رئيس التحرير: عادل صبري 08:45 مساءً | الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م | 14 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

منعاً للديكتاتورية في ظل وصاية إيرانية على بغداد أو فوضى دائمة

منعاً للديكتاتورية في ظل وصاية إيرانية على بغداد أو فوضى دائمة

28 أبريل 2014 10:03

تشكل الانتخابات البرلمانية في العراق في 30 نيسان (أبريل) الجاري مفصلاً حاسماً في مستقبل البلد، فعلى رغم ما يشوب العملية الانتخابية من عيوب ونواقص، الا انها تبقى الوسيلة الأهم في إسباغ الشرعية على النظام الحاكم.

ويبدو ان الولاية الثالثة لنوري المالكي باتت المحور الأهم للتنافس، فماذا يعني فوز المالكي بالولاية الثالثة ومن يقف وراءها؟

إن الانسحاب الاميركي من العراق في نهاية 2011، توج ايران كصاحبة النفوذ الأكبر فيه، وكان لها الفضل (عبر تفاهمات مع واشنطن) في تولي المالكي الولاية الاولى والثانية عامي 2006 و 2010، كما كان لها الفضل في إجهاض محاولة البرلمان العراقي عام 2012 سحب الثقة عنه.

ويبدو ان ايران حسمت أمرها بدعم المالكي من أجل ولاية ثالثة ليصبح رجل العراق القوي في ظل وصاية ايرانية، تماماً كما كانت سورية حافظ الأسد بالنسبة الى لبنان في الثمانينات والتسعينات.

والمالكي الذي كانت بعض الاوساط الاميركية تعتبره الأكثر استقلالية عن ايران، حسم أمره بالانضمام للمحور الايراني-السوري-»حزب الله»، وتصريحاته الاخيرة على قناة المنار اللبنانية – لـ «حزب الله»- بتاريخ 21 نيسان تؤكد ذلك، تماماً كما عبر مسؤول عسكري ايراني مؤخراً قائلاً: سقوط الاسد في سورية سيكون خطوة لسقوط «حزب الله» ومن ثم المالكي واخيراً ايران.

كان يبدو للوهلة الأولى ان ايران قد تفكر بطريقة اخرى في ادارة الشأن العراقي بعد الانسحاب الاميركي ومساعي التفاهم النووي مع الغرب، وذلك باستبدال المالكي بشخصية شيعية اخرى اكثر قبولاً من قبل الاكراد والعرب السنّة وحتى اطراف شيعية اخرى، بما يساعد على الاستقرار ويغني ايران عن مسؤولية ضبط الامن والتورط عسكرياً.

ولكن يبدو ان طهران فضلت دعم المالكي خوفاً من الفراغ التي سيتركه بسبب صعوبة تشكيل حكومة جديدة كما انه جُرب، فالمالكي حرم واشنطن من اي وجود عسكري في العراق كما اثبت قدرته على مواجهة وإضعاف خصومه من العرب السنّة والاكراد وحتى الشيعة، وساهم في شكل فعال في دعم بشار الاسد وما حققة الأخير من نجاح على الساحة السورية ما كان له ان يتحقق لولا تعاون المالكي و «حزب الله» اللبناني مع الجهد الايراني.

وجاء إعلان الاسد عن ترشيح نفسه لولاية ثالثة تتويجاً لهذا النجاح، ومن ذات المنطلق تأتي الدعوة لولاية ثالثة للمالكي.

ولكن البعض يرى ان مصلحة ايران هي في استمرار دوامة الصراع في العراق اكثر من احلال السلم والاستقرار، فالعراق المنقسم على نفسه يجعل من ايران بيضة القبان ويحول دون استرجاع العراق لعافيته ودوره الاقليمي بما يبقيه اسير المحور «الشيعي» بقيادة ايران.

وهذا يتحقق من خلال المعادلة التالية: استمرار حكم العراق من قبل كتلة برلمانية اسلامية شيعية كبيرة يوحدها الضغط الايراني تفسح المجال لمشاركة الكرد والعرب السنّة كطرف ثانوي وليس كشريك له استحقاقات متكافئة. ومن هنا وعلى ضوء نتائج الانتخابات ستمارس ضغطاً كبيراً لجر الصدريين والمجلس الاسلامي لتكرار مشهد عام 2010.

ولنجاح هذا المسعى سيعمل المالكي على كسب أصوات نيابية عربية سنّية (سنّة المالكي) وأخرى كردية للاصطفاف معه بما يعوضه اي خسارة في الشارع الشيعي، ليصبح بذلك صاحب اكبر كتلة منفردة في البرلمان القادم، بما يسقط حجة القوى الشيعية كالصدريين والمجلس، ويفرض الامر الواقع على العرب السنّة والكرد.

ان فوز المالكي بمثل هكذا ولاية يعني تأسيساً لديكتاتورية طائفية بوصاية ايرانية.

لقد حصل الاسد الأب على الوصاية على لبنان بموافقة اميركية وخليجية، واليوم اميركا تسلم بالنفوذ الايراني على العراق رغم معارضة دول الخليج كمحصلة للمصالح الاميركية المتغيرة.

فادارة اوباما المنكفئة ذاتياً ترى في قبول ايران كقوة اقليمية والتعاون معها ما يخدم مصالحها في مواجهة التطرف الاسلامي (السنّي) في المشرق العربي وافغانستان. فهي لا تملك الارادة او القدرة على تدخل عسكري جديد في العالم الاسلامي بخاصة بعد فشلها في العراق وافغانستان.

كما فشل -بالنسبة لادارة اوباما- الرهان على التحول الديموقراطي في العالم العربي، فيما حلفاء اميركا العرب غير ديموقراطيين.

فكما تغيرت سياسة واشنطن تجاه الصين في عهد نيكسون، وانفتحت على فيتنام بعد سنوات من الحرب، فإيران الصديقة لأميركا تحفظ مصالح الأخيرة أكثر من المواجهة معها بالتعاون مع السعودية، بخاصة أن المال الخليجي خدم قوى التطرف الاسلامي.

والتصدع في الصف العربي، وبخاصة في مجلس التعاون الخليجي يضعف فكرة البدالة عن ايران. فإذا كانت مصلحة الغرب في تدفق النفط الخليجي فإن صداقة ايران كفيلة بذلك بخاصة أن حاجة اميركا للنفط العربي اخذت تتضاءل. ومع ذلك فإن الاعتراف الاميركي بالدور الاقليمي الايراني لا يعني التخلي الاميركي عن السعودية ودول الخليج، بل ان الصفقة الايرانية الاميركية ستتعهد باحترام تلك الدول وتشير الى العلاقة بين عمان وايران كنموذج قابل للتعميم.

فأميركا تخشى التسلح النووي الايراني، ونجاح المفاوضات بين الدول الخمس زائد واحداً مع ايران كفيل بإنهاء الملف النووي الايراني وكل المؤشرات تدل على ذلك.

اما بالنسبة الى خطر الارهاب والتطرف الاسلامي فان ايران الصديقة هي الاقدر على مواجهته في العراق وافغانستان بخاصة بعد الانسحاب الاميركي منهما، كما انها الاقدر على التصدي لعمليات انتاج وتسويق الافيون من تلك المناطق.

فاذا كان الارهاب والتسلح النووي هما اولويات الغرب، فإن استعداد ايران لمقايضتهما مقابل الزعامة الاقليمية كفيل بذلك، والتفاهمات الاميركية الايرانية على الصعيد العراقي دليل على ذلك.

ظهرت الى السطح لوهلة ما امكانية قيام تركيا العلمانية بملء الفراغ العربي، ولكن النهج الأردوغاني بانحيازه الى الاسلام السياسي وتحالفة اليوم مع قطر و «الاخوان المسلمين» افقده هذا الدور، بل أصبح اكثر حاجة الى ايران لتأمين مصالحه النفطية وللوقوف بوجه السعودية.

وما خدم ايران في انفتاحها على ادارة اوباما هو طبيعة المعارضة الاسلامية لنظام الاسد في سورية والمالكي في العراق. فحركة «دولة العراق والشام الاسلامية» في كل من العراق وسورية اصبحت بمثابة الفزاعة من البديل المحتمل لكليهما. فأحد أهم عوامل التلكؤ الاميركي في دعم المعارضة السورية هو الخوف من سقوط السلاح بيد التشدد الاسلامي السنّي، كما ان تدفق السلاح الاميركي للمالكي في الآونة الاخيرة بعد تلكؤ طويل هو الخوف من الاسلام السنّي المتشدد متمثلاً بـ «القاعدة» و «دولة العراق والشام الاسلامية».

ان التحول الخليجي حيال «الاخوان المسلمين» والمتشددين الاسلاميين في سورية والعراق هو مسعى لفرملة التحول الاميركي لمصلحة ايران بحجة محاربة الارهاب، ولكنه يبدو جاء متأخراً او غير فاعل لحد الآن.

فالثمن الذي تدفعه اميركا لايران قد يكون على حساب سورية والعراق تحديداً بالاعتراف بوصايتها على البلدين مقابل الالتزام بملفي الارهاب والنووي.

والنجاح الايراني في العراق أصبح ضرورة لاستكمال عناصر الصفقة الايرانية الاميركية، وهذا لا يتحقق الا عبر نتائج الانتخابات النيابية في العراق وتكريس ولاية المالكي الثالثة، بأمل ان يتبعه نجاح الاسد بولاية ثالثة عبر «صناديق الاقتراع»!

ففي الوقت الذي لجاءت دول الخليج العربي لتدخل الجيش المصري لوقف المد «الاخواني» في مصر، تلجأ ايران الى مسرحية الانتخابات «الشرعية» لتثبت نفوذها في كل من العراق وسورية.

ومع ذلك فالتفاهمات الاميركية الايرانية تحتاج لفترة زمنية طويلة لقبول ولي الفقية بديلاً من الشاه حارساً للمنطقة وللمصالح الاميركية، وتبقى اميركا ممسكة بعصا العقوبات الاقتصادية خوفاً من اي تلكؤ او انتكاسة ايرانية.

إن نجاح ايران في تحقيق الولاية الثالثة للمالكي تكرس لبننة العراق بوصاية ايرانية، فاذا كانت الوصاية السورية على لبنان دامت قرابة العقدين فإن الوصاية الايرانية قد يطول عمرها لعقود طويلة.

وفي حال صعوبة تشكيل الحكومة نتيجة التوازنات المختلفة وصعوبة تشكيل ائتلاف واسع، فسيصبح المالكي رئيس وزراء تصريف اعمال لشهور وربما سنوات يعمل خلالها على تفكيك المعارضة بالترهيب والترغب، بما يدفع بالبلاد نحو المزيد من الانحلال والتفكك.

من هنا تبدو الحاجة لمراجعة سياسية جذرية من قبل كل الاطراف المعارضة لخيار الولاية الثالثة تتجاوز الصراعات الثانوية التي تحكمت بها طوال العقد الماضي.

والخيارات بهذا الشأن صعبة اسهلها تبني الخيار السوري بحمل السلاح من منطلق طائفي او اثني. فهناك قوى كردية تقاوم وتتقاتل مع بعضها واخرى سنية تقاتل النظام وتتقاتل مع بعضها البعض في الوقت نفسه ومثل هذه الحالة خدمت بقاء النظام اكثر من أي عامل آخر.

إن مقومات مثل هذا السيناريو متوافرة على الصعيد العراقي (سنياً وكردياً وحتى شيعياً)، السؤال الأهم هل بالامكان تجاوز مثل هذا السيناريو؟

والخيار الثاني هو تفكك المعارضة وراء مصالح شخصية وفئوية او ضغوط ايرانية واميركية كما حصل عام 2010، فيقبل طرف سني وآخر شيعي وكردي المشاركة في حكومة ثالثة للمالكي بحجة انه ليس في الامكان خير مما كان.

اما الخيار الثالث والاخلاقي فيتمثل بقيام جبهة وطنية بقيادة موحدة لمواجهة الخيارات السابقة، ومن هنا اهمية التداعي والتشاور بين مثل هذه الاطراف العراقية بأمل الوصول الى تشخيص سليم للازمة والتوصل الى صيغة للتعاون ليس في رفض الولاية الثالثة فحسب بل في البديل على المستوى القريب والمتوسط، بعيداً من الشعارات، مع ملامسة الهموم والمخاوف المتبادلة من اجل بناء الثقة بينهم بما يحول دون استغلال تناقضاتهم الثانوية لمصلحة الخصم.

فليس هناك حل شيعي او سني او كردي، بل المطلوب رؤية مشتركة يخرج الجميع منها مستفيداً.

إن قدرة العراقيين المعارضين لخيار الوصاية الايرانية على توحيد جهودهم في صيغة جبهة وطنية يعطي الرسالة الصحيحة لدول الجوار والإقليم والعالم، ومن يطالب العالم بمساعدته عليه ان يساعد نفسه اولاً.

فالمعارضة السياسية من دون ارض كالسمك من دون ماء، ومن هنا اهمية كردستان العراق كأرض للتحرك والعمل السياسي، فهل هناك استعداد لقادة كردستان العراق للدعوة لمثل هذا اللقاء التشاروي؟ وهل الاطراف الاخرى مهيأة لمثل هذه الخطوة؟ ام ان قدر العراق بين ديكتاتورية وفوضى دائمة.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان