رئيس التحرير: عادل صبري 10:34 صباحاً | الأحد 23 سبتمبر 2018 م | 12 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

انحسار القوة الأميركية بين الواقعية السياسية والديبلوماسية

انحسار القوة الأميركية بين الواقعية السياسية والديبلوماسية

مقالات مختارة

القوة العسكرية الامريكية في العراق - أرشيف

انحسار القوة الأميركية بين الواقعية السياسية والديبلوماسية

توماس بيكرينغ 16 يوليو 2014 11:10

يُقال إن نفوذ أميركا يتقلص وينحسر، وهذا الى نتائج أزمة 2008 التي لم يُطوَ اثرها بعد، والسياسة الخارجية الأميركية التي توسلت، في العقد الماضي، القوة العسكرية في العراق وأفغانستان وتعثرت في تعيين أهداف واضحة لها. وثمة تيّار في الولايات المتحدة يرى أن القوة العسكرية هي علاج المشكلات الديبلوماسية، وهذا ما أوحى به التدخل في غرينادا في عهد ريغان وبنما في عهد بوش الأب. لكن الخلاصة هذه في غير محلها، فالنصر العسكري ليس صنو حل مشكلة من طريق السلاح وإرساء معادلة سياسية طويلة الأمد.

أميركا اليوم هي قوة كبرى وازنة، فاقتصادها، على رغم آثار أزمة 2008، هو الأكبر، وقوتها العسكرية هي الأقوى، وقدرتها على حماية أمنها كبيرة. وعلى رغم إنفاقها مبالغ ضخمة من أجل الارتقاء قوة نووية قادرة على إلحاق الدمار بمن يهددها، لا تزال معرضة للأخطار، وفي وسع روسيا إلحاق الضرر بها. وقوة أميركا التقليدية لا نظير لها، لكنها ليست بديلاً للديبلوماسية. وتحتكم أميركا إلى مبادئ وقيم تنهل منها مصدر قوتها، ورفعت طوال 45 سنة استغرقتها الحرب الباردة لواء قيم وأفكار (الحرية الفردية والحوكمة الديموقراطية) أجمع شطر كبير من الناس على أنها في محلها وتعالج مشكلات العالم.

وهنري كيسنجر هو من غير منازع رائد تيار الواقعية في الفكر الديبلوماسي، وهو يرى أن قيم أميركا ومبادئها ملزمة أخلاقياً و»واقعياً». ولا تستطيع أي من القوى التزام سياسة دولية ناجحة تقتصر على الطاعة المطلقة من غير اقتراح مبادئ جامعة. وهذا ما خفي على بوتين في أوكرانيا. وأوباما التزم الهدوء بعد عدوانية ولايتَي بوش، لكنه لم يحصد ثمار الهدوء وانشغل بالشؤون الداخلية التي انتخب لمعالجتها. وشؤون السياسة الخارجية ثانوية في سلم أولوياته، ولا يستهان بالاستقطاب الكبير في الكونغرس. مثل هذا الخلل السياسي لا سابق له إلا في الثلاثينات في عهد روزفلت، أي في مرحلة أزمة اقتصادية.

وإعلان واشنطن «الاستدارة» إلى آسيا غير موفّق، إذ يوحي بأن كفة آسيا ستغلب على كفة أوروبا أو الشرق الأوسط، وهذه تسمية تجافي الواقع. ولا يخفى على أحد منذ عهد ثيودور روزفلت، أن وزارة الخارجية يتجاذبها تياران، الأول يؤيد الانفتاح على آسيا والثاني «متمسك» بأوروبا المسنّة. وإثر أزمة أوكرانيا، تربعت أوروبا سلّم أولويات أميركا، لكنها خاوية الوفاض أمام الأزمة هذه على نحو ما كانت أمام أزمة برلين الشرقية وبودابست في 1956 وبراغ عام 1968. ويرى بوتين أن سابقة استقلال كوسوفو تسوّغ ضمّ القرم والتدخل في أوكرانيا. ولكن هل تقوم قائمة لمقارنة بين الفظاعات التي ارتكبها الصرب ضد الألبان في كوسوفو وبين وضع الروس في القرم؟ لا طبعاً. ولا يسع أحداً إنكار قلق روسيا إزاء مصير القرم، فهذه المنطقة منحها خروتشوف الى أوكرانيا، وهي كانت جزءاً من أراضي الاتحاد السوفياتي الآفل. ووراء الأزمة اليوم كثير من الأطراف: الأوروبيون وشروطهم القاسية، والأوكرانيون الذين لم يُحسِنوا إدارة البلاد، والروس الذين يخشون الاستقلاليين في أوكرانيا الغربية ويصفونهم بالعصابات النازية. ويرى القوميون الأوكرانيون أن طيف ستالين الذي قتل ملايين منهم في الثلاثينات، ماثل في كل خطوة تقدم عليها موسكو. وحين كنتُ سفيراً لم أصادف روسياً إلا وأخبرني أن قريبه متزوج بأوكرانية، وأوكرانياً إلا واستفاض بالكلام على ثلاثة عقود من الاحتلال الروسي.

ونظرة الأميركيين إلى روسيا لم تتغير، فغالباً ما أُسأل في المؤتمرات الأميركية عن الاتحاد السوفياتي، ويحسِب السائل أن روسيا اليوم هي الاتحاد هذا. وحين يدور كلام الروس على «الناتو» يستعيدون رطانة البروباغندا الشيوعية التي راجت عام 1955.

وموقف الروس في عدد من الملفات إيجابي. ففي الملف الإيراني لم يعدلوا عن التعاون، وهم يشرّعون حدودهم أمام نقل معدات «الأطلسي» إلى أفغانستان. لكن بوتين يرى ان اميركا استخفت بمكانة روسيا وعاملتها كما لو كانت ستمتثل للنموذج الغربي وتتحول ديموقراطية محايدة على الطريقة السويسرية. ويحسِب ان الأميركيين قوّضوا مصالح روسيا على الأمد الطويل، ويريد ان تعود الى دائرة القرار في العالم وتستعيد مكانتها السوفياتية الوازنة. ويطالب سيد الكرملين بدائرة نفوذ اقليمي ترتقي الى مصاف باحة بلاده الخلفية الجغرافية - الإستراتيجية. لذا، ينفخ في المشاعر القومية ونبذ الغرب وفي المشاعر المناوئة للأميركيين.

 

«أفغنة» العراق؟

الخطر اليوم هو انزلاق العراق الى فوضى افغانستان ما قبل هجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، ولكن لا يخفى ان المتطرفين لا يحتاجون الى خلافة أو الى ارساء نظام اسلامي من اجل ان يقيّض لهم البقاء. وهذا ما نراه في اليمن أو الصومال. وشريان حياتهم هو الحفاظ على شبكة منظمات ترفع لواء أهدافهم، ويدٌ عاملة تناصرهم وتخدمهم. ولا يقلقني بروز خلافة بمقدار ما يقلقني بروز خلايا ارهابية في اوروبا في أوساط غير المتحدّرين من أصول اسلامية، أو تدويل الخطر على يد مقاتلين شيشانيين. ولا يقضي الحل في العراق بإرسال قوات أجنبية جديدة إليه بل بمد أميركا يد العون اليه في جمع المعلومات الاستخباراتية وتوجيه عمل الشرطة. وإذا أرادت إيران أداء دور في البلد هذا، فليكن، وقد تتعاون بغداد مع الإيرانيين، لكن تطبيع الولايات المتحدة مع طهران من اجل تحسين الأوضاع في العراق غير وارد، ويُفتَقر الى الثقة بين البلدين. كلاهما ينسب الى الآخر افعالاً طالحة ويصفه بـ «الشيطان»، وإبرام اتفاق نووي هو خطوة أولى على طريق التفاهم والثقة.

 

سورية

لم يكن التخلص من الأسد في المتناول، ولكن كان في المقدور فرض منطقة حظر طيران كما فعل التحالف الدولي في افغانستان. ومثل هذه المنطقة كانت لتقيّد النشاطات الجوية للروس والإيرانيين- وهم حلفاء الأسد يزودونه بالسلاح- وتحملهم على القبول بحل سياسي. ويعتقد كثر بأن أربع دول تمسك بمصير سورية: الولايات المتحدة وروسيا وإيران والسعودية، لكن هذا في غير محله. فالاتفاق النهائي في سورية هو اتفاق بين السوريين أنفسهم، ولكن إذا أجمعت على نبذ «الإرهاب السنّي» ووقف إطلاق النار من غير انتظار استنزاف قوى المتنازعين وسقوط مئات آلاف القتلى، يسع الدول الأربع حمل السوريين على قبول حل سياسي. ووقف النار يعبّد الطريق أمام تشكيل حكومة تكنوقراط انتقالية أو تنظيم انتخابات، وفي مقدور الأمم المتحدة أن تؤدي دوراً بارزاً في حماية الأقليات السورية، والعلويين تحديداً.

إثر هجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) 2001، ارتكبت اميركا فظائع، وشنت حرباً شعواء على الإسلام لا تميز الطالح من الصالح. وسوّغت إهمال مبادئ حقوق الإنسان ونسيانها بمكافحة الإرهاب، ولم تقتنص فرصة التضامن الدولي معها، بل ألزمت العالم بقرارات أُقرّت في واشنطن. وسعت إدارة بوش إلى حلول عسكرية سريعة. ودفعت أميركا غالياً ثمن ما أقدمت عليه، وتكبّدت خسائر مادية وبشرية: كثيرون من الأميركيين والعراقيين والأفغان فقدوا حياتهم. ولكن، اليوم صار في إمكان الولايات المتحدة أداء دورها الريادي والبارز في العالم من غير التفريط بمبادئ حقوق الإنسان، فالأخلاق لا تجافي الديبلوماسية الواقعية. والفائدة المرتجاة من ديبلوماسية تفاهم وحوار تفوق تلك المرتجاة من سياسة ردع متبادل.


نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان