المصريين متجاهلاً تماماً الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضى الفلسطينية. إن كل ما صدر عن السيسى لم يتجاوز بيانات لا تستحق الحبر الذى كتبت به تدين العنف والعنف المضاد، لتساوى بين المعتدى والضحية، وتمن على الفلسطينيين بتقديم 500 طن من الأغذية والأدوية، وتتحدث عن اتصالات تُجرى لبحث الأزمة.
لم يصدر السيسى حتى تصريحاً واحداً يدين فيه الاعتداءات الصهيونية على الأراضى الفلسطينية، كما إن بعض الدول الغربية لم تكتف بتعبير وزارات الخارجية فيها عن إدانتهم الشديدة لحرق الشهيد محمد أبو خضير على يد مستوطنين يهود بالقدس الشريف يوم 2 يوليو 2014، فسارعت رئاسات تلك الدول لتأكيد رفضها لتلك الجريمة البشعة والمطالبة بمحاكمة المسئولين عنها، فما موقف قائد الانقلاب العسكرى من تلك الجريمة؟ إننا لم نسمع له صوتاً.
لا يتوقع من قائد الانقلاب أن يقدم للقضية الفلسطينية أى شئ لأنه "مش قادر" يغضب حكومة الكيان الصهيونى، كما إنه منعزل أصلاً عن شعب مصر ومعاناته فمن باب أولى لن يكون متصلاً بأوجاع الفلسطينيين وآلامهم وقضيتهم ومقاومتهم، أما إذا اتصل الأمر بالأشقاء "المدنيين" فى دولة الاحتلال فربما يصدر عنه رد فعل معتبر.
الملاحظة التاسعة
ثمة مفارقات تبدو بسيطة لكنها عميقة بين اتفاق التهدئة الذى وقع بين فصائل المقاومة الفلسطينية والكيان الصهيونى فى نوفمبر 2012 برعاية الدكتور محمد مرسى رئيس الجمهورية الشرعى واتفاق التهدئة المقترح من سلطة الانقلاب، أولى تلك المفارقات أن اتفاق 2012 نص على وقف جميع الأعمال العدائية الإسرائيلية ضد جميع الأشخاص فى قطاع غزة وليس فقط ضد المدنيين وفق ما نصت عليه الهدنة المقترحة، ومن ثم فهو يوفر الحماية لعناصر المقاومة الفلسطينية. ثانياً؛ نص الاتفاق الأول على وقف الأعمال "العدائية" ضد "الكيان الصهيونى" دون تعيين "المدنيين" المزعومين مما يعكس فهماً عميقاً لطبيعة المستوطنين اليهود على أرض فلسطين، كونهم جميعاً عسكريين نساءً ورجالاً، فضلاً عن كونهم محتلين. ثالثاً؛ نصت هدنة 2012 على فتح المعابر وتسهيل حركة البضائع والأشخاص وعدم التضييق على السكان فى المناطق الحدودية أو استهدافهم، دون تقييد هذا الحق بأى قيود وفق ما نصت عليه الهدنة المقترحة من سلطة الانقلاب؛ حيث رهنته باستقرار الأوضاع الأمنية. وهذا المفهوم فضفاض لا يخضع لمؤشرات معينة مما يتيح لسلطتي الاحتلال والانقلاب فرصاً لإحكام الحصار على أهل غزة. رابعاً؛ إن اتفاق الهدنة عام 2012 قد تم التوصل إليه بعد إجراء مشاورات بين مسئولى الكيان الصهيونى والفصائل الفلسطينية ومن ثم فقد كان من الطبيعى أن ينص الاتفاق على مصطلح "تفاهمات التهدئة"، لكن المثير للاستغراب والاستهجان أنه على الرغم من تأكيد كافة فصائل المقاومة الفلسطينية عدم علمها بما يسمى مبادرة التهدئة المصرية المقترحة إلا من خلال وسائل الإعلام، نصت تلك الهدنة المقترحة على ذات المصطلح، فهل المقصود إذن تفاهمات مع الكيان الصهيونى؟ أم أن الأمر قد اقتصر على القص والنسخ من اتفاق التهدئة عام 2012 من جانب الانقلاب لأن شعاره الوحيد الذى يطبقه "مفيييييييييييش" جديد؟
الملاحظة الأخيرة
إن المقاومة هى سبيل أهل فلسطين لتحرير أراضيهم المحلتة، ولا يمكن لأحد أن يسلبهم هذا الحق، كما إن نصرتهم واجبة على الجميع ((وإن استنصروكم فى الدين فعليكم النصر)). إن أحداً لم يطالب الحكومة المصرية بإعلان الجهاد ضد المحتل الصهيونى فى الوقت الراهن، لكن لابد من عدم مساعدته ومشاركته الحصار والتضييق على المستضعفين من أبناء فلسطين. إنه يمكن لمصر انطلاقاً من مسئوليتها التاريخية أن تساهم فى نصرة أهل فلسطين دون الإخلال بالمعاهدة المصرية- الصهيونية الموقعة عام 1979، فلا أحد يستطيع منع مصر من فتح معبر رفح أو أن يجبرها على المشاركة فى حصار أهل غزة.
لماذا لا يتم اتخاذ إجراءات ضد الشيطنة الممنهجة لحركات المقاومة الفلسطينية فى الإعلام المصرى؟ لا أحد يطالب مصر بما لا تستطيع القيام به لكننا نلوم المتخاذلين من حكامها عن القيام بما هو واجب ومستطاع.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان