رئيس التحرير: عادل صبري 03:30 صباحاً | السبت 22 سبتمبر 2018 م | 11 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

خدامة وسواق

طراد العمري 28 أبريل 2014 10:04

طُرح سؤال في وسائل التواصل الاجتماعي عن الرجل الأهم في حياة المرأة السعودية، فاتفقت الآراء على أن السائق هو الأهم. كل بيت في السعودية تقريباً لا يخلو من عاملة منزلية وسائق ومن الصعب - أو لنقل من المستحيل - أن يصمد بيت من دون الثنائية في العنوان أعلاه. أمور ثقافية بالية فرضت وجود هذه الكائنات الغريبة في منازلنا، فوزع الرجل والمرأة مسؤولياتهم بين العاملة المنزلية والسائق. العاملة تقوم بدور المرأة في التنظيف والغسيل والكي والطبخ ورعاية الأطفال، أما السائق فيتحمل مسؤولية الرجل في التنظيف خارج المنزل وقيادة السيارة لتحقيق طلبات العائلة وخدمة الضيوف وحراسة المنزل، ولم يتبقَّ من العلاقة بين الزوج والزوجة سوى علاقات تسمى «حميمية»، وهي ليست كذلك في معظم الأحيان. هذا التباعد وعدم الانصهار بين الزوجين انعكسَا سلباً على تربية الأبناء، ومن ثم تفكك العائلة.

الطفرات النفطية والتسارع في التحديث والتمدن والعصرنة مع ثقافة مضادة أفرزت سلبيات شوهت قيم العائلة الصغيرة المكون الأساس للمجتمع. الخطأ الشائع بأننا مجتمع محافظ سبّب لنا الكثير من الإشكاليات في التعامل مع كثير من القضايا، ولذا ظهر لدينا التفكك الأسري الذي يزداد يوماً بعد يوم، لكنه غير ملحوظ للكثير بسبب الانشغال خلف طلبات الحياة مع اختلاف في حدة ذلك التفكك من منطقة إلى أخرى في السعودية. حالات الطلاق والعزوف عن الزواج لدى الفتيات والعنف الأسري والتحرش الجنسي وغيرها ظواهر ملموسة نتيجة ذلك التفكك. اعتقد بعضُ حراس القيم أن فرض الخطاب الديني بكل علله يمكن أن يخلق مجتمعاً مترابطاً يقود إلى المدينة الفاضلة، لكن ذلك لم يحصل مع شديد الأسف. فمنظومة القيم والأخلاق التي كانت سائدة قبل عقود لم تعد صالحة في عالم اليوم مع تغير وتبدل وسائل الحياة. كما أن تطبيق تلك المنظومة مع ما نتج منها من عادات وتقاليد خارج بيئتها الأصلية ونسقها الثقافي الطبيعي يزيد الطيب بِلَّة.

يمكن اعتبار١٩٨٠ عام علامة فارقة في العالم، ولاسيما السعودية. ظهور جيل الإنترنت أو جيل «Y» الذي وُلِد بين ١٩٨٠ و ٢٠٠٠ له سمات وخصائص وطرائق تفكير تفصله عما سبقه من أجيال. مفهوم العمالة المنزلية أيضاً الذي تسرب إلينا في تلك الحقبة النفطية ولم يلبث أن انتشر وأصبح من سمات العائلة الخليجية في المدينة والقرية والهجرة، ولدى الأغنياء والفقراء - على حد سواء - زاد من الهوة بين الأجيال وباتت إدارة الجيل الجديد أمراً بالغ الصعوبة والتعقيد، وهو ما أربك التنمية وعطّل النسق الاجتماعي.

السعودية بلد مترامي الأطراف يتكون من مجتمعات متباعدة وثقافات متنوعة، ومحاولة صهر كل تلك الثقافات في ثقافة واحدة، بحجة أننا بلد واحد هي محاولة يائسة لن تلبث أن تثبت فشلها، على رغم محاولة التلصيق والتلفيق المصطنع، إلا أننا نلحظ أن طبيعة الأمور تفرض على أبناء كل منطقة الاحتفاظ بثقافتهم الأصلية، رغبةً في الحفاظ على الهوية والتميز والتعبير عنها بشتى الطرق. فالحجاز وأهله لهم عاداتهم وتقاليدهم ولهجاتهم وأكلاتهم وأشعارهم وأغانيهم التي يعتزون بها، وكذلك في نجد والقصيم والأحساء وعسير وجازان وحائل والجوف وتبوك وغيرها من مناطق المملكة. التنوع الثقافي هو مميزات في أي مجتمع كبير ومصدر قوة لا ضعف.

أخيراً، منظومة القيم التي تُبنى عليها العائلة السعودية الحديثة تحتاج إلى إعادة نظر، بإعادة التفكير في الخطاب القيمي الذي يأتي في صورة تعليمات دينية وتقليدية ضيقة وإطار مناطقي محدود. تغيرت العائلة وتبدلت عناصرها وتنوعت ثقافتها ولم تعد هي عائلة الأمس. كثير من الأجيال الجديدة تحتاج إلى أن تنبئ عن ذاتها بأشكال متعددة، لكنها تخشى أحادية الثقافة وأكذوبة «المجتمع المحافظ» والخصوصية. الأجيال الجديدة (رجالاً ونساءً) يدركون «الشيزوفرانيا» في المجتمع، ويرفضون ممارسات كثيرة، ولكنهم - كما يقولون - يخشون غضبة المجتمع. ولذا، يتوجب علينا أن نعطي الأجيال الشابة زمام القيادة لتولي صنع حياتهم بأنفسهم، فهم الأقدر على تماسك المجتمع وأخذه إلى بر الأمان.

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان