رئيس التحرير: عادل صبري 09:50 مساءً | الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م | 11 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

«الهلوسة» للتكيّف مع ضجيج الحرب

«الهلوسة» للتكيّف مع ضجيج الحرب

الكاتب رامي سويد 05 مايو 2014 14:32

كثرت في الفترة الأخيرة عربات بيع المشروبات الساخنة في شوارع مدينة حلب، وما يميز تلك العربات التي تبيع قهوة «الإسبرسو»، أنها أصبحت تقدم حبوب «الكابتاغون» علناً لزبائنها مع كوب القهوة. فالزبائن أصبحوا على ما يبدو في حاجة ماسة إلى الحبوب التي أسماها الزعيم الليبي السابق معمر القذافي بحبوب «الهلوسة» ليتمكنوا من التكيّف مع ضجيج القصف والاشتباكات الذي لم يفارق المدينة منذ سنتين.

في أحياء الفرقان وشارع النيل والموكامبو والأندلس والزهراء وحلب الجديدة، في المنطقة الخاضعة لسيطرة قوات النظام، تتجول على مدار الساعة عشرات السيارات المليئة بالمسلحين الذين تم استجلابهم من دول الجوار للدفاع عن النظام السوري، وما يمكّن المواطن من تمييز هذه السيارات من غيرها هو صوت تلك «اللطميات الشيعية» الذي يرفع إلى أعلى درجة في مسجلات السيارات، كصورة من صور الإهانة والاستفزاز الطائفي لسكان المدينة الذين ينتمون بالكامل إلى الطائفة السنّية.

يتحـــاشى السكان عموماً الاحتكاك بهؤلاء المسلحين، فمجرد إعاقة مرور سيارة تابعة لهم في أحد شوارع المدينة المزدحمة، قد يدفعهم إلى النزول من سياراتهم وإطلاق النار في الهواء لإرهاب أصحاب السيارات من سكان المدينة، بحيث يضطرون لصدم بعضهم بعضاً للفسح في المجال لمرور سيارات المسلحين.

المدينة التي مزقتها الحرب مدينتين دخلت، عند كتابة هذه الأسطر، يومها السادس من دون كهرباء بعد قرار الهيئة الشرعية الممثلة لأكبر فصائل الثوار في المدينة قطع الكهرباء في شكل كامل ونهائي إلى أن يتوقف النظام السوري عن قصف القسم الخاضع لسيطرة الثوار من المدينة.

ولقد تساقطت في الأشهر الأخيرة مئات البراميل المتفجرة على بيوت ومدارس ومستشفيات الحلبيين في القسم الخاضع لسيطرة الثوار من المدينة، الأمر الذي زاد فراغ هذا القسم فراغاً، فبعد سنة ونصف السنة من غياب أجهزة الأمن والمؤسسات الخدمية والتعليمية وانتشار الفوضى والدمار، جاء العميد سهيل الحسن (الذي يلقبه مؤيدو النظام بالنمر) ليتــسلم قيادة عمليات جيش النظام في حلب ويقرر، بعد عشرات المحاولات الفاشلة لاقتحام القسم الذي يسيطر عليه الثوار من المدينة، إفراغ هذا القسم من السكان.

الأسلـــوب الذي اتبعـــه طيـــران النــــظام فـــي قصــــف الأحياء السكنية في القــــسم الذي يسيطر عليه الثوار كان يهدف في شـــكل واضح إلى قتل أكبر عدد ممكــــن لدفع الباقين إلى الهروب من أسباب المـــوت التي تسقط يومياً على رؤوسهم من السماء. هــــذا الأسلوب تطور وتكيّف مع كل آلية دفاع يبتدعها الثـــوار. فقد تمكنت المضادات الأرضية التي امتلكوها أخـــيراً من إصابة أعداد من البراميل المتفجرة، وبالتـالي تفجيرها في الهواء (في أثناء العشرين ثانية التي تفصل بين رمي طائرة الهليكوبتر البرميلَ المتفجرَ، وبين وصوله إلى الأرض وانفجاره). كان طلي البرميل المتفجر بلون فاتح، بدل لونه الأسود القديم، هو الحل الذي ابتدعه جيش النظام لتجاوز إمكانية إصابة هذا البرميل المتفجر في الهواء بمضادات الثوار الأرضية.

في قسمي حلب تزداد حاجة السكان يومياً إلى حبــوب «الهلوسة»، أو ما يشبهها. فهذه الحبوب أصحبت على نحو ما معيناً لمن تبقى من السكان على التكيّف مع الموت الذي حاصر الجميع، في انتظار أن يتم الحسم لمصلحة أحد الطرفين لإنهاء حالة الركود والاشتباك الدائم على خطوط شبه ثابتة منذ أكثر من سنة ونصف السنة، والخلاص من البراميل المتفجرة المتساقطة من السماء فوق رؤوس المنتظرين.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان