رئيس التحرير: عادل صبري 05:09 مساءً | الجمعة 14 ديسمبر 2018 م | 05 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

أبانا الذي في وزارة الأوقاف .. باق لك الجبروت

أبانا الذي في وزارة الأوقاف .. باق لك الجبروت

مقالات مختارة

السيد زايد

أبانا الذي في وزارة الأوقاف .. باق لك الجبروت

بقلم: السيد زايد 01 مايو 2014 13:10

يذكرني وزير الأوقاف وإدارته للوزارة منذ توليته منصبه إثر الاطاحة بحكومة هشام قنديل بقصيدة "صلاة الشهيرة للشاعر الراحل أمل دنقل  يقول في بدايتها " أبانا الذي في المباحث ... نحن رعاياك .. باق لك الجبروتُ .. وباق لنا الملكوت .. وباق لمن تحرس الرهبوت ..! " يسخر فيها دنقل من رجال المباحث والمخابرات وسطوة الدولة الأمنية على مقدرات الناس والدولة بعد ثورة يوليو 1952، ويسخر من الحرية الزائفة والشعارات التي أدخلت الوطن في دوامة لم يخرج منها بمرور الزمن وتغير الأنظمة. وفي حالة وزير الأوقاف "د.محمد مختار جمعة" الذي صعد إلى منصبه بعد انقلاب عسكري، تحول الوزير من رجل دعوة إلى "رجل شرطة"، يتجلى ذلك في العديد من المواقف، لكن أكثرها "بجاحة" ذلك الطلب الذي تقدم به وزير الأوقاف إلى المستشار نير عثمان وزير العدل الحالي يطلب فيه منح الضبطية القضائية لمفتشي وزارة الأوقاف، وذلك بتاريخ 15 أبريل 2014، ويصر الوزير على الطلب ويقدم في ذلك مبررات يراها مقنعة من وجهة نظره بحيث يتحول رجل الدعوة في النهاية إلى رجل شرطة أو مخبر في قطاع أمن الدولة يفتش في انتماءات الدعاة وأفكارهم واتجاهاتهم السياسية، فهذا مؤيد للسلطة وذاك معارض.

لا أستبعد أن يوافق السيد وزير العدل على منح مفتشي الأوقاف للضبطية القضائية فقد أصبح كل شيء مباح، وطالما هانت الدماء وأصبحت رخيصة فلا شك أن ما دون الدماء  أهون، والمبرر الجاهز الذي يقدمه الوزير في طلبه هو "الحفاظ على هيبة المنابر من التنظيمات التكفيرية"، والوقوف ضد الدعاة "الإرهابيين" الذي يمكن أن تسول لهم أنفسهم أن ينتقدوا السلطة أو يتحدثوا عن أحوال الناس ومعايشهم وظروفهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وفي سبيل محاربة "الإرهاب" فكل شيء وارد، وعما قريب قد نجد دعاة أو "مخبري" الأوقاف في المساجد يقومون بالقبض على أحد الدعاة لأنهم يشتبهون في انتماءه لجماعة الإخوان المسلمين "الإرهابية " ...!!!.

ما بين الأمني والدعوي

أدرك جيدا حساسية المنبر في علاقته بالسياسة وأهمية الفصل بين الدعوات الحزبية والمنابر الدعوية، فالمنابر ليست ملكا لجماعة أو حزب أو تيار سياسي سواء كان الإخوان أو التيار السلفي أو غيرهم من التيارات السياسية المشتغلة بالدعوة الإسلامية، لكن ما يفعله وزير الأوقاف هو أنه يدير وزارة الأوقاف بعقلية رجل الأمن التي تفكر فقط في الحلول الأمنية، وتقدمها على ما سواها، فضبط المنابر من وجهة نظره لن يتم إلا بتحويل الدعاة إلى "مخبرين"، وهو بهذا المنطق لم يخرج عن السائد فالسلطة القائمة ومنذ الثالث من يوليو 2013 تقدم الحلول الأمنية على ما عداها، فالقتلى بالآلاف والمعتقلين يتجاوز عددهم العشرين ألفا طبقا لآخر الإحصاءات، والقضاء يقوم بدوره في أحكام الإعدام على أكمل وجه وبدون تحقيقات تذكر .


تتخيل السلطة القائمة ـ بهذا الأسلوب ـ أن في استطاعتها إعادة أركان الدولة الأمنية لتحقيق الاستقرار، ومن ثم تدور عجلة الاقتصاد وتمضى الدولة إلى الأمام، وهو تفكير قاصر ولا يتجاوز تحت الأقدام، فالحلول الأمنية لم تجلب للدولة سوى الاضطرابات. فقانون التظاهر لم يمنع المتظاهرين من الخروج للشوارع كل يوم، وقانون الإرهاب لن يوقف "الإرهاب"، وحظر جماعة الإخوان وتجريم الانتماء إليها لن ينهي الفكرة، كما أن حظر حركة السادس من أبريل لن ينهي الحركة بل سيزيد من قوتها، فالأفكار لا تموت بالرصاص حتى وإن قتلت معتنقيها، وعليه فإن الضبطية القضائية التي يطالب بها الوزير لمفتشي الأوقاف لن تحقق  ما يصبو إليه، ولكنها ستكون حماقة تضاف إلى الحماقات الكثيرة التي يرتكبها السيد الوزير الذي صعد من إدارة الإعلام الديني في مكتب شيخ الأزهر د. أحمد الطيب إلى منصبه مباشرة، ولهذا كان لا بد أن يقيم ندوة بعد توليه المنصب عن فكر الشيخ أحمد الطيب .

خطبة دعائية موحدة  

ليست هذه هي الخطيئة الأولى للوزير لكنه سبق وأن ارتكب عدة أخطاء وصفق له الإعلام وطبل، فهو الوزير الذي سيخلص الوزارة من "الإخوان" و"السلفيين" و"التكفيريين" وغيرهم، سبق وأن قام الوزير ولأول مرة في تاريخ وزارة الأوقاف باتخاذ قراره العجيب بتوحيد خطبة الجمعة على جميع المساجد ولم يقل له أحد أنت مخطيء، والأكثر من هذا أن الوزارة تقوم كل أسبوع بنشر نص ومضمون الخطبة على الموقع الرسمي لوزارة الأوقاف عبر شبكة الانترنت "أوقاف أون لاين"، نعم يحدث هذا في مصر وفي بلد من المفترض أن قامت فيه ثورة، وكانت شماعة "الأمن القومي والحفاظ على المجتمع" هي المبرر الذي قدمه والوزير من أجل توحيد خطبة الجمعة على مستوى جميع مساجد الجمهورية، وما أكثر الشماعات التي يعلق عليها الوزراء أخطائهم. والمتابع للموضوعات التي تنشرها الوزارة على موقعها على شبكة الانترنت سيجد أنها تسهم بشكل مباشر في التخديم على السلطة وتوجهاتها فمثلا قبل الاستفتاء على الدستور بأيام ( تم الاستفتاء 14، 15 يناير) ومع تصاعد دعوات المقاطعة، خصصت خطبة المولد النبوي بتاريخ 10 يناير عن "المشاركة الإيجابية والوفاء للوطن في حياة النبي (صلى الله عليه وسلم"، وبحلول ذكرى ثورة يناير وإعلان كثير من القوى المعارضة النزول للشارع كان عنوان الخطبة "نعمة الأمن والاستقرار" ..الخ.

إن خطيب الجمعة ليس بوقا للسلطة يردد كالببغاء ما تريده، ومن ثم تتحول خطبة الجمعة إلى جهاز دعائي للسلطة وتلميع وجهها أمام الناس، فلا وقت للحقوق والحريات ولا وقت للعدالة الاجتماعية ولا وقت للكرامة الإنسانية، فالحقوق مؤجلة إلى أجل غير مسمى وما أكثر الآيات والأحاديث التي سيتم توظيفها ونزعها من سياقها من أجل هذا الغرضٍ، وتوحيد الخطبة في مجمله وبهذا الشكل يلعب دورا كبيرا في تغييب الناس، ومن ثم يتحول رجال الدين والدعوة إلى "أطباء تخدير" لوعي الناس وعقولهم، وهنا فقط يتحول الدين إلى "أفيون للشعوب" بحسب مقٍولة كارل ماركس الشهيرة، يسهم في تسكين غضبهم وتغييبهم عن الواقع، ويسهم كذلك في وأد ثورتهم ويتحول الناس بفعل هذه المسكنات الدينية إلى مفعول بهم وليسوا فاعلين في الحياة السياسية.

الداعية والتحول السياسي   

إن الداعية ورجل الدين في الإسلام لم يكن يوما منفصلا عن واقعه، وإنما هو جزء من الواقع يتفاعل مع قضايا المجتمع ويسهم في إنارة وعي الناس ومساحات الظلام في عقولهم حينما تنطفئ الأضواء، ورجل الدين ليس بالساكت عن الحق، ولا هو بالمعين للحاكم الظالم يؤمن على جرائمه ويتستر عليها، هل يمكن أن يصمت داعية على جرائم نظام "السيسي - محمد إبراهيم" والتي توجب تقديمهم للمحاكمة؟ هل يمكن أن يصمت داعية على أحكام الإعدام التي تطول المتهم والبريء والمشبه فيه والتي  تجاوزت حدود المعقول ؟ هل يمكن أن يصمت داعية على انتهاك أعراض النساء والرجال في السجون وأقسام الشرطة ؟ هل يمكن أن يصمت داعية على رائحة الفساد السياسي والإداري التي فاحت في كل مؤسسات الدولة ؟ ألم ينص الحديث الشريف على ان رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الجهاد أفضل قال : كلمة حق عند سلطان جائر "؟ ، كيف يمكن أن يرى رجل الدعوة هذه الجرائم والانتهاكات لحقوق الإنسان ويسكت عنها ؟ .. هل جاءت دعوة الإسلام من أجل أن تهادن الحكام الظالمين وتؤمن على ظلمهم وتبارك للمستبدين وتمنحهم الجوائز والأوسمة.. أليس الإسلام بحد ذاته دعوة إلى التحرر من الظلم والاستبداد ؟.

إنني أتفهم خطورة الخلط بين المنابر والحزبية في الفترة الماضية وسقوط بعض الدعاة في فخ الحزبية، وعدم قدرتهم على الفصل بين العمل الدعوى والحزبي، وتوظيف بعض الدعاة للمنابر في الدعوة لتيار أو حزب ولاختياراته السياسية، والحالة الأبرز هنا مسجد القائد إبراهم في الاسكندرية والذي دعاة من فوق منبره الشيخ أحمد المحلاوي إلى التصويت بنعم على دستور2012 وكان هذا الموقف سببا في اشتعال الخلاف بين المصلين واحتجز المتظاهرين حينها للشيخ المحلاوي داخل المسجد ووقعت اشتباكات على إثر هذه الحادثة. هذا الأسلوب بالتأكيد هو مرفوض ولا يمكن القبول بأن تتحول المنابر إلى دعوة للفتنة المجتمعية أو إلى الحديث باسم تيار أو حزب بعينه وإنما "المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا"  سورة الجن – آية 18، وشتان ما بين الدعوة من فوق المنبر لمحاربة الفساد السياسي والأخلاقي والاجتماعي والمطالبة بالحقوق السياسية والحريات الفكرية والعدالة الاجتماعية وبين ارتهان المسجد لحساب جماعة أو تيار أو نظام سياسي.

منابر للسلطة واستقلالية زائفة

ما يحدث الآن ليس في مجلمه محاولة لضبط الخطاب الديني على المنابر والفصل بين الحزبي والدعوى، ولكننا أمام استبدل توظيف بتوظيف، فالتيار الإسلامي كان يوظف المنابر لصالحه، والوزير الحالي يوظف المنابر والدعوة لصالح السلطة الحالية، لا جديد إذن، بل إن الإخوان لم يتجرأوا على ما قام به الوزير الحالي، لم يقوموا بتوحيد خطبة الجمعة ولم يطالبوا بالضبطية القضائية لرجال الأوقاف، وكانت تهمة "الأخونة" على قدر ما فيها من مبالغة كفيلة وحدها بإثارة الغبار في وجه الجماعة، حتى شعر الناس أن وزارة الأوقاف أصبحت وزارة الإخوان المسلمين، لقد ذهب وزير الأوقاف الحالي أبعد بكثير مما ذهب سابقه بكثير، فما يحدث الآن هو تأميم للدعوة والمنابر لخدمة السلطة وتمهيد الأرض للمستبد الجديد وليست خطوة في اتجاه الاستقلالية التي يسعى الأزهر والأوقاف إلي تحقيقها بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير .

أية استقلالية للأوقاف إذن عن السلطة ؟ فما يفعله وزير الأوقاف هو تكريس لعملية التبعية من المؤسسة الدينية للسلطة السياسية، لا يريد الوزير دعاة مستقلون ولكن  مجموعة من " المطبلاتية " الذين يسبحون بحمد السلطة ليلا ونهارا، ولا أمل على المدى القريب في أن يتغير هذا الواقع بحيث تكون المؤسسة الدينية مستقلة خطابها السياسي عن السلطة ويتحرر الخطاب الديني من حالة النفاق للحاكم التي يعانيها، وجميع الحكام في مصر بلا استثناء يسعون إلى جعل المؤسسة الدينية أداة من أدوات الحكم ينجحون في كثير من الأحيان ويفشلون حينا، وما لم تتحقق الاستقلالية للمؤسسة الدينية سنظل بإزاء هذه الحالة من التبعية، وهنا فقط تتعطل قدرات المؤسسة الدينية على المشاركة في تغيير المجتمع، بل تتحول قدرات وطاقات المؤسسة الدينية لخدمة السلطة، وقد شاهدنا طيلة الأيام الماضية كيف أن بعض شيوخ الأزهر يحرضون على القتل وارتكاب الجرائم وبعضهم وصل به الأمر إلى تشبيه "السيسي ومحمد إبراهيم" بأنبياء الله المرسلين لتخليص الناس من حكم الإخوان، لقد قطعت المؤسسة الدينية شوطا كبيرا في اتجاه الاستقلالية والقيام بدور وطني ما بعد ثورة يناير لكن بوصلتها تنحرف الآن لحساب سلطة مستبدة تأخذ الوطن إلى نفق مظلم .

-----------
صحفي متخصص في شئون الحركات الإسلامية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان