رئيس التحرير: عادل صبري 10:45 صباحاً | الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م | 11 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

إشكاليات «الجمهورية الرابعة» في مصر

إشكاليات «الجمهورية الرابعة» في مصر

حسين معلوم 12 يوليو 2014 11:36

عبر ستة عقود ونيف، مرت على الدولة العربية الكبرى، مصر، ثلاث جمهوريات متتالية؛ استمرت الأولى حوالى ثمانية عشر عاماً، في حين استمرت الثانية أربعة عقود، ولم تستمر الثالثة إلا عاماً واحداً فقط... ومع تولي عبد الفتاح السيسي رئاسة الجمهورية، بدأت معه الجمهورية الرابعة في مصر.

والملاحظ، أن هذه الجمهورية الرابعة تأتي بعد ثورتين، أنجزهما المصريون في زمن قياسي (أقل من ثلاثين شهراً) تركزت أهداف الأولى، في 25 كانون الثاني (يناير) 2011، على الأوضاع الداخلية، وتم من خلالها إسقاط الجمهورية الثانية؛ أما الثورة الثانية، في 30 حزيران (يونيو) 2013، فقد أسقطت الجمهورية الثالثة، وتركزت مطالبها على الأبعاد الخارجية.

وبالنظر إلى المهمات التاريخية التي طرحها المصريون من خلال هاتين الثورتين، نجد أنها تمحورت حول ثلاثية: الحرية، العدالة الاجتماعية، الاستقلال الوطني. وهو ما يؤكد ضخامة العمل المُلقى على عاتق الإدارة المصرية المُؤسِسَة لهذه الجمهورية، في الدفع بالثلاثية التي اجتمعت حولها أهداف الثورتين، من أجل أن تُمثل أهدافاً للعمل الوطني مستقبلاً.

على رغم ذلك، لم تتأسس الجمهورية «الجديدة» على رؤية واضحة أو برنامج محدد؛ فمن دون رؤية تؤشر إلى ملامح الانحيازات الاجتماعية للإدارة المصرية الجديدة، ومن دون برنامج يحدد أولويات هذه الإدارة في العمل الوطني، تأسست «جمهورية السيسي»، واتخذت شرعيتها: ليس، فقط، من صندوق الانتخابات؛ ولكن، أيضاً، من آمال عقدها كثير من المصريين على «الرجل»، ومن توقعات متفائلة وطموحة تراهن على تغيير إلى الأفضل في المستقبل.

بيد أن هذه التوقعات، من جانب الكثير من مؤيدي السيسي، تراجعت مع تشكيل الحكومة الأولى في الجمهورية الجديدة، حكومة محلب الثانية، التي جاء تشكيلها أقل من الطموح وأضعف من المراهنة على المستقبل. ليس، فقط، من حيث تماسك الرؤية وتمثيل الشباب والمرأة؛ ولكن، إضافة إلى ذلك، من منظور الانحيازات الاجتماعية لهذه الحكومة، التي تُعبِر عنها سياساتها الاقتصادية.

صحيح أن حكومة محلب هي «حكومة موقتة»، إلى حين إجراء انتخابات البرلمان المصري، الذي سيتحمل عبء تشكيل الحكومة الجديدة، فور تشكله؛ لكن يبقى من الصحيح، أيضاً، أن أسلوب عمل هذه الحكومة يؤشر إلى الملامح التي تبدو عليها أولويات التحرك السياسي والمجتمعي، ودوائره، بالنسبة إلى المسؤول الأول عن صناعة القرار المصري في هذه المرحلة.

وفي ما يبدو، حتى الآن، فإن أهم هذه الملامح هو ما يمكن وصفه بـ «صمت الكاريزما»، وهو الصمت الذي وإن كان يُعبِر عن تحركات «مدروسة»؛ إلا أنه، في الوقت نفسه، يؤشر إلى أن تلك التحركات تبدو بطيئة، وأقل من التحديات التي تواجه مصر داخلياً وخارجياً، بل، وأقل بكثير من سقف توقعات غالبية الشعب المصري، التي منحت الرئيس تأييداً، وشرعية جديدة، عبر صناديق الانتخابات. ولنا أن نشير، هنا، إلى إشكاليات ثلاث تُعبر عن عدم التوازن في معادلة «صمت الكاريزما» المُشار إليها. فمن ناحية، يبدو أن التوجهات التي تتبناها حكومة محلب، الحالية، هي توجهات تدل إلى انحيازات اجتماعية واضحة؛ وهي ليست، بالتأكيد، في مصلحة فقراء هذا الوطن. ومن ثم، فإن «الصمت»، الذي تبناه «الرئيس»، من قبل، أثناء سباق انتخابات الرئاسة، للابتعاد عن الاشتباك في قضايا خلافية. هذا الصمت، الآن، لم يعد مفيداً، كما لم يعد منطقياً، بعد أن جاوزت حكومة محلب المدى، في سياساتها الاقتصادية الأخيرة. اللهم إلا إذا كان المقصود، هو وضع هذه الحكومة في مواجهة فقراء المصريين - وهم كُثُر- والبعد بـ «الكاريزما» من الاشتباك المجتمعي القادم.

من ناحية أخرى، رغم تأكيد الرئيس، في مجمل مواقفه التي أعلنها أثناء حملته الانتخابية، إزاء قضايا الأمن القومي العربي وأمن الخليج وعروبة مصر، إلا أننا، حتى الآن، لا يمكن أن نستطيع بلورة رؤية واضحة حول مفهوم «الأمن العربي»، أو مفهوم «العروبة»، في فكر صانع القرار المصري. فما هو، كمثال، رد الفعل المصري تجاه ما يحدث في ليبيا والسودان؛ وما هو الموقف المصري، كمثال آخر، تجاه الأحداث في سورية، و/أو تجاه ظاهرة «داعش» في العراق وسورية. إن ما نريد تأكيده، هنا، أننا، الآن، أمام متغيرات إقليمية يتحول فيها مفهوم «الأمن العربي»، من مجرد إطار حضاري وميراث تاريخي مشترك، إلى مجموعة من المصالح الحيوية التي يلعب فيها هذا «الأمن» دوراً فاعلاً ومؤثراً بالنسبة إلى بلدان المنطقة. فإذا أضفنا إلى ذلك مشكلة «سد النهضة»، يمكننا القول: إن «صمت الكاريزما» طال أكثر مما ينبغي.

من ناحية أخيرة، في خطابات الرئيس - القليلة - سكت عن «الشباب»، وابتعد تماماً عن أي وعد خاص بمشاركتهم في إدارة مؤسسات الدولة. بل، إن المصطلح نفسه، «الشباب»، لم يرد في خطابات السيسي، اللهم في الحديث العابر عن مشكلة البطالة. هنا، نحتاج إلى أن نتأمل درساً واحداً من دروس ثورتي مصر. إنه ذلك الخاص بـ «البصمة الشبابية» في هاتين الثورتين. ولعل هذه البصمة الشبابية توضح، من جهة، الفشل الواضح لـ «النخب» العربية في تلمس الهموم المعيشية للمواطن. إذ، غابت هذه النخب، إلا قليلاً، عن صناعة حالات الاحتجاج التي تحولت إلى ثورات شعبية شاملة، لم تتوقف عند حدود إصلاحات هنا أو هناك، بل رفعت سقف المطالب إلى «إسقاط النظم الاستبدادية»، فكان لها ما أرادت. وهنا، أيضاً، لنا أن نتأمل كيف كان خالد سعيد الشرارة في انطلاق الثورة في مصر؛ وكذلك، كيف كان بوعزيزي الشرارة في انطلاق الثورة في تونس. إذ لم يكن الأول من «المثقفين»، ولم يكن الأخير من «النخبة». كما أن هذه البصمة الشبابية تؤكد، إضافة إلى ما سبق، أن الشباب الذي كان نقطة الانطلاق في هذه الثورات، لم يعتمد كثيراً على عدد من المقولات الفكرية، التي أفرط المثقفون في استخدامها وتكرارها إلى الدرجة التي كادت أن تصبح معها من القواعد التي لا يمكن الخروج عليها. ومن ثم، لنا أن نتأمل أن أهم هذه المقولات، التي تجاوزها الشباب، مقولة: «القائد المُلهم» (الكاريزما)، إذ إن كثيراً من رموز هذه الثورات «الشبابية» لم تكن معروفة للجميع. فلم تكن المجموعة الشبابية التي دعت إلى «الاحتجاج» في 25 كانون الثاني (يناير) معروفة، ولم يكن شباب «حركة تمرد» من السياسيين المعروفين. ماذا نُريد؟ نريد أن نطرح التساؤل: هل يستمر «صمت الكاريزما» طويلاً؟.

 

* نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان