رئيس التحرير: عادل صبري 05:02 صباحاً | الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م | 08 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

خريطة طريق لرئيس لبنان

خريطة طريق لرئيس لبنان

مقالات مختارة

عرفان نظام الدين

خريطة طريق لرئيس لبنان

05 مايو 2014 14:39

لا يمكن فهم سر «مغناطيس» الجذب نحو كرسي رئاسة الجمهورية في لبنان، ولا يوجد تفسير لهذه الظاهرة، أو حل لألغازها لمعرفة دوافع الصراع الداخلي والخارجي عليها في ظل الظروف الراهنة الصعبة، والمأزق الحرج الذي تمر به البلاد والأخطار المحدقة بها من كل حدب وصوب.

فكل عاقل يدرك جيداً أن الرئيس العتيد، أي رئيس، مهما كانت مواصفاته وميزاته وقدراته ومدى قوته (طالما أن الجميع طالبوا برئيس قوي) لن يستطيع أن «يشيل الزير من البير»، أو أن يتمكن لوحده من «حلحلة» العقد، وحل المعضلات والمشاكل ويزيل العوائق والموانع و...!

فالرئيس العتيد يأتي في وقت عصيب لا يحسد عليه، حتى من خصومه ومنافسيه على المنصب السحري. فالتركة ثقيلة، ولبنان يمر بأدق مرحلة في تاريخه المثقل بالحروب والأزمات والصراعات والمماحكات السياسية. كما أن الأوضاع المزرية التي تمر بها المنطقة هذه الأيام تجعل منه «كبش فداء»، وتتحول السكاكين إلى ظهره وتلقى على عاتقه كل صراعات الدول السرية والعلنية، كأنه المسؤول والعاشق الوحيد لقضايا أمته!

والعلاقة مع سورية بالذات، في ظل أزمتها الراهنة التي دخلت عامها الرابع، تأثرت بقوة أمنياً وسياسياً واقتصادياً... ليدفع لبنان ثمناً باهظاً إحدى نتائجه نزوح مئات الآلاف من اللاجئين، ما أدى إلى تعمق حراجة أوضاعه وتعرضه لسيل من المشاكل والصعوبات والأزمات الاقتصادية والمعيشية والأمنية، وهو لا يملك أية إمكانات لمواجهة هذه الأزمة.

وهذا يشبه تماماً ما تعرض له بعد نكبة فلسطين عام ١٩٤٨، عندما تنصل العرب والعالم من مسؤولياتهم تجاه هذه المأساة الإنسانية والقضية المحورية، وألقوا على ظهره وأراضيه بمئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين الذين أقيمت لهم مخيمات البؤس والعار على تخوم العاصمة بيروت والمدن الأخرى، وتحولت مع الزمن قنابل موقوتة، وبؤرة صراعات وحروب ومشاكل أمنية ما زالت آثارها وتداعياتها تخيّم على المشهد اللبناني حتى يومنا هذا. وأخشى ما أخشاه أن يعود الخطر مجدداً، انطلاقاً من المخيمات السورية. وعندها، على الأمن السلام!

فعلى طريقة «استضعفوك فأكلوك»، تم تحميل لبنان الصغير والضعيف والمدجج بالحساسيات مسؤولية كل خطأ، أو خطيئة أو صراع في الدول العربية وتحويلها إلى الساحة اللبنانية وجعلها ميداناً للعنتريات والمبارزات والشد والجذب والحروب السرية والعلنية، أمنياً وسياسياً واستخبارياً. ثم دخلت إيران على الخط، لتصبح لاعباً رئيسياً وأساسياً وتنضم إلى «الركب»، وتمارس نفوذها في إطار هذه الصراعات الدولية والإقليمية والمذهبية.

وبكل أسف، فإن الأطراف اللبنانيين بمعظمهم ساهموا في هذه اللعبة الجهنمية المميتة بالمواقف والقبول بأن تكون وقوداً لأي قتال أو حرب، كما جرى في الحرب الأهلية اللبنانية عام ١٩٧٥، والتي بدأت لبنانية - فلسطينية ثم تحولت حروب الآخرين من كل مشارق الأرض ومغاربها، ومن عرب وعجم، على أرض لبنان. والمؤسف أكثر أنه ما من طرف توصل إلى قناعة أو اعترف بأن هذه الاصطفافات قسمت لبنان، وهدمت مؤسساته الوطنية وأطفأت الشعلة الديموقراطية التي ميزته عن الآخرين، وداست على أجمل ما في الحياة، وهي الحريات التي كانت مضرب المثل للقاصي والداني، وشوّهت صفة الرسالة التي حملها لضرب المثل في الوحدة الوطنية، والتعايش بين الطوائف والأديان.

وما شهدته الأعوام القليلة الماضية من اغتيالات وتفجيرات وإرهاب واعتداءات على الجيش الوطني وجولات قتال من الشمال إلى الجنوب، تثبت أن الكل ماضٍ في الغي، بلا رادع ولا وازع ولا روح وطنية ولا إيمان بالوطن كحصن وحيد «وحضن حنون» يحمي الجميع بلا تمييز بين طائفة وطائفة ومذهب ومذهب ومنطقة ومنطقة.

والأمل ضئيل بحدوث تغيير جذري في الممارسات والأخطاء والأساليب في ظل عدم وجود «قواعد للعبة» وحدود التمادي والمحاسبة للمرتكبين ورفض وضع ضوابط يمكن الانطلاق منها نحو تصحيح المسار، وإنقاذ المصير وإعادة الأبناء الضالين إلى بيتهم الواحد الآمن «بيت الوطن»، بعيداً من العقوق والنكران ورفض الآخر والتوصل إلى صيغة تغلب مصلحة لبنان على كل مصلحة لجهة أخرى مهما كان الارتباط بها قوياً.

هذه النظرة التشاؤمية تأتي مع الاستحقاق الانتخابي، ليواجه الرئيس العتيد الواقع الأليم عندما يفتح ملفاته فيجد ركاماً من المشاكل المستعصية والأزمات المزمنة: صراع سياسي وانقسام أفقي وعمودي بين «٨ آذار» و «١٤ آذار» وبين تيارات وأحزاب وأقطاب انتماءاتهم تتراوح بين هذا المعسكر وذاك، وإدارة مهترئة يلفها الفراغ و «يعشعش» فيها الفساد، إضرابات واعتصامات ومطالبات بحقوق، أزمة اقتصادية خانـــقة، سياحة مشلولة، اضطراب أمني ومخاوف من العنف والإرهاب، استحقاقات كبرى لا حل لها إلا بالتوافق وهو مفقود، ديون متراكمة لا بد من تسديد حساباتها قريباً. يضاف إلى كل ذلك الكم من المصائب... تبعات الحرب السورية وانعكاسات وجود أكثر من مليون لاجئ سوري على الأرض اللبنانية أضيفت أعباؤهم إلى مئات الألوف من اللاجئين الفلسطينيين والعمالة الأجنبية.

ولعل الرئيس ميشال سليمان وضع يده على الجرح، ورسم لخلفه ولكل رئيس مقبل خريطة طريق يمكن أن تدله على شكل من أشكال خلاص لبنان، أو بداية للخروج من النفق المظلم، أو على الأقل الإشارة إلى وجود بارقة أمل تنطلق من خطوات لا بد منها في رحلة الألف ميل الصعبة والمزروعة بالألغام والرمال المتحركة. ففي وصية الرئيس قبل انتهاء ولايته مبادئ عدة، منها:

- تغليب المصلحة الوطنية على كل المصالح الأخرى.

- التمسك بإعلان بعبدا والتزام كل الأطراف به لتحييد لبنان عن الأزمة السورية، وتدارك أخطارها وإبعاده عن أي خطر مقبل من الدول الأخرى.

- إقرار استراتيجية دفاعية تحمي البلاد من المجهول، وتوقف الجدل والنزاع حول أحقية الدولة في الدفاع عن أراضيها.

- الالتزام بخطاب القسم، والتمسك بالدستور مهما كانت الظروف.

- رعاية حوار وطني جاد للوصول إلى وفاق حول القضايا العامة.

وهناك شبه إجماع على الإشادة بدور الرئيس سليمان في إدارة البلاد في شكل مثالي، في ظل الأخطار والتعقيدات الداخلية والخارجية وحالة الشذوذ والجنون التي مرت على لبنان خلال سنوات ولايته والحوادث التي قلبت الأوضاع في المنطقة رأساً على عقب، وشبهت بالزلازل أو بتسونامي. وعلى رغم ذلك، استطاع الرئيس ضمن الإمكانات المتاحة أن يحافظ على الحد الأدنى من الوحدة والتماسك وحماية المؤسسات من الانهيار، وفي مقدمها الجيش الوطني وقوى الأمن والوفاء بعهد القسم الذي أداه ومارس مسؤولياته بجدارة، على رغم انتقادات البعض مواقفَه السيادية والوطنية الصرفة والحملات الجارحة ضده.

وهناك خريطة طريق أخرى تحمل معاني الحكمة والتبصر والتفهم لدقة الوضع اللبناني منذ الاستقلال حتى يومنا هذا وكل الأيام المقبلة، وتقوم على المبادئ الآتية:

- علينا أن نعمل على إنقاذ الحرية لكي تنقذ هذا الوطن.

- لا ديموقراطية سياسية من دون الديموقراطية الاجتماعية.

- إن الوحدة الوطنية لا تقوم على الفساد، ولا يستقيم لها أمر في أجواء الفضائح والفوضى والمخازي.

- المسؤولية هي التحسب والمعرفة والمصارحة والجرأة والبطولة.

- التفهم والتفاهم يبقيان الصيغة الوحيدة الكفيلة لحل كل الأمور عندما تسلط عليها قوى العقل والرؤية الحكيمة والمصلحة العامة.

- لبنان يعيش على المحبة وعلى الحرية، ولا يمكن أن يكون إلا بهما معاً.

لا يجوز أن يبقى مظلوم نكون مسؤولين عنه، فالسكوت عن الظلم هو أشد من الظلم.

- الواجب يدعونا بإلحاح غريب في هذه الظروف إلى أن نحتضن كل الظواهر الشابة، وأن نفهمها ونحلل دوافعها، وأن نتعامل معها بمحبة مقرِّبة وليس بإدانة مبعدة، وأن ننظر بعين الرحمة والعطف، لا أن يحكم عليها من موقع الغضب والترهيب.

- إن الاسلام هو دين الاعتدال والوسطية والمحبة ودين الحكمة النورانية والمعرفة الكلية ودين الحق والعدالة والكلمة الطيبة لا دين العنف.

- إن المؤامرة التي حيكت ضد لبنان هي مؤامرة على الأمة العربية بأسرها. وإذا استمرت هذه المؤامرة... فيا ويل لبنان ويا ويل الأمة العربية، بلداً بعد بلد (وهذا ما حصل فعلاً). فإسرائيل ستنتقل حتماً إلى استراتيجية تفتيت البلاد العربية، بلداً بعد بلد.

هذه المبادئ التي تشبه النبوءة ليست من بنات أفكاري، بل هي بعض ما جمعته من رصيد حكمة الزعيم الوطني اللبناني صائب سلام (رحمه الله)، والد الرئيس تمام سلام الذي يسير على نهجه وخطاه. وهي أقوال وحكم أطلقها قبل أكثر من ٣٥ سنة، لو أخذ بها اللبنانيون وقياداتهم لما وصلوا إلى هنا ولو عملوا بثلاثيته الذهبية الشهيرة (التفهم والتفاهم، لا غالب ولا مغلوب، لبنان واحد لا لبنانان) لوجدوا أمامهم خريطة طريق مزروعة بالزهور والازدهار والأمن والأمان.

وبعد، ماذا يمكن أن يقال أكثر للرئيس، أي رئيس إن لم يكن رئيس الفراغ، أو الرئيس المقبل من الفراغ، غير تقديم هذه المبادئ هدية صادقة له، لعله يستأنس بها في ظل العتمة المخيمة على الأجواء العامة، ويجد فيها بارقة أمل بعيداً من مجاملات النفاق وعبارات المديح ووفود المباركة ورسائل التبريك.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان