رئيس التحرير: عادل صبري 10:54 مساءً | الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م | 14 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية
جوّال الشيخ

مقالات مختارة

علي بن طلال الجهني

جوّال الشيخ

علي بن طلال الجهني 15 يوليو 2014 14:23

قبيل أذان صلاة العصر في يوم من أيام رمضان في أواخر التسعينات من القرن الماضي، كنت في المكتب في الرياض وقيل لي إن رجلاً قال إن اسمه محمد بن عثيمين طلب أن يتحدث معي،


وحينئذ كانت خدمات الهاتف شحيحة جداً سواء أكانت الأرضية الثابتة أم المتحركة الجوالة، فخشيت أن المتحدث انتحل اسم فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين، فطلبت من أحد الزملاء أخذ الرقم الذي تحدث من خلاله من أراد محادثتي وأنا سأطلبه بأسرع وقت ممكن، وكذلك صار، فعرفت بسرعة مع أنه لم يسبق لي الحديث مع فضيلة الشيخ تغمده الله برحمته، بأن المتحدث هو فعلاً الشيخ محمد، ليس فقط بسبب أنه كان يتحدث بلهجة أهل عنيزة، التي لا تخطئها أذن سمعتها، ولكن أيضاً صوت فضيلته الذي كان إجمالاً من الأصوات المألوفة.
 

كان رحمه الله يتحدث من الحرم الشريف من خلال هاتف جوال في الأيام العشرة الأخيرة من رمضان، وكان الهدف من المكالمة إخباري بأنه كان مسروراً من وجود هذه الخدمة التي مكنته من التواصل من داخل الحرم، ومع أن الصوت كان واضحاً نسبياً فلم يكن بالجودة المطلوبة، فاعتذرت له رحمه الله، فقال: لماذا الاعتذار أنا أسمعك وأنت تسمعني، فقلت له: يا فضيلة الوالد لو أنكم حاولتم الاتصال خلال الفترة ما بين صلاة المغرب وصلاة العشاء لن تتمكنوا من إجرائها بسهولة، فإما أن يكون الصوت غير مسموع أو تنقطع المكالمة بمجرد أن يتم الاتصال.
 

وبكل تواضع، وبصورة محببة إلى النفوس، استفسر عن الأسباب فشرحت له: أولاً نحن في بداية الطريق، و«الجمالة» يقولون أول شدة عوجاء، ثانياً ليس من المجدي اقتصادياً تصميم شبكة اتصالات من أي نوع بطاقة استيعابية كبيرة تكفي لجميع الحاجات في أوقات الذروة التي لا تتجاوز بضعة أسابيع، وتبقى فيها سعة كبيرة شبه معطلة خلال بقية أيام العام.
 

استمع رحمه الله إلى الحيثيات التي ذكرتها من دون مقاطعة ومن دون تذاكٍ مصطنع، مع إنه وكما هو معروف، كان رجلاً ذكياً لماحاً سريع البديهة.
 

وفي مناسبة أخرى، وبعد أن عرفت أنه كان بحاجة ماسة إلى هاتف ثابت في مكان يستخدمه حينما يزور الرياض، للرد على أسئلة المستفتين وطلاب العلم وغير طلاب العلم، فاتصلت به متلطفاً بعد ما استنتجته من لطف في حديثه: يا فضيلة الشيخ يصعب توفير رقم هاتف بسبب زيادة المطلوب نسبة إلى الموجود، غير أنه يتيسر تماماً توفير الهاتف الذي طلبه فضيلتكم وفي المكان الذي طلبتم تركيبه إذا أخذنا رقماً من أحد الأرقام المخصصة لمدينة عنيزة. وبسرعة لم أستغربها قال: «لا بالله لا تأخذ من أرقام عنيزة شيئاً، خذه من أرقام واحد من أصحابك من بريدة». (عنيزة وبريدة مدينتان متجاورتان، وكما هو معروف وفي العالم أجمع تقريباً أن بين البلدات المتجاورة شيئاً من التنافس الهازل وأحياناً شبه الجاد).
 

كان رحمه الله يتصل كلما كان هناك ما يدعو إلى الاتصال أو الكتابة، وعادة يكون التواصل إما للاستفسار عن صحة أو خطأ ما ورده من شكاوى أو ملاحظات.
 

وكان رحمه الله يفضل الكتابة على الاتصال الهاتفي أحياناً، وكان يكتب بنفسه وبخط يده الواضح الجميل على أوراق طويلة تقارب الأوراق المعروفة حالياً بالأي ثري (A-3) من حيث الطول مسطرة على شكل مربعات صغيرة، كنا نسميها بـ«الفروخ» ولا أدري من أين أتى هذا الاسم.
 

رحم الله الشيخ محمد بن عثيمين وجعل قبره روضة من رياض الجنة، فقد كان سمحاً متواضعاً خفيف الظل، احتل درجة عالية من الصدقية والمحبة في قلوب كثير من السعوديين.

 

* أكاديمي سعودي.

نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان