رئيس التحرير: عادل صبري 11:44 صباحاً | الجمعة 21 سبتمبر 2018 م | 10 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

ما بين الثورة والأزمة

ما بين الثورة والأزمة

مقالات مختارة

محمد محمود مهدي

ما بين الثورة والأزمة

محمد محمود مهدي 06 مايو 2014 16:29

نعم، انتهت «ثورة 25 يناير» كما اُسميها وغيري الكثيرون، أنها ثـورة شعب أراد التغيير وتحقيق عدالة الفرص، نعم أيضًا أوشكت أن تنتهي «أزمة 25 يناير» كما يُسميها آخرون أرادوا استمرار النظام الذي يحمي ويمنح مصالحهم الديمومة والاستقرار ويحافظ على البيئة التي اعتادوا العيش فيها.

 

وبين ما تحمله «نعم» الأولى من حزن عميق على أرواح زهُقت وأحلام ضاعت ومستقبل مليء بالغيوم، وما تحويه «نعم» الثانية من فرحة عارمة بقرب انتهاء الأزمة التي كادت تعصف بمستقبل شبكات المصالح المتجذرة منذ عشرات السنين، يحضرني تساؤل: ماذا حصل في «مصر» يوم 25 يناير 2011م؟.

 

جدير بالذكر أن الأزمة والثورة رغم تباعدهما في المعنى فإنهما يتقاربان في أجزاء من تعريفهما، فكليهما موقف أو حدث غير متوقع التوقيت؛ أي يحدث فجأة، ويتسبب في حال تفاقمه بإحداث تغيرات كبيرة في الوضع القائم، ففي 25 يناير 2011م حدث أن خرجت الجماهير فجأة رافضة للأوضاع القائمة، ولم تستطع مؤشرات وإشارات عدة تقاربت حينًا وتباعدت حينًا آخر، أن تمنح أحدًا بصيرة التنبؤ سواء من يرونها ثورة، أو يرفضونها ويعتبرونها أزمة.

 

وما أن أُزيح الرئيس الأسبق "مبارك" عن سدة الحكم، حتى دخل فريقا الثورة والأزمة مباراة إدارية بامتياز، فالأول تعاطى مع الحدث على أنه ثورة، فيما تعامل الثاني معه بمنطق الأزمة.

 

الفريق الأول الذي رأى ما جرى في يناير 2011م ثورة شعب أراد العيش والحرية والكرامة الإنسانية، من الواضح أنه لم يفطن بعد إفاقته من صدمة المفاجئة بسقوط رأس النظام لما يمتلكه من أدوات وقدرات كان من شأنها مساندته في إدارة وقيادة ثورته إلى بر الأمان، لاسيما أداة وحدة الصف الثوري؛ إذ عانى الفاعلون الأساسيون في ذلك الفريق من داء التشتت والفرقة، وأدخلوا أنفسهم في أزمات ذاتية ومهاجمات ثانوية بين ما هو إسلامي وآخر ليبرالي.

 

ناهيك عن استحواذ التيار الإسلامي منفردًا بقيادة المشهد دون مشاركة الباقين، معتبرًا نفسه الأحق بالقيادة، مبتعدًا عن خيارات عدة على رأسها المشاركة والتعاون، التي في حال شيوعهما تزداد احتمالية الترسيخ الديمقراطي في المجتمع.

 

والأكثر من ذلك، لم يُفعل من قادوا الثورة رغم امتلاكهم للسلطة حينها سيفها البًتَّار بتفكيك منظومة الفساد والاستبداد، بل تعاونوا معها في مواقع شتى ضد شركاء الميدان (محمد محمود ومجلس الوزراء نموذجًا)، والمفارقة العجيبة أن هذه المنظومة ذاتها هي من انقضت على هؤلاء وأكلتهم سهلاً.

 

وفي المقابل فطن فريق الأزمة مبكرًا للأمر وأخذ يتعامل مع أزمته وفقًا للمنهج العلمي المتبع في إدارة الأزمات، فاستطاع التعايش معها وتقديم معالجات محكمة تمكنه من تحقيق أكبر قدر ممكن من النتائج المرجوة.

 

ورغم عدم جودة القراءة الأولية لمؤشرات أو إشارات الإنذار المبكر بالأزمة، فإنه تفنن في إدارة باقي مراحلها؛ ففي مرحلة تقليل الآثار الناجمة عن الأزمة استطاع الحفاظ على جسد النظام قائمًا كما هو وسط أعاصير الثورة، مُضحيًا بالرأس، وحسب ظني أن تضحيته بالرأس ذات خسائر مادية ضيقة بالنسبة له لما بلغته الرأس من الكبر عِتِيًّا.

 

الملاحظ على فريق الأزمة ذلك الانتقال الهادف والسريع إلى مرحلة تجميع الصفوف وتقديم البدائل، فاختار شخصًا يُمثله في مواجهة الثورة، ورغم خسارته في اتمام المرحلة بتتويج ممثله الفريق "أحمد شفيق" على سدة الحكم، لم يصبه اليأس وظل متماسكًا في مواجهة أزمته، وذلك بتفعيل أدوات تُمهد دخوله المرحلة الثالثة وهو أكثر قوة، والتي من أبرزها أداة تفتيت الأزمات، وذلك بتفتيت الكتلة الثورية إلى أجزاء يسهل التعامل معها.

 

فعمد إلى إعادة تعريف القوى المتحالفة المكونة للثورة مرة أخرى، وذلك بعد زيادة تكثيفه لعمليات جمع المعلومات عن هذه التحالفات، ومن ثمّ بدأ في ممارسة سياسات الضغط التدريجي على مناطق الضعف لديها، وكذلك التصويب نحو الأفكار والأيدلوجيات والمصالح المتضاربة، وأيضًا إتاحة بعضًا من المكاسب الجزئية للفرق المتضاربة دون الأخرى، وبذلك تكسرت الصخرة وتفتت بل وانقلبت على بعضها البعض، وأضحت كتل صغيرة ضعيفة يسهل قضمها والانقضاض عليها.

 

وفيما يبدو أن الأدوات التمهيدية سالفة الذكر أهلته دخول مرحلته الثالثة من المواجهة ممتلكًا لعناصر القوة، مما جعلته يتجه إلى انتهاج سياسات أكثر حزمًا وفتكًا، كالتدمير النهائي لبعض الكتل المفتتة، أو التدمير المرحلي وذلك بتوجيه ضربات متلاحقة وموجعة، أو ما يعرف بالاحتضان الوقتي، الذي مآله التدمير أيضًا.

 

وبعد أن حقق فريق الأزمة نجاحات ملموسة في تفتيت وتدمير الجزء الأوسع من فريق الثورة، استعاد جزءً كبيرًا من اتزانه وتركيزه، الذي مكنه أكثر من أدواته في المواجهة، وأخذ يتلاعب بحرفية عالية مع بعض الكتل الثورية حتى أنساها شعاراتها السابقة في 25 يناير.

 

ورغم انكشاف الصورة لدى فريق الثورة، فإنه لازال غارقًا في مستنقع التشرذم والاختلاف، وأصبحت أهدافه قصيرة المدى ذات سقف محدود، وكاد يقترب من الدخول في مرحلة الإحباط وصولاً إلى التدمير الذاتي، في انتظار إعلان فريق الأزمة استكمال مرحلته الرابعة بتخطي أو انتهاء الأزمة أو بالأحرى كما يسميها مؤامرة 25 يناير 2011م.

*****************************

*باحث في الشئون السياسية

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان