رئيس التحرير: عادل صبري 08:02 صباحاً | الأحد 18 نوفمبر 2018 م | 09 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

غزة تقلب موازين وحسابات المصريين

غزة تقلب موازين وحسابات المصريين

القاهرة - أمينة خيري 15 يوليو 2014 14:18

دوخة. إعياء. ذهن مشتت. فكر مهلهل. شعور مبعثر. شاكوش يدق باستمرار ورتابة على الرأس. هاموش يتطاير بسخافة أمام الأعين. قائمة مطالب مؤجلة إلى حين انتهاء الشهر الكريم. ظلام دامس تحول من نقمة إلى نعمة مؤداها انخفاض جبري في فاتورة استهلاك الكهرباء. ومع الظلام صنبور لا يفيض ماء بل ينضح قرقعة ناجمة عن معركة المواسير الخاوية. حرارة قائظة ورطوبة خانقة وأسعار ملتهبة ورواتب منكمشة وبرامج طبخ رمضانية تؤجج الصراع الطبقي وتشعل الاستفزاز السلعي، ثم أخبار متواترة عن الوضع المتأزم في غزة.

المصريون في نهار رمضان كانوا يعانون الأمرين، ثم صاروا يعانون الثلاثة والأربعة والخمسة أمرار. صيام مع حرارة رهيبة ومرور متلبك واقتصاد متعثر، إضافة إلى ترقب وتوجس مع انتظار لما ستسفر عنه تحركات الإرهاب في الداخل، وتخوف وتريب وتذمر مع متابعة انهيار مكونات الخريطة المحيطة بهم الجزء تلو الآخر.

آخر ما طرأ على بال المصريين المطحونين طحناً ثورياً على مدار ثلاثة أعوام ونصف العام مضت، والمهروسين هرساً أمنياً منذ تم عزل الجماعة عن الحكم، والمعجونين عجناً اقتصادياً، أن يطلب منهم التدخل عسكرياً أو التوغل أمنياً أو التصادم إقليمياً في الوقت الضائع.

فقد ضاعت من عمر مصر والمصريين أشهر طويلة بدت دهوراً لثقلها وجفائها وحملها بين خيار سياسي واهن، وآخر إسلامي فاشل، وثالث تناحري بائس، وتصوروا أن «ثورة يونيو» وما تلاها من خطوات خريطة الطريق من شأنها أن تنهي الهموم وتفرج الكروب وترسم نقطة وتبدأ من أول السطر.

أول السطر جاء صعباً، وهو ما استعد المصريون له، متسلحين بخبرة ثلاث سنوات من أسقف طموحات عالية، سرعان ما ترتطم بالأرض ارتطامات مدوية. قليل من الصبر، وكثير من التقشف، وبعض من التحمل مع التأقلم، وسرعان ما يكون فرجه قريباً. هكذا ظنوا.

«ظننت أن ما علينا سوى الصبر وربط الحزام والتمسك بالأمل، لا سيما أن ما يحدث في ليبيا وسورية والعراق يدفعنا إلى أن نرضى ونبتهج بما بين أيدينا. لكن ما يحدث في غزة، على رغم بشاعته وقسوته من وجهة نظر إنسانية، قد يقلب الموازين ويعيد ترتيب الأمور»، يقول سائق الأجرة معلقاً على الأخبار الواردة من غزة والصادرة من تل أبيب والنابعة من أبواق «الإخوان» والمكتومة من كل ما سواها.

السائق البسيط يتعجب كل العجب من الوضع الإقليمي الذي يراه مبهماً مستغرباً مستهجناً. فهمها السائق البسيط على هيئة سؤال استنكاري: «حماس تطالب الجيش المصري بالتدخل في غزة، وهو الجيش نفسه الذي ناله من ناله منهم. أما القوى الإقليمية التي كان يتوقع هبتها لنجدة غزة لطبيعة تحالفاتها، فلا حس أو خبر. طيب إزاي؟!».

«طيب إزاي؟» صار سؤال المرحلة لدى قطاعات عريضة من المصريين الغارقين في شأنهم الداخلي الصعب، ووضعهم الاقتصادي الحرج، وحالهم الحزبي العسر، وموقفهم الأمني المتوعر. فقد جرى العرف التاريخي والعقيدة المصرية والإيمان المتأصل بالتفاعل والتضامن والتواصل مع كل ما يجري في فلسطين، إلا أن ما يجري هذه المرة جاء مختلفاً في مصر.

في مصر مشاعر شعبية متضاربة وأحاسيس متنازعة ومتابعات متعمقة لما يجري في غزة على رغم صعوبة الوضع الداخلي. السنوات القليلة الماضية والخبرات الكثيرة المكتسبة رفعت سقف النقاشات الشعبية وعقدت أبعاد التحليلات السياسية. المصريون البسطاء يتساءلون عن سبب صمت أميركا على مقتل أطفال غزة وصياحها على كل كبيرة وصغيرة في مصر. ويتناقشون حول عوامل الصمت القطري والسكون التركي والكمون الإيراني. ويتجادلون حول تورط «حماس» في الشأن المصري بفجاجة وانحيازها إلى الجماعة ودروها في سيناء. ويضربون أخماساً في أسداس في شأن وقوف العالم عند حدود الصمت والسكون، أو الشجب والتنديد، مع مطالبة مصر بالتدخل ودرء العدوان ونجدة غزة والقضاء على إسرائيل. لكن في خضم الأسئلة الصعبة، والخيارات الأصعب، لا يتوقف سيل التضامن ولا تنزوي أصوات الدعاء ولا تتعرقل آمال الخلاص لأهل غزة ولا تتعطل أمنيات التخلص من إسرائيل.

لكن حياة المصريين المعطلة منذ ثلاث سنوات تدفعهم دفعاً إلى حساب الخيارات، ومراجعة السياسات، ومعاودة الأطروحات، واسترجاع الذكريات، وتجرع الخلاصات.

وحيث أن لا انقطاع الكهرباء، أو تعثر وصول الماء، أو توحش غول الأسعار، أو تأجج حرارة الجو، أو طول نهار رمضان، أو تأزم الشلل المروري، أو خيبة التحالفات الحزبية تنال من قدرة المصريين على التفكير والتدبير والتحليل، فقد هرع كثيرون إلى موقف الجماعة، فلم يجدوا إلا بيانات تنديدية من دون دعوة إلى الجهاد، ورسائل بكائية من دون إشارة إلى المقاومة، وصور جثث ودماء من دون تلويح بمشاركة، وعلامات «ربعاوية» تسب الجيش المصري وتلعن الشعب المصري وتندد بالنظام المصري. وسارع آخرون إلى شاشات إقليمية فلم يجدوا إلا صب الغضب وتركيز الكمد على مصر والمصريين، دوناً عن خلق الله أجمعين، فما كان من المصريين إلا أن ذرفوا دموعاً على أهل غزة وأيدوا المساعدات والتسهيلات المقدمة لأهل غزة وتساءلوا عن السر الغامض وراء الصمت الغالب على كل متورط في «الجرف الصامد»، إلا في ما يختص بمصر والمصريين.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان