رئيس التحرير: عادل صبري 02:39 صباحاً | الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م | 15 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

ماذا جرى لأساتذة العلوم السياسية..؟؟

ماذا جرى لأساتذة العلوم السياسية..؟؟

مقالات مختارة

رجب عزالدين

ماذا جرى لأساتذة العلوم السياسية..؟؟

رجب عزالدين 15 يوليو 2014 11:07

ليست ظاهرة علماء السلطان بغريبة على مر العصور، هم فئة ممن ينتسبون للعلم الشرعى يلتحفون بالحاكم أو السلطان ويبررون له أفعاله وسياساته بالفتاوى والمبررات ذات المرجعية الدينية،


وهذا هو النوع التقليدى من علماء السلطان وما أكثرهم في هذا الزمان من أمثال من قالوا "اضرب في المليان، من قتلهم فهو أولى بالله منهم"، ومن شبه وزيرى الدفاع والداخلية بالأنبياء... إلخ. لكن نوعًا جديدًا قد ظهر على الساحة بكثافة يمكن تسميته بـ"أساتذة العلوم السيسية"، وهم فئة من المنتسبين للعلوم السياسية، يلتحفون بالسلطان أيضًا ويحيطون به، يبررون سياساته القمعية وممارساته القذرة من مدخل العلوم السياسية، وليس من مدخل العلوم الدينية.
 

وقد صك الدكتور سيف الدين عبد الفتاح، مصطلح "العلوم السيسية" بدلاً من "العلوم السياسية"، لفهم ما آلت إليه أحوال أساتذة العلوم السياسية في مصر منذ انقلاب 3 يوليو، فمعظمهم يسير في ركاب السلطة الحالية يبررون جرائمها بلا وازع من ضمير أو إنسانية أو حتى علم، فالانقلاب لديهم ثورة والثورة لديهم انقلاب، والمجازر لديهم مجرد إجراءات للحفاظ على الأمن القومى، وعسكرة الدولة والمجتمع أصبحت ضرورة ملحة وليست أمرًا مرفوضًا كما تشير أصول العلاقات المدنية العسكرية التي يعلمونها بحكم التخصص... إلخ...
 

(2)

يتساءل طلاب العلوم السياسية: كيف لأساتذتنا أن يقفوا في صف سلطة انقلابية ويصف انقلابها بالثورة؟ كيف لأساتذة العلوم السياسية، أن يقفوا مع تدخل المؤسسة العسكرية في الشأن السياسي المدني بهذه الطريقة، وهم يعلموننا مبحثًا هامًا في النظم السياسية يسمى بالعلاقات المدنية العسكرية؟ كيف لبعضهم أن يبرر القتل والقمع وهم يعلموننا نظريات الحقوق والحريات العامة والخاصة؟ كيف يميلون إلى سلطة استبدادية وهم يعلموننا أن الاستبداد إذا دخل من باب خرجت السياسة والديمقراطية من الشباك؟ كيف لهم أن ينقلبوا على المسار الديمقراطى الوليد في مصر، مع أنهم ظلوا طوال عمرهم يبشرون بالديمقراطية وآلياتها باعتبارها أفضل ما توصلت إليه البشرية فى العصر الحديث؟ كيف لهم أن يوافقوا على إزاحة المنتخب بالقوة، مع أنهم يشددون في تعليمنا على مبدأ التداول السلمي للسلطة ويحذروننا دائمًا من ويلات الانقلابات العسكرية ويضربون الأمثلة بدول أفريقيا المتخلفة التي يحكم فيها من يستيقظ مبكرًا وتضيع منه السلطة في الظهيرة جزاء محاولته الاسترخاء من حر الشمس؟ كيف لهم أن يحرضوا على قتل المعارضين ويتماهون مع السلطة في وصفهم بالإرهابيين، وهم من يعلموننا أصول التعددية السياسية وحل الأزمات بالطرق السلمية التفاوضية؟ كيف لهم أن يوافقوا على إلغاء الحق في التظاهر مع أنهم أول من يعلموننا الحق في التظاهر والحق في الاعتصام والحق في الإضراب والعصيان المدنى كحقوق مدنية أصيلة في مواجهة الاستبداد؟
 

(3)

فهذا أستاذ علوم سياسية يسارى يدرس في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، صدعنا بالحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وعدم طغيان الأغلبية على حقوق الأقلية، ثم فجأة أعلن موقفه وبكل صراحة تجاه مظاهرات الطلبة في الجامعة، وقال بالحرف: "دول أقلية وما ينفعش يفرضوا رأيهم على الأغلبية".
 

 وطالب بالتعامل مع مظاهرات الأقلية كما يصفها، وذلك لأنها عطلته عن محاضرته التي توقفت بسبب قمع الشرطة للمظاهرة.
 

اللطيف في الأمر أن أستاذنا اليساري كان في طريقه لإلقاء محاضرة لطلبة شعبة إنجليزي بالكلية، (وهي شعبة طبقية بامتياز، وتزيد مصروفاتها السنوية على ثمانية آلاف جنيه، بينما الشعبة العربي التي تضم معظم المنتسبين للكلية مصروفاتها حوالي 300 جنيه)، ومع ذلك فقد صب أستاذنا غضبه على مظاهرات الطلبة التي وصفها بالأقلية، لأنها عطلته عن محاضراته لشعبة الأقلية في الكلية.
 

(4)

وهذا أستاذ حاسب آلي في نفس الكلية دائمًا ما يعرف نفسه في الفضائيات بأستاذ العلوم السياسية، يرى في نفسه مدافعًا عن الدولة المصرية وسيادتها، لكن الغريب أنه أخذ يربط أشياء ومواقف لا يربطها رابط على طريقة "سمك لبن تمر هندي"، المهم أن مفردات الدولة والسيادة الوطنية ستعتلي الخطاب وتتصدره،فيبدو للناس كالذي يدافع عن الدولة لكنه فى الحقيقة يدافع عن الاستبداد، وعليه فقد حرض مرارًا وتكرارًا على فض اعتصام رابعة والنهضة، لأنهما يشكلان –من وجهة نظره -تهديدًا للأمن القومي وفقدانًا لسيادة الدولة على جزء من أراضيها، وكأن المسألة حرب بين دولة وعدو يحتل جزء من الأرض ،وليست انقلابا عسكريا على ارادة الناس ومقاومة مدنية،كما ألح استاذنا  مرارًا على السلطات الانقلابية بإعلان جماعة الإخوان المسلمين فصيلًا خائنًا للدولة المصرية، وإذا احتج أحد من الشعب، وقال: لقد انتخبناهم في خمسة استحقاقات انتخابية كبرى متتالية، فضلاً عن عشرات النقابات المهنية، فعلى السلطات المصرية - من وجهة نظر أستاذنا - أن تلعب دورها في الوصاية التاريخية وتبين له جهله بهذا الفصيل الخائن، فإذا اعترض هذا المواطن على ذلك يصبح مواطنًا غير صالح ويشكل نواة تهديد للدولة المصرية مستقبلاً، ومن ثم لا مانع من التنكيل به مثل أصدقائه، لأنه رفض الانصياع لإرادة الدولة والسيادة المصرية.

(5)

وهذا أستاذ علوم سياسي قومي عروبي، يحظى بتقدير الكثيرين، ويعد من نوادر العروبيين المتبقين من حقبة الزمن الجميل، ويتمتع بحب وثقة معظم طلبته،بمن فيهم كاتب هذا المقال لما تعلمناه منه من قيم عروبية وغيرة على قضايا الأمة، لكنه فجأة قرر أن ينحى وداعته وسماحته المعهودة جانبا وكتب مقالا ً بعنوان: "اعتصام رابعة وتوابعه، ما العمل"؟ اتهم فيه المعتصمين بالإرهاب وحيازة الأسلحة وتعطيل الطريق، ثم حرض الداخلية على سرعة فض الاعتصام وقدم لها خطة مبدئية في ذلك،مشددا على أهمية الضرب بيد من حديد على هؤلاء العابثين بأمن الوطن مذكرًا بالحقبة الناصرية والتحديات التي مثلتها هذه التيارات للدولة المصرية، كما لم ينس الإشادة بالدور التاريخي الذي تقوم به وزارة الداخلية في مواجهة ما أسماه الإرهاب المجنون، الذي يحاول إخضاع مصر والمصريين، مقدمًا التعازي في أبنائها، فهو يعتقد أن مصر لم تشهد على مر تاريخها هذا العدد من شهداء الشرطة؟ ولما حدثت المجزرة لم يكتب عنها شىء كما لو كانت غير موجودة مع أنها أكبر حادثة قتل جماعى فى تاريخ مصر الحديث وأقصى ما ذكره عنها فيما بعد أن الشرطة لم تكن مدربة بالقدر الكافى لذلك وقعت اعداد كبيرة .المحزن فى الأمر أن هذا المقال كتبه استاذنا فى ظروف مرضية شديدة ألمت به دعته إلى اجراء عملية زرع كبد أجراها فى فرنسا.

 (6)

وهذه أستاذة علوم سياسية، تكتب مقالاً بعنوان: "الجامعات وديكتاتورية الصندوق"، لتبرر به قرار الحكومة الحالية بإلغاء فكرة انتخابات رؤساء وعمداء الكليات المتكسبة بعد ثورة يناير، قائلاً إن الصندوق قد خذلنا فذهب غير مأسوف عليه، لأن هذا الصندوق قد أفرز ديكتاتوريات أشد ضراوة وقسوة من أي نظام آخر، لاختيار القيادات الجامعية، ومن ثم تتمنى الأستاذة أن تعود الجامعة إلى ما كانت عليه، بدون فوضى، خالية من الإرهاب والإرهابيين، ولها "كبير" نلجأ إليه وقت الحاجة، نعم كلمة "كبير" من استخدامها هي، وليس من استخدامى أنا!!

(7)

وهذه أستاذة علوم سياسية، فى معهد البحوث والدراسات العربية، ما إن تدخل معها في حوار حتى تجد نفسك أمام خصم سياسى بامتياز، تردد ما يقوله الخصوم السياسيون ضد بعضهم من إشاعات وأكاذيب ومقالب بغرض الشو الدعائى والإعلامي، وهو ما يدركه النشطاء جيدًا، وعندما تسألها عن تحققها من هذه الشائعات ترد بشائعات أخرى، وهذا ما اختبرته شخصيًا في حوار معها على "فيس بوك" قبل الانقلاب بأسابيع، حيث وجدتها تصب جام غضبها على الرئيس مرسي وتطالب برحيله، فسألتها لماذا؟ فكان ردها: "لأنه خان الأمانة وباع سيناء للفلسطينيين، وحلايب وشلاتين للسودان، وقناة السويس لقطر، وهرب الكهرباء لغزة، ويحاول تأجير الأهرامات، بل وقتل الجنود في رمضان بالتعاون مع حركة حماس".
 

لو قال هذا الكلام ناشط أو خصم سياسي لفهمنا ذلك، لكن أن يقوله أستاذ علوم سياسية ويقتنع به دون أدنى تحقق لمدى صحته أو خطأه، فهذه هي الكارثة أن يفكر أستاذ العلوم السياسية بمنطق الخصم السياسي، وللأسف فقد انزلق كثير منهم في هذا المسار، فلم نعد قادرين على التمييز بينهم وبين النشطاء والخصوم.

 

(8)

وهذه استاذة علوم سياسية أخرى فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية،تعتمد فى مصادر معلوماتها عن المشهد الجارى ،على توفيق عكاشة وتمتدح فيه وتراه اعلاميا يكشف الحقائق بصورة جرئية للناس.لن تصدق ذلك ولا أخفيك سرا لم  أصدق أنا الآخر، حتى تحققت من الأمر فعلا من أحد الذين حضروها وهى تصرح بذلك .لا أدرى هل هذا يستحق التعليق أم لا .لكنه لا يختلف كثيرا عن استاذتنا السابقة التى تعتمد فى تحليلها على الإشاعات والأكاذيب،وربما الاختلاف أن أحداهن تستمع للشائعات بينما الأخرى تستمع للمصدر نفسه .
 

 (9)

وهذا أستاذ علوم سياسية من الحرس القديم (أمين التدريب والتثقيف السياسي بلجنة السياسات بالحزب الوطني سابقًا)، يعود للساحة من الجديد بعد أربعة أعوام من الترقب الخائف، يعود ليكتب "30 يونيو وعودة الدولة المختطفة"، يعبر فيه عن امتنانه لشعب 30 يونيو على استيقاظهم مرة أخرى، وخطفهم الدولة من الإخوان، لتعود إلى خاطفيها الأُول أو أهلها الحقيقيين، كما عبر (يقصد الحزب الوطني)، ثم يكتب مقالاً آخر عن "الدور السياسي للعسكريين"، يستهله بمقدمة نظرية عن مواقف النظريات السياسية الغربية التي ترى إبعاد الجيوش عن الساحة السياسية، ثم يعلق بأن ذلك كلام نظري وأن الواقع يقتضي أن نكون أكثر واقعية، وفي هذا السياق يقدم اقتراحات خاصة بفتح مجال السياسة للعسكريين أكثر من الماضي، فلا مانع من أن يكون للعسكريين آرائهم في المساحة السياسية المدنية، إضافة إلى آرائهم الحصرية بشؤون الأمن القومي، ولا مانع من تشكيل أحزاب من العسكريين القدامى لممارسة الحياة السياسية، ثم الترشح للبرلمان والرئاسة فيما بعد، مستشهدًا بإسرائيل والولايات المتحدة، اللطيف في الأمر أن صاحبنا نسى أنه مدح ثورة يناير وشبابها من قبل في إحدى اللقاءات التليفزيونية، ثم عاد الآن ليقول إنها مؤامرة إخوانية بالتعاون مع أجهزة خارجية، أخيرًا لم ينس صاحبنا أن يمتدح في معظم مقالاته نظامه السابق على طريقة "فين أيامك يا أبو علاء، ومش قولنالكوا إنها مؤامرة، وأهلاً بكم مجددًا كنا عارفين إنكم جايين، ووحشتونا رغم إن إحنا زعلانين منكم".
 

(10)

بقى أن نشير إلى بعض أساتذة العلوم السياسية الذين وقفوا في المواجهة، وما زال موقفهم يشرف كل عالم وطالب حر، فضلاً عن كل إنسان ما زال يحتفظ ببقية ضمير حي، أساتذة أمثال الدكتور سيف الدين عبد الفتاح والدكتورة نادية مصطفى وغيرهما، وإن كانوا قليلي العدد، لكن مواقفهم في مواجهة الظلم والاستبداد لا تزال تشير إلى أن الدنيا ما زالت بخير، فهؤلاء الأساتذة لم يسيروا مع الموجة أو التيار ولم يختاروا التطبيل أو التبرير مثل كثير من زملائهم، رغم أن طريق زملائهم أكثر أمانًا وربحًا على المدى الطويل، بينما طريق المواجهة والصدع بكلمة الحق، أكثر خطورة وأعظم ضررًا، ولعل بعضهم قد ضُيّق عليه في رزقه، وتم إيقافه عن العمل بالجامعة بسبب مواقفهم السياسية (د.سيف، د.باكينام، وغيرهما من عشرات الأساتذة بالجامعات المصرية).بل إن بعضهم حكم عليه بالاعدام (د.عبد الله بركات عميدة كلية الدعوةجامعة الأزهر وآخرون )
 

(11)

ما تفسير ذلك؟ لماذا صمد هؤلاء في وجه المدفع كما يقولون؟ ولماذا هرول آخرون في الالتحاف بسلطة انقلابية قمعية ربما لا يوجد لها مثيل في تاربخ مصر الحديث؟

ربما لو بحثنا في الذاكرة عن انتماءات هؤلاء الأساتذة لاكتشفنا رابطًا هامًا يجمعهم ويفسر مواقفهم، فهم نخبة من أبناء مدرسة التجديد الحضارى في الفكر الإسلامي، التي أخذت على عاتقها مقاومة التبعية العلمية للمدارس الغربية في حقل العلوم السياسية عن طريق تطوير مداخل علمية جديدة لدراسة أحوال الأمة، تنطلق من مرجعية وثقافة هذه الأمة، وليس من مرجعيات مستوردة، وكان مدخلهم هو المدخل القيمى في دراسة الظواهر السياسية، فكانت الدكتورة نادية مصطفى علمًا بازرًا في حقل العلاقات الدولية من منظور حضاري إسلامي، وكان الدكتور سيف الدين عبد الفتاح علمًا بارزًا في حقل النظرية السياسية والفكر السياسي من منظور حضاري إسلامي، وما إن تجلس مع أحدهم حتى تجده مشغولاً بأمر الأمة كلها، بما يذكرك بالآية القرآنية: "إن إبراهيم كان أمة"،وربما ستبتسم إذا علمت أن انتاجهم العلمى السنوى يصدر فى حولية تحمل عنوان " أمتى فى العالم " وتعنى بخدمة ومتابعة قضايا الامة فهما وتحليلا وتفسيرا .
 

لماذا صمدوا؟ لأنهم أبناء المدرسة الحضارية، ورثة حامد ربيع وعبد الوهاب المسيري ومنى أبو الفضل وجمال حمدان، إنهم أبناء المدرسة القيمية، يُعلمون طلبتهم القيم قبل العلم، يعلمونهم أن علمًا بلا مبادئ، يساوى إنسانًا بلا ضمير وعالم بلا علم.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان