رئيس التحرير: عادل صبري 10:01 صباحاً | الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م | 12 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

الفتى الفلسطيني مشويّاً أو استحالة الصفح والمصالحة

الفتى الفلسطيني مشويّاً أو استحالة الصفح والمصالحة

مقالات مختارة

موسى برهومة

الفتى الفلسطيني مشويّاً أو استحالة الصفح والمصالحة

موسى برهومة 15 يوليو 2014 14:32

لئن كان شحيحاً وخافتاً بصيصُ الأمل بمصالحة إسرائيلية- فلسطينية تاريخية، فالطريقة التي قُتل فيها الفتى الفلسطيني محمد أبو خضير، تُبدّد أي بارقة بمصالحة أو صفح في المدى المنظور، ما يؤبّد العداء ويورثه كما تورّث الجينات.


فأن يُحرق فتى، وهو ذاهب لأداء صلاة الفجر مطلع شهر رمضان، وأن تسكب في جوفه مادة البنزين، وأن يتفحم جسده وهو حيّ، فذلك أبشع ما يمكن العقل البشري أن يتخيله، وتلك أفاعيل لا يُقدم عليها إلا نظام وحيد معاصر هو نظام بشار الأسد، ويبدو أن الإسرائيليين يتعلمون من دراكولا دمشق، ويتدربون في أكاديميته، وينهلون من علمه الثرّ!
 

ولا يمكن حادثة الفتى أبو خضير أن تمحى من الوجدان الجمعي الفلسطيني، بل إنها تتراصّ إلى جانب مثيلاتها الكثيرات على مدى الاحتلالات التي شهدتها فلسطين، لتكوّن مادة صلبة لا يمكنها أن تتحلّل أبداً، ولا يمكن الأرشيف الكوني أن يتجاهلها، وهذا ما يجعل فكرة المصالحة، أو الصفح، أو الغفران، أقرب إلى الطوبى، لأن الصفح يستدعي النسيان، ولأن النسيان لا يكون إلا مصحوباً باعتراف صريح لا يخون ذاكرة الضحية، ويؤمّن لها النسيان الرغيد المعافى من الشظايا والثقوب.
 

بيد أن هذا النسيان يتصادم للوهلة الأولى عند الارتطام بفداحة ما يتطلب نسيانه، إذ تمارس الذاكرة سطوتها، وتعيد إنتاج صورة فتى توضأ للتو، ثم سار في عتمة الليل نحو مسجد لا يبعد كثيراً عن منزله، فيتربص له مستوطنون يذيقونه ألوان العذاب والوحشية، ثم يتركون صرخاته تمزّق ستار السماء التي أضيئت بجسد الفتى المشتعل!
 

فكيف يمكن، إذاً تهدئة الذاكرة، وتسكين الروح الملتهبة، كمقدمة لفعلٍ مستحيل يدعى النسيان، ما دام هذا الفعل عارياً من أي عقاب أو ملاحقة أو إعادة تأثيث روح الضحية بما يجعل الصفح لديها ممكناً أو متخيلاً، مع أن الصفح في هذه الحالة التي تقارب ما جرى مع الفتى الفلسطيني أمراً يظل، بلغة جاك دريدا، «استثنائياً وخارقاً، وفي احتكاك مع المستحيل»!
 

وحتى إمكانية الغفران في مثل واقعة الفتى الفلسطيني تبدو غير ممكنة، ما يجعل عبء المصالحة التاريخية بين القاتل الإسرائيلي والضحية الفلسطيني غير مؤهلة للتحقق، لأن ذاكرة الضحية مأهولة بما يعطّل شرط الغفران الذي من دونه، لا تنهض أي مصالحة، لأن ذاكرة النسيان تحتفظ بكل الصور، وتكتظ بالآهات المخنوقة لشعب يشهد كل لحظة فصولاً جديدة من مأساة، وهو ما فضحه دريدا، ذو الأصل اليهودي، غير مرة، متهماً إسرائيل بالعنصرية، وبأنها تمارس «إرهاب الدولة» ضد الفلسطينيين.
 

وما يكابده الفلسطينيون، آناء الليل وأطراف النهار، يجعل دعوة مانديلا «نغفر ولا ننسى» أقرب إلى الترف، فالغفران ينطوي على ضرورة امتلاك الضحية القوة والحق، ومن ثم القدرة على التعايش مع الجلاد، والنظر باطمئنان إلى عينيه، ومشاطرته فسحة الهواء الذي كان قبل حين منقوعاً برائحة اللحم الآدمي المشويّ.
 

الغفران، خارج الفسحة الدينية، أمر يتناقض مع الطبيعة البشرية التي تميل إلى القصاص، والعقاب، والملاحقة القانونية، والتعويض، والاعتراف العاري بالجريمة... وهذه كلها غير مرئية، وليس مقدّراً لها أن تتمرأى في الآماد المنظورة.
 

وأما النسيان، فإنه وفق تعبير محمود درويش «صعود نحو باب الهاوية»، ما يقرّبه من الاستحالة التي عبّر عنها دريدا، لأن في النسيان خيانة للتاريخ. وحتى لو كانت الخيانة متعمدة ومبرمجة لأسباب سياسية وبراغماتية، فإن «سياسات الذاكرة» تقف لها في المرصاد، وتشلّ فاعليتها.
 

في غياب العقاب الذي يشفي غليل الضحية، فالصفح، كمستوى أدنى من النسيان، لا يمكنه أن يتبلور، ما يعني أن المصالحة التاريخية المنشودة بين السيف والدم، ستبقى في ذمة الأماني التي يحلو للسياسيين أن «يغرغروا» أفواههم بها في أوقات الهدنة، وحين يأخذ الجنرالات فسحة للاطمئنان على أطفالهم، ليعاودوا بعدها قتل أطفال الآخرين، وتدمير مدارسهم، واختطاف آبائهم، والانتشاء برائحة الأجساد التي تتلوى في رمضاء الصواريخ والقذائف والقنابل!

 

* كاتب وأكاديمي أردني

نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان