رئيس التحرير: عادل صبري 12:53 صباحاً | الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م | 05 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

كوارث ونكبات بلا محاسبة؟

كوارث ونكبات بلا محاسبة؟

مقالات مختارة

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي

كوارث ونكبات بلا محاسبة؟

عرفان نظام الدين 15 يوليو 2014 14:23

كم كان مؤثراً مشهد الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي وهو يساق إلى التحقيق في قضايا فساد واستغلال نفوذ وإخفاء معلومات عن رشاوى لتمويل حملته الانتخابية! وكم من العبر والدروس يمكن أن نأخذها من تعابير وجهه ومشاعر الذل والخوف والعار التي استطاعت كاميرات التلفزيون التقاطها له وهو في سيارة الشرطة محوطاً برجال الأمن، مثله مثل أي مواطن فرنسي عادي متهم بقضية ما.

نعم، إنها الديموقراطية الحقيقية ونعمة العدالة ومبدأ الثواب والعقاب المعمول به في الدول المتقدمة من دون تمييز بين رئيس ومواطن، فالكل سواسية أمام القانون على رغم أن البعض قد أبدى شماتة بالرئيس السابق وقارنه بحكام آخرين استمروا في الحكم بعد أن عاثوا في الأرض فساداً بلا حسيب ولا رقيب.

وهنا قد يقول قائل إن قضية محاسبة ساركوزي تقابلها عشرات قضايا الفساد التي تمر يومياً من دون أن يتحدث عنها أحد ويكشف النقاب عن تفاصيلها لتتم محاسبة أصحابها، وهذا ممكن، لكن العبرة لمن يعتبر، فالمبدأ العام هو أن القانون واحد على الجميع، ومن يخطئ يجب أن يحاسب مهما طال الزمن، وقد يتمكن من الإفلات من المصير المحتوم لكنه يعرف جيداً أن «وقعته ستكون سوداء» في حال اكتشاف أمره، وأن محاسبته ستتم إما بتنحيته من قبل حزبه والقضاء على سمعته ومستقبله أو بإسقاطه من قبل الشعب أو بتقديمه للعدالة لينال العقوبة التي يستحقها ويلحق العار بنفسه وبعائلته وحزبه.

وكم من القضايا المماثلة التي شهدنا فصولها تباعاً وكان أشهرها قضية ووترغيت في الولايات المتحدة التي دفع ثمنها الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون وأجبر على الاستقالة بعد الكشف عن فضيحة التنصت على اتصالات الحزب المنافس في الانتخابات العامة، وهي فضيحة لا تقاس بفضائح العشرات من الحكام والمسؤولين الذين أكلوا الأخضر واليابس وكتموا أنفاس شعوبهم.

وأذكر للمناسبة أن وزيراً بريطانياً استقال من منصبه قبل عدة سنوات لأن الكهرباء انقطعت عن لندن لدقائق معدودات فتحمل المسؤولية. وهذه الوقائع تذكرنا بأحوال العرب خلال قرن من الزمان حيث ارتكب البعض جرائم وفضائح تزكم الأنوف وارتكبوا الخطأ تلو الخطأ والخطيئة تلو الخطيئة ومارسوا كل أشكال الموبقات وتسببوا بكوارث ونكبات لأوطانهم وأمتهم دفعت الشعوب أثمانها الباهظة من دمائها ودموعها وثرواتها، ما هدد حاضرها ومستقبل أجيالها إن لم تكن قد قضت عليها بالضربة القاضية.

كل هذا حدث من دون أن يواجه هؤلاء بمساءلة أو محاسبة أو عقاب. ولم نشهد سوى استثناءات قليلة نال فيها المرتكبون حساباً عسيراً إما بالعزل أو بالقتل أو بانقلاب داخل القصر بينما استمر الباقون في مراكزهم وهم يزايدون في الحديث عن الوطنية والشرف والنزاهة ونظافة الكف من السرقات وبراءة الأقدام من سحق زهرات الشعوب.

في المقابل، فإن التكريم واجب، والولاء فريضة، والهتاف والتصفيق «ضرب لازم» على كل مواطن، ومن يتخلف أو يتردد فإن مصيره السجن أو الإعدام، وفي أحسن الأحوال اتهامه بالخيانة والعمالة وتهديد الأمن والعزل والإقصاء بزعم خيانة الوطن والشعب على اعتبار أن الوطن حكر على البعض يختصر على قياسهم وتحدد معايير الوطنية حسب قراراتهم.

والمعضلة، أو المأساة في ما شهده العرب خلال قرن من الزمان لا تقتصر على مجرد قضايا فساد أو استغلال سلطة أو قبض رشاوى لمعركة انتخابية (وهي غير متاحة أصلاً في ديارنا العامرة)، بل تعدت الأمور إلى التسبب بكوارث ونكبات متتالية بحق الأمة والشعوب كلَّفتها أثماناً باهظة وهزائم منكرة وألحقت بالأوطان العار وكرّست في نفسيات الشعوب حالات الإحباط واليأس والتخاذل والتواكل، بدءاً من نكبة فلسطين عام ١٩٤٨ وصولاً إلى النكبات المتلاحقة من هزيمة 5 حزيران (يونيو) ١٩٦٧ التي حاولوا تجميلها بتسميتها «النكسة» كأن الناس أغبياء أو أن التاريخ يمكن أن يشوّه أو يزوّر بالاحتيال أو بالتهريج والكذب المكشوف.

المرة الوحيدة التي تمت فيها استعادة الكرامة والعزة كانت عندما أعطيت الجيوش العربية فرصتها لإثبات وطنيتها وبسالة أفرادها وقدرتهم على مواجهة العدو الإسرائيلي، فتحقق انتصار السادس من تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٧٣ وشاركت فيه عدة جيوش عربية إلى جانب الجيشين المصري والسوري، كما أثبت التضامن العربي فعاليته في دعم الصمود عندما أقدمت المملكة العربية السعودية بقيادة الملك فيصل بن عبد العزيز وعدة دول عربية على استخدام سلاح النفط وتقديم الدعم الكامل لمعركة التحرير.

وفي معظم الأحوال الأخرى وقعت الكوارث المخزية عندما تم تحويل سلاح الجيوش الوطنية إلى صدور الشعوب أو استخدم في حروب عربية- عربية عبثية أو لتحقيق مطامع حزبية أو شخصية، مع أن هذه الشعوب دفعت ميزانياتها من دمها ولقمة عيش أجيالها وصبرت وقدمت التضحيات الجسام من اجل دعم قواتها على أساس المبادئ الوطنية والطبيعية التي قامت من أجلها. وهي أنها سياج الوطن ودرعه الحصين وحامي حدوده ووحدة أراضيه لردع الأعداء، فإذا بها تساق إلى مسار أسود عندما أُقحمت الجيوش في صراعات شخصية وحزبية وانقلابات أفرغتها من قياداتها الفاعلة وأحدثت شرخاً في بنيانها وحولتها إلى أداة في خدمة الحاكم بدلاً من أن تكون مكرّسة لخدمة الشعب والدفاع عن الوطن.

ولو استعرضنا في عجالة محطات التاريخ الأسود، بعيداً من الهدف السامي وهو تحرير فلسطين ومجابهة أطماع العدو الصهيوني، لوجدنا أن أكثر الخطايا كانت ترتكب باسم قضية فلسطين مما تسبب بكوارث لا تعد ولا تحصى نتيجة لجر العرب إلى صراعات داخلية وإقليمية وخارجية، وصولاً إلى مواجهة آفات الإرهاب. من بين هذه الخطايا التدخلات في الشؤون الداخلية بدءاً من التدخل العسكري المصري في اليمن الذي انقلب وبالاً على البلدين وأدى إلى ويلات من بينها هزيمة الخامس من حزيران ثم الغزو العراقي للكويت وما خلفه من كوارث على البلدين وعلى المنطقة بأسرها وعلى القضية الفلسطينية وما زال العراق يعاني من تبعاته حتى يومنا هذا بعد تدمير الجيش ومؤسسات الدولة وهدر الثروات، إن لم نقل نهبها، من قبل المتنفذين الذين عملوا بمبدأ «حاميها حراميها» بالتلازم مع الغزو الأميركي ومؤشرات التفتيت والتقسيم والحروب المذهبية.

أما السودان، فقد أقحم الجيش في انقلاب عسكري ضد النظام الديموقراطي فدمر البلاد وأفقرها ثم زج به في أتون حروب وحشية مدمرة في دارفور والجنوب والشرق ما أدى إلى انفصال الجنوب، والحبل على الجرار، وإفلاس البلاد وإحداث شروخ في مجتمع فريد كان يعيش على الوحدة الوطنية والتعايش السلمي بين الأعراق والشعوب والأديان. ولا ننسى ما حدث في ليبيا من كوارث ونكبات وتشرذم وتغليب للمصالح الشخصية والقبلية نتيجة لحكم ديكتاتوري ظالم استمر لأكثر من أربعة قرون فكانت النتيجة الحتمية وهي تدمير سياج الوطن وفتح أبواب التقسيم على مصاريعها. والأمر نفسه ينطبق على اليمن «التعيس» من حكم فردي وصراعات فردية وقبلية وحروب بين الشمال والجنوب وصولاً إلى رفع شعارات الانفصال.

وفيما شبح التقسيم يطل في كل مكان أدت سلسلة الأخطاء والخطايا والجرائم إلى إحداث فراغ في السلطة والأمن، ما شجع الأعداء على التدخل لتحقيق أطماعهم وبينهم الصهاينة وعتاة التطرف والإرهاب الذين يسرحون ويمرحون في ديار العرب وسط تساؤلات عن سر التخاذل والانهيار كما حدث في العراق يوم الغزو الأميركي ثم أخيراً عندما أقدمت «داعش» على اقتحام المدن العراقية بلا مقاومة وكأنها ذاهبة في نزهة فيما نرى الضباط والجنود يفرون من ارض المعركة (التي لم تقع) تاركين أسلحتهم وعتادهم وشرفهم العسكري بعد أن تخلوا عن حماية مواطنيهم الذين دفعوا كلفة تجهيزهم من لحمهم الحي ومن دماء أبنائهم.

إنها المأساة الكبرى، والكارثة الوطنية والعربية المخزية نشهد فيها بحزن كيف تخاذل السند وجبن، وكيف فر الحامي، كيف تآمر الحكام من دون أن يردعهم دين أو يصدهم رادع وطني أو أخلاقي، فيما العدو يضم ويلتهم الأراضي العربية ويدنس المقدسات ويضرب ويعربد ويستخف بالعرب، مثله مثل أصحاب الأطماع من القوى الأجنبية والإقليمية.

وأكبر الكوارث في أي وطن تأتي عندما يفقد المواطن ثقته بمن سلمه مقاليده وعلق عليه الآمال، فقد تعلمنا من الصغر أن الجيش هو الحامي وأن الشرطة في خدمة الشعب، ولكننا وصلنا إلى مرحلة صار فيها المواطن يشعر بالخوف من مجرد رؤية شبح اللون «الكاكي» بعد أن كان يستقبله بفرح واعتزاز ويضرب له عن إيمان «تعظيم سلام». كما تحول من كان يفترض أن يكون في خدمته إلى سيد آمر يجب أن يطاع وإلا فالويل والثبور وعظائم الأمور والباقي معروف. وما علينا إلا أن نعود لنتابع مصير ساركوزي، كما بدأنا، ولنردد معاً: حسبنا الله ونعم الوكيل.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان