رئيس التحرير: عادل صبري 01:15 مساءً | الخميس 15 نوفمبر 2018 م | 06 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

جذور المكيافيللية المصرية وظل الأشكال القديمة

جذور المكيافيللية المصرية وظل الأشكال القديمة

الكاتب طارق ابو العنين 05 مايو 2014 14:29

لم تكن مجرد مصادفة أن يصدر في يوم واحد حكمان قضائيان، الأول بإعدام 683 «إخوانياً»، بينـــهم مرشد الجماعة محمد بديع بعـــــد اتهامهم باقتحام قسم شرطة وقتل ضابط في محــافظة المنيا (جنوب مصر)، والثاني بحظر أنشطة حركة 6 أبريل.

فالحــكمان يعنيان أننا بصدد إعادة إنتاج للمكيافيللية، وتحويلها إلى أيديولوجيا سلطوية في مصر وذلك بعد أن استدعى الرئيس المعزول محمد مرسي مقدماتها التاريخية خلال عام من حكمه.

فوفق المسار التاريخي لتشـــكل المكيافيلليـة وبزوغهـــا كأيــــديولوجيا سياسية إبان عـــصر النهضة الأوروبي، فإن حال الفوضى التي نجمـــت عـــن غــــزو ملك فـــرنــسا شـــارل الثامن إيطاليا عام 1494، مثـــلت فرصة تاريخية مواتية لإحداث تغييرات جذرية في نظــرية السلطة عقب هروب حاكم فلورنسا بييرو دي مديتشي، واستيلاء الراهب المتطرف جيرلامو سافونارولا على الحكم. فقد سعى سافونارولا الذي كان يملك شعبية وجماهيرية طاغية، إلى تأسيس نظام سياسي جمع فيه بين الديموقراطية والثيوقراطية، ونجم عن هذا الشكل الجديد من أشكال الحكم حدوث صدام بين هذا الراهب، وبين الأعراف الثقافية المستقرة لأهل فلورنسا نتيجة لخطابه الديني المتطرف، وأدى ذلك في مجمله إلى تآكل شعبيته واتخاذ اسكندر السادس بابا الكنيسة الكاثوليكية الإيطالية، قراراً بحرمانه وتخلي الشعب عنه، ثم أعدمه حرقاً في 1498.

ووفق ما طرح المفكر السياسي البريطاني ديفيد هوكس في كتابه «الأيديولوجية»، فإن هذا المآل البائس دشن أطروحة سياسية محددة، وهي أن الحاكم المُجدد يجب أن ينشر بين رعاياه وهماً نسقياً كي يحتفظ بالسلطة، وتلك هي النتيجة التـــي استخلصها رجل آخر من فلورنسا، هو نيقولا مكيـــافيللي الذي أشار في كتابه الأشهر «الأمير»، إلى أن اكتـــساب أي نظام جديد للشرعية يرتبط بمدى تماهيه مع الأعراف الثابتة والمستقرة لدى النـــاس، فالحفاظ على الوضع القديم يعني أن يعيـــش الناس في هدوء، وهو ما عاد وأكده في شكل أكـــثـــر وضوحاً في كتابه «المقالات»، بقوله إن أي حاكم يرغب في إصلاح دولة مدنية عليه أن يحتفظ بظل الأشكال القديمة، فلا يُظهر للناس أن المؤسسات تغـيرت حتى لو كانت هناك حاجة ملحة لأن تكون المؤسسات الجديدة مختلفة تماماً عن القديمة. فالكتـــلة العامة من الناس ترضيها المظاهر كما لو كانت موجودة بالفعل، وتحركها الأشياء التي تبدو موجودة أكثر من الأشياء الموجودة بالفعل.

وانطلاقاً من ذلك يمكن القول إن مسار الأزمة السياسية في مصر منذ تولى محــــمد مرسي الســـلطة وحتــــى الآن يكاد يتطابق مـــع المســـار التاريـــخي لنشــأة المكيافيللية. فمحمد مرسي الذي قد يصـــدر بحـقه حكــــم بالإعــدام شأنه في ذلك شأن راهب فلورنسا، تآكلــــت شعبـــيته سريعاً عندما شرع في بناء نظام سياسي مزج فيه بيـــن الحكم المـدني وبين الحكم الديني. كما أن السلطة الانتقالية الـــجـــديدة التي أزاحت محمد مرسي ونظامه عن الحكم بُغية تأسيس نـــظام جديد، استدعت هي الأخرى أطروحة مكيافيللي المتعلقة بالرهان على استرضاء الكتلة الاجتماعية العامة الصامتة وعلى إجـــراء تغييرات وهمية تستبقي المؤسسات القديمة الموروثة من نظام مبارك على حالها، على رغم فسادها وتكلسها. ومن ثم، فإن تلك السلطة ستحاول أن تقتلع القوى والتيارات المتمسكة بحلم التغيير والدولة الديموقراطية مثلما فعلت مع حركة 6 أبريل.

إلا أننا أيضاً بصدد تفاعل سياسي جديد سيعتمل بمرور الأيام ليهدم هذا الواقع السياسي المكيافيللي. فأحكام الإعدام والحظر السياسي والتوحش الأمني والمعتقلات التي تمتلئ بالآلاف، استدعـــت مجـــدداً الـطــلـــب علـــى قيم الديموقراطية والحريـــة والمساواة التي أشاعتها ثورة 25 يناير، ونجحـــت القوى القديمة التي سطت على تلك الثورة بعـــد انتفاضة 30 يونيو في إخمادها لبعض الوقت، مــن خلال خلقها حالة من الوعي الشعبي الزائف عبر مقايضة حلم التحول الديموقراطي لدى المصريين باستعادة الأمن وتحسين الأحوال المعيشية للكتلة الصامتة منهم، والتي تمثل في وجهة نظر تلك القوى شريحة مجتمعية عريضة تكافئ، بل تتجاوز شرائح جيل الشباب الذي فجر ثورة يناير.

ففي إطار ذلك التفاعل سيُخلق استقطاب مجتمعي جديد بين الأجيال الثورية الشابة، وبين الكتلة الصامتة كبديل عن الاستقطاب الأيديولوجي القديم بين الإسلاميين من جهة، والقوى الثورية والعلمانية من جهة أخرى. ما يعني أن موازين القوى بدأت في الرجحان لمصلحة القوى الديموقراطية على حساب قوى الثورة المضادة والنظام القديم. فالقوى الديموقراطية باتت تمتلك ظهيراً شعبياً يمثله جيل الشباب وحدث ذلك بالتوازي مع التفكك الواضح الذي مزق تحالف 30 يونيو سواء على الصعيد الأخلاقي بفعل موجات القمع المتتالي التي شنتها السلطة الانتقالية ضد معارضيها من الشباب المنتمين إلى معسكر30 يونيو، أو على الصعيد السياسي بفعل المنافسة بين حمدين صباحي، وعبدالفتاح السيسي في انتخابات الرئاسة.

وهو ما يؤكد أن الأيام المقبلة حبلى بمفاجآت كبرى ربما يكون في مقدمها اندلاع انتفاضة شبابية تحدث تغييرات سياسية واجتماعية جذرية على غرار انتفاضة الشباب الفرنسي عام 1968.


نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان