رئيس التحرير: عادل صبري 05:14 صباحاً | الخميس 20 سبتمبر 2018 م | 09 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

إجهاض المغتصبة.. أرحام تئن وفقيه لا يسمع

إجهاض المغتصبة.. أرحام تئن وفقيه لا يسمع

مقالات مختارة

إسلام عبد العزيز

إجهاض المغتصبة.. أرحام تئن وفقيه لا يسمع

بقلم إسلام عبد العزيز 29 أبريل 2014 12:24

قد يبدو عنوان هذه الإطلالة والتي أفرد لها تلك المساحة مجرد مفردة صغيرة لا تهم سوى أصحابها، وقد يبدو حديثي واستنفار الطاقات الفقهية الذي أمارسه فيه مجرد اهتمام شخصي بقضية تقع في صلب تخصص عملي، هكذا قد يقول البعض بعد مطالعة المقال.

 

لكني أؤكد أن تلك المفردة الصغيرة كما يراها البعض دالة دلالة كبيرة على أمرين:

الأول: مدى ما وصلنا إليه من أزمة في ظل حالة التدافع داخل عالمنا العربي بين معسكري الحرية والاستبداد.

الثاني: فقرنا التجديدي داخل منظومة الفقه الإسلامي التي تمتلئ بنماذج مبهرة استطاعت في فترات تاريخية كثيرة الخروج من عباءة التقليد إلى براحات التجديد وفقًا لقواعد كلية تحكم هذه البنية الفقهية.

إذن فقضية إجهاض المغتصبة واقع نكأ جراحًا شديدة الغور على مستويات شتى.. وإليكم إمعانًا في استنفار الطاقة هذه القصة من واقع ملف كامل مليء بمثل تلك الحالات، لست مخولا بنشر البيانات، لكني أستطيع أن أقول لكم إنّه هول يشيب له الولدان، ومصيبة لا بد من أن يجد الفقهاء لها حلا علهم يخففون بمخارجهم الفقهية من وقعها على أصحابها.

هي في الثامنة عشرة من عمرها، تم اعتقالها عقب الفضّ، تعرضت لكل ما يمكن تصوره من ألوان التعذيب النفسي، وصل الأمر إلى الاغتصاب، تعدد عليها أكثر من شخص، أصيبت بإعياء، لم يذهبوا بها إلى المستشفى، هددوها باعتقال والدها ووالدتها وفعل ذلك مع والدتها إن هي أخبرت أحدًا بما تعرضت له!!

خافت بنت الثامنة عشرة واعتقدت أن كتمانها حماية لنفسها ولأمها، مرت الأيام والأسابيع، ولم تعلم أنها حامل، خرجت بعد ثلاثة أشهر ونصف تحديدا، كانت قد شكت لأن خبرتها الضعيفة لم تسعفها، خافت من ردة الفعل، مرت فترة ولم تخبر أحدا إلا صديقتها المقربة، إلى أن شعرت بحركة في بطنها، فأخبرت أمها، كانت الصدمة كبيرة، بشعة، لم تصدق الأم، أسقط في يدها، لم تجد بدا من إخبار الأب!

حاول الأب أن يتمالك نفسه، أراد حلا لمعضلته، ابنته بكر، ماذا سيفعل، كيف سيواجه الناس، هو يعلم أنها مغتصبة، من سيصدقه ابتداء، كيف يثبت نسب هذا الطفل، حاول سؤال بعض من يثق فيهم من العلماء دون ذكر تفاصيل، تضاعفت صدمته، الإجابة واحدة: لا يوجد في الفقه جواز لإجهاض الجنين بعد مرور الأربعة أشهر!!

أصيب الأب بجلطة، والأم على وشك الانهيار، والبنت تفكر في الانتحار لا يمنعها منه إلا بقية دين، ووجود صحبة تحاول تهدئتها بالبحث عن حل، مرت خمسة أشهر ونصف الآن على حملها، امتنعت عن الخروج للدراسة، لم تعد تقابل أحدًا غير صحبتها الضيقة جدًا، والذين يؤكدون أنها لا يمكنها قبول أن تكون أما بهذه الطريقة.. وتتمنى لو أباح لها الدين الإجهاض.

أرأيتم.. تلك حالة واحدة.. ومثلها وأشنع منها وأبشع كثيرًا، أيمكن مع كل تلك المعاناة أن يقف الفقه ليقول: هذا ما لدينا! أيمكن أن يقول الفقهاء هذا ما قضى به مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد؟ ألا يفكر الفقهاء فيما لو كان هؤلاء أحياء كيف سيتعاملون مع تلك المسألة؟!

أسئلة مشروعة

وهنا أسأل مجموعة من الأسئلة أخلص منها لما أراه أنا واجب الوقت في مسألة فقهية.. والحديث موجه للعلماء والباحثين:

أولا: أليس ما تمر به مصر وسوريا على وجه التحديد من النوازل بالاعتبارات الفقهية؟

ثانيا: أليس للنوازل أحكام خاصة داخل منظومة الفقه الإسلامي باعتبارها من الضرورات التي لا يقاس عليها؟

ثالثا: ألم يراع الفقهاء أثناء إباحة الإجهاض صحة الأم وحياتها فأجازوا لها الإجهاض داخل ضوابط محددة؟

رابعًا: أليست المغتصبة في حد ذاتها حالة استثنائية ينبغي أن يتم التعامل معها بضوابط جديدة تراعي سياقات مختلفة عن سياقات الحمل العادي؟

خامسا: أليست المغتصبة داخل معتقلات الطغاة والمستبدين الذين بان للعامة أنهم لا يرقبون إلا ولا ذمة في أحد أكثر إيلامًا وأشد مهانة؟

سادسًا: أليست الآلام المعنوية التي تلاقيها تلك المغتصبة أكثر بشاعة من آلام الجسد التي راعاها الفقهاء في إباحة الإجهاض، خصوصًا وقد تواترت الحوادث لزوجات ولطالبات في سن صغيرة..؟

سابعا: أليس من الإنصاف وقد عمت البلوى بهذا الأمر سواء في سوريا أو في مصر أن يؤخذ في الاعتبار حال الأسرة الصغيرة والعائلة الأكبر في ظل مجتمعات شرقية لها نظرتها تجاه تلك الأمور؟

ثامنا: أليس من الإنصاف الذي دعا الفقهاء إلى احترام آدمية الجنين بعد نفخ الروح فيه أن تتم مراعاته لو خرج إلى الدنيا ولم يجد له أب ينسب إليه!! هل الأولى أن يوأد جنينًا وهو بتعبير الفقهاء نفس من وجه دون وجه أم يبقى ليحيا حياة ملؤها العار له ولأمه ولذريته من بعده؟

تاسعًا: ألم نتعلم أن أحكام الشريعة كلها رحمة وعدل وتيسير؟

الفقه الثابت

هي إذن أسئلة واقعية، والواقع لا بد من التعامل معه، والتعامل معه لا بد وأن يخضع لموازين الفقه وقواعده، وهنا المحك.

نعم.. فالقاعدة الأبرز هي: المشقة تجلب التيسير، وهي قاعدة قائدة في مثل تلك المسألة؛ لأن الوقوف على أقوال الفقهاء المعروفة تجلب في هذه الحالة تحديدًا مشقة زائدة عن الحد، ربما تؤدي إلى ضرر أكبر، يخرج عن نطاق الأنثى المغتصبة، إلى غيرها من محيطها الأصغر والأكبر.

ولهذا فلا بد من التعامل مع تلك المسألة في إطار هذه القواعد؛ لأن الفقه في جوهره ليس نقلًا، وإنما مواءمة بين قواعد الإطار العام والوقائع المستجدة، والمهارة الفقهية تكمن في تنزيل هذه القواعد على تلك الوقائع بما لا يخل بأي منهما.

العجيب أنني حينما حاولت البحث عن أقوال الفقهاء في تلك المسألة تحديدًا أو في مسائل يمكن أن تقاس عليها وجدت الخلاف داخل مساحة الشهور الأربعة، فهي أقصى مدة سمح بها الفقهاء "التجديديون" لإجهاض الحامل سواء من اغتصاب أو من حمل عادي، وقد أحاطوا ذلك الحكم بسياج محكم من الضوابط، مع وجود آخرين ينزلون بسقف المدة إلى أربعين يومًا أو شهرًا كأقل ما قرأت.

وفي نقاشات الفقهاء داخل تلك المسألة تستطيع أن تلمح روح التقليد الغالب خوفًا من الوقوع في إثم إباحة قتل نفس دون وجه حق "الجنين"، حتى المبيحين له في حدود الشهور الأربعة كان ذلك محركهم..

فشرطهم الوحيد لإباحة الأمر أن يخبر طبيب ثقة عدل أن استمرار الجنين فيه خطر على حياة الأم، مستندين إلى أن الروح لا تنفخ في الجنين إلا بعد الشهور الأربعة 120 يومًا طبقًا لبعض الأحاديث ليس مجال ذكرها الآن.

وهنا يمكن النقاش.. ويمكن السؤال عن طبيعة الحياة التي يريد الفقهاء حمايتها، فأي حياة تحياها الأم وهي تحمل من اغتصاب؟ وأي حياة تحياها الام وهي تلد طفلا بلا أب معلوم، وإلى من تنسبه في مجتمع كهذا؟ أليست كل هذه الأسئلة كفيلة بكون هذه الحياة حياة خطرة قد تؤدي بالأم إلى الهلكة وهي حية تتنفس، تموت روحها، يموت مستقبلها.. فهل بذلك حمى الفقهاء حياتها؟!

ثم أي حياة يا حماة الحياة يحياها الطفل الذي تخافون إزهاق روحه وهو لم ينزل بعد للدنيا؟ هل تظنون انه سيحيا حياة طبيعية وهو مسخ مشوه طبقا لتقاليد المجتمع وأعرافه؟ أليس من الأكرم له أن يوأد جنينًا حتى لا يكون عبئًا على نفسه وعلى أمه وعلى عائلته وعلى مجتمعه؟

إن تحرير مصطلح "الحياة" هنا أوجب ما ينبغي على الفقهاء ممارسته وهم يحررون مناط تلك المسألة.

فتوى تجدد الأمل

ولقد وقعت على فتوى للدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر يجيز فيها إجهاض المغتصبة في أي وقت من حملها حتى بعد مرور الشهور الأربعة، وهي الفتوى التي شهدت مناقشتها جلسة عاصفة داخل مجمع البحوث الإسلامية في العام 2007 وخالفه فيها كل أعضاء المجمع مستندين إلى ما سبق أن بيناه من حماية حق الحياة.

لكن حجة الشيخ طنطاوي في فتواه كانت في رأيي حجة وجيهة، وقد سبق أن طرحتها كسؤال سابق، وهي أن فقه الأولويات يُحتّم النظر لحياة الأم المغتصبة وتقديمها على حياة الجنين الذي يعتبر نفسًا من وجه دون وجه، بمعنى أن تُراعَى الأم التي ستظل طوال عمرها بعد ولادة هذا الجنين محكومة بنظرة دونية، مؤكدًا أيضا أن إسقاط الجنين تتحقق به مصلحته هو الأهم، وهي عدم وجوده بلا أب معلوم، أو أن يكون كذلك مُعَيّرًا طوال حياته بطريقة وجوده في الحياة أصلا.

وهنا ينبغي الإشارة إلى أن الشيخ طنطاوي كان يتحدث عن المغتصبة معلومة المغتصب، فما بالنا بهذه التي تم اغتصابها في زنزانة مظلمة وتعدد عليها المغتصبون الذين- بحسب الشهادات- يخفون وجوههم وملامحهم حتى لا تتعرف الضحايا عليهم فيما بعد.

أيمكن بعد أن يخرج الولد للوجود أن تقول الأم إن والده فلان، ولو استطاعت ظنًا فهل يمكن في ظل هذه الحالة المزرية قضائيًا أن يثبت القضاء بأي وسيلة أبوته؟!

إن المشقة تجلب التيسير، وإن الشريعة رحمة كلها، وإن مثل هذه الحوادث لتؤكد أننا بحاجة لاجتهاد فقهي جماعي لإخراج فتوى سهلة التدبيج بنصوصها ومستنداتها لتكون عونًا لأمثال هؤلاء المظلومات على تجاوز تلك المحنة والخروج منها خروجًا مشرفًا.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان