رئيس التحرير: عادل صبري 11:00 صباحاً | الخميس 15 نوفمبر 2018 م | 06 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

التفاهم الأميركي - الإيراني خلفيّةً وآفاقاً!

التفاهم الأميركي - الإيراني خلفيّةً وآفاقاً!

مقالات مختارة

روحانى - أوباما

التفاهم الأميركي - الإيراني خلفيّةً وآفاقاً!

الكاتب اكرم البني 30 أبريل 2014 12:54

يخطئ من يعتقد بأن ما يثار عن حصول تفاهم سياسي بين واشنطن وطهران هو ضرب من الأوهام أو مجرد فكرة لا حظ لها في الحياة، مستنداً إلى تباين كبير في المصالح والحسابات بين الطرفين كرس عداءً مزمناً يصعب تجاوزه وجولات عنيفة ومكلفة من الصراع وإن خيضت غالباً بالوكالة، والأهم تعارضه مبدئياً مع المصلحة الاسرائيلية والعلاقات الخاصة التي تربط واشنطن مع دول عربية حليفة تتعرض لأضرار متنوعة نتيجة ازدياد النفوذ الايراني في المنطقة.

ثمة أسباب عدة تشجع واشنطن وطهران اليوم على تدوير الزوايا وتقديم التنازلات لإيجاد فرصة واعدة تنجح الرغبة المشتركة في الانفتاح والتقارب، منها إيرانياً، ما يعود إلى حاجة السلطة الملحّة الى كسر حصار دولي طال، ولتخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة، بما يحول دون مزيد من تدهور الأوضاع الاجتماعية واحتمال حدوث اضطرابات شعبية نتيجة تفاقم أزمات غلاء المعيشة والبطالة والتضخم وتنامي الغضب من السياسات القمعية المتشددة وبخاصة في مجال الحريات وحقوق الانسان، وبما يفضي، على المدى الأبعد، إلى محاصرة حنين الشعب الايراني لثقافة الغرب ونمط حياته عجزت التعبئة الدينية عن وأده أو طمسه، وتالياً إنقاذ سمعة مشروع الدولة الاسلامية الذي فقد جاذبيته ووصل إلى طريق مسدودة على صعيد تنفيذ برامج تنموية تنهض بالإنسان مادياً وحقوقياً، ولكن تبقى الجائزة الكبرى هي سورية، وذلك باستثمار الفوبيا الغربية من الارهاب الجهادي المتطرف وتوسل تنازلات تقدم في الملف النووي، لانتزاع اعتراف أميركي بدور طهران في سورية وبما حققته من نفوذ إقليمي مشرقي بدأ يهتز ويضطرب نتيجة تفاقم الصراع الدموي السوري وامتداده إلى مناطق حلفائها في العراق ولبنان.

دوافع التحول الأميركي نحو إيران وملاقاة رغبتها في تخفيف التوتر والعداء لا تتعلق فقط بشخص الرئيس أوباما وطابع مواقفه الانسحابية وغير المكترثة بشؤون المنطقة، وإنما أيضاً بنهج رست عليه إدارة البيت الأبيض للتخلص من تركة التدخل السياسي والعسكري الثقيلة في الصراعات الدولية. فالآثار السلبية الناجمة عن حربي العراق وأفغانستان والحرب الممتدة على قوى الارهاب لا تزال تلقي بظلالها القاتمة على الاقتصاد الاميركي الذي يتطلب وقتاً وجهداً للتعافي لا يمكن توفيرهما إلا بالانكفاء والتوقف عن الانزلاق في نزاعات خارجية، والبحث في المقابل عن فتح نوافذ خلفية مع الخصوم للحفاظ على المصالح الاستراتيجية الأميركية وحمايتها، ما يفسر سرعة التقاط واشنطن إشارات الود الايرانية ومبالغتها اللافتة في الاهتمام بوصول رئيس اصلاحي كحسن روحاني إلى سدة الرئاسة.

ونسأل، ألا يجد البيت الأبيض الذي لم تعد لديه القدرة أو الرغبة في خوض مغامرات عسكرية وتوريط نفسه ‬في المتغيرات الحادثة في المنطقة، ألا يجد لدى طهران ما يحتاج اليه إقليمياً غير وضع نشاطاتها النووية تحت رقابة دولية؟! وألا يشكل توافقهما في العراق مثالاً مغرياً ينضح بتفهم وخبرة في لعبة تقاسم النفوذ والهيمنة حيث تم الحفاظ على المصالح الاقتصادية الأميركية وبخاصة لشركات النفط في ظل التسليم بتنامي النفوذ السياسي لطهران في بغداد؟! وألا يرجح وفق الروح ذاتها التوصل إلى توافقات جزئية قد تخرج الوضع اللبناني من احتقاناته الراهنة؟! أو ربما في تخفيف غلواء المحنة السورية بتمرير تسوية تعيد انتاج الواقع القديم، لكن محسناً، وتحت عناوين، الحفاظ على الدولة ووحدة البلاد ومواجهة الارهاب الاصولي المتشدد.

وإذ ترسل واشنطن تصريحات مطمئنة إلى حلفائها العرب بأن انفتاحها على إيران لن يضعف قوة علاقتها معهم، وتحاول في الحالة السورية تبرير سياستها السلبية بوصفها خدعة ثأرية لتوريط روسيا وطهران وإغراقهما أكثر في أوحال الصراع السوري رداً ربما، على التورط الأميركي في المستنقع العراقي، فإنها بداهة، لن تتقدم خطوة واحدة لتمكين هذا التفاهم إذا لم تتأكد تماماً من تجميد برنامج طهران النووي عند حدود آمنة ومطمئنة لتل أبيب، فكيف وإن جرى إغراء إسرائيل بتسخير هذا التفاهم لتحقيق أحد أهدافها الاستراتيجية، وهو تأجيج الصراعات المذهبية في المنطقة لإضعاف المجتمعات العربية المحيطة بها وتفكيكها الى كيانات طائفية هزيلة.

يبدو أن طهران نجحت في مغازلة الانكفاء الأميركي وفي جر البيت الأبيض للتعامل مع مشكلاتها كسلة واحدة. فالملف النووي ليس بيت القصيد، الأمر الذي تكشفه الانعكاسات المحايثة إقليمياً لتقدم مفاوضات مجموعة «خمسة زائداً واحداً» مع ملفات تعني المصالح الايرانية ونفوذها الاقليمي، حيث بات هذا النفوذ اليوم واقعاً قائماً ومعترفاً به، بل ومقبولاً من الدول الغربية وبخاصة في الشأن السوري، بدليل استمرار تردد هذه الدول في التعاطي مع المأساة السورية، ثم صمتها عن مستوى الدعم المادي والعسكري الذي تقدمه طهران لدمشق وعلى الدخول الصريح لقوات لبنانية وعراقية حليفة لها في الصراع هناك، وبدليل سرعة التوظيف الأميركي للتجاوب السوري مع مطلب تصفية مخزون الاسلحة الكيماوية لتبرير التراجع عن فكرة التدخل العسكري في سورية حتى ولو عبر هجمات جوية محدودة، وبدليل تكرار التصريحات على لسان غير مسؤول غربي عن خطأ إبعاد إيران عن «جنيف 2» وتالياً عن ضرورة مشاركتها في المفاوضات المقبلة لمعالجة المعضلة السورية.

واستدراكاً، يخطئ من لا يعتبر التفاهم الأميركي - الايراني في حال اكتملت أركانه بمثابة نقلة نوعية في منظومة العلاقات التي سادت المنطقة، وقد تدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة من التفكك وإعادة صوغ المواقع والاصطفافات، أو على الأقل تحرير القوى الاقليمية من مظلتها الدولية لتتنافس وتحدد أوزانها وأدوارها النسبية بما لديها من قوى وإمكانات، ما يكرس وللآسف الساحة السورية مسرحاً لصراع اقليمي عسير وطويل ومكلف، طالما ليس ثمة قيمة أو اعتبار في لعبة المصالح وتقاسم النفوذ لحياة السوريين ومستقبلهم ولما يخلفه العنف المتمادي من دمار وضحايا ومشردين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلا عن جريدة الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان