رئيس التحرير: عادل صبري 10:23 مساءً | الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م | 12 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

مفارقات الانتخابات الرئاسية اللبنانية

مفارقات الانتخابات الرئاسية اللبنانية

27 أبريل 2014 10:49

اعتاد كثيرون، في لبنان خصوصاً، على اعتبار السياسة، ومناسبات استظهارها انتخابياً، بمثابة حقل للتنافس «الديموقراطي» على التمثيل الوطني المشترك بوسائل شرعية قانونية ودستورية، مما يشي باستقلال السياسة بنصاب مخصوص يجعلها تتمايز عن الحرب ولعبة النزاع المكشوف.

نعلم أن الحرب ليست فحسب ما علمتم وذقتم، على قول الشاعر الجاهلي، فمن فضائلها أيضاً، إذا جاز الحديث عن فضائل في هذا المقام، أنها تميط اللثام عن الكثير من آليات السيطرة وتقنيات عملها الخفية والمقنّعة. في الحرب، يجرى الاعتداد بالقوة واستعراضها بشفافية كبيرة فيما تُترك للسياسة فنون الإقناع والتحايل والمكر والمخاتلة. في عصرنا الديموقراطي هذا، يُنسب الى السياسة مقدار من الشفافية الغامضة التي تتيح لشبكات النفوذ والمصالح وتوابعها أن تصنع ما يناسبها بوسائل مدروسة، فيما تحظى الحرب، في المقابل، بما يمكن توصيفه بالشفافية الجامحة أو الوضوح الكارثي. وهذا التمايز هو ما سمح لخبير في علم الحرب مثل كلاوزفيتز أن يرى في هذه الأخيرة استئنافاً للسياسة بوسائل أخرى.

هناك من رأى أن قلب المعادلة ممكن بحيث تكون السياسة، في العمق، استئنافاً للحرب. وقد يكون من السهل التعرّف إلى مثل هذا القلب للمعادلة الكلاوزفيتزية في بلد ترسخت فيه الانقسامات والاصطفافات العمودية، الطائفية والمذهبية، وباتت السياسة فيه مسرحاً للسجال والنكاية والمشاهرة، كما هي الحال في لبنان.

الانتخابات الرئاسية التي بدأت قبل أيام في لبنان وأسفرت دورة الاقتراع الأولى للمجلس النيابي عن تأجيل انتخاب رئيس الجمهورية إلى يوم الأربعاء المقبل، تكاد تكون نموذجاً لاختلاط الحدود بين منطق السياسة ومنطق الحرب. من يتابع فصول اللعبة الانتخابية الرئاسية في لبنان وصيغتها القائمة زعماً على الديموقراطية التوافقية، لا يعدم الشعور بصعوبة ارتسام حدود معينة، وإن متحركة، بين مقتضيات السياسة بوصفها فن إدارة الاختلاف والمجال الوطني المشترك وبين مقتضيات الغلبة التي تتوخاها عصبية ما أو أحلافها الساعية إلى استتباع الآخرين بالمعنى الخلدوني للكلمة.

يعج المشهد الانتخابي اللبناني، والسياسي عموماً، بمفارقات بالغة الدلالة تبدو غريبة في سياقات أخرى فيما هي مدار سياسات تتشاطر فيها جماعات شديدة التنازع بمقدار ما تشهر حرصها على التوافق والعيش المشترك. تفصح شطارة الجماعات هذه عن تصور للاستحقاق الرئاسي يجعله حقل مناورات وتكتيكات بالمعنى الحربي للكلمة.

التوافق هو الوجه الآخر لنزاع يجرى تأصيله وترسيخه. وما يعتد به كنموذج للديموقراطية التوافقية ليس صيغة قد تكون مطلوبة، في ظرف معيّن، لتفادي المواجهة المسلحة والحفاظ على السلم الأهلي، بل هو صيغة متأنقة، وعصرية في طبيعة الحال، لتثبيت السياسة كمواصلة لحرب لا تخفي طابعها الأهلي المفتوح دائماً على كل الاحتمالات. في مثل هذا التصور أو التوصيف للسياسة، تصبح كيمياء الطوائف والجماعات المتصارعة حقل اختبار لشتى أنواع المعادلات وشتى أنواع التقلبات والتموضعات فتتشكل تحالفات ظرفية لا عهد للناس بها وتنفرط عهود.

وليس هذا أمارة على مرونة ومهارة ينسبهما البعض إلى ذكاء حرفي لبناني عريق، بل هو في الحقيقة مرآة لاستواء السياسة كمعدلة متحركة يشتبك فيها التأثير الخارجي، الإقليمي والدولي، مع لعبة التنافس الداخلي على الموقع والمكانة والحظوة.

في وضع من هذا النوع، يمكن تطبيع أي شيء على قاعدة أن الضرورات تبيح المحظورات. ينطبق هذا التوصيف على ترشح زعيم حزب القوات اللبنانية سمير جعجع لرئاسة الجمهورية ونيله 48 صوتاً نيابياً من أصل 124 نائباً حضروا جلسة الانتخاب. وبذلك يكون جعجع قد تحول إلى مرشح قوى الرابع عشر من آذار التي يقودها تيار المستقبل بزعامة سعد الحريري. بل بات المرشح الوحيد الذي تحقق حوله إجماع شبه كامل، باستثناء عدد ضئيل من الأصوات النيابية المحسوبة على القوى المذكورة، من بينهم نواب عن مدينة طرابلس الشمالية. والحق أن مجرد ترشح جعجع لمنصب الرئاسة مصحوباً بقبول قوى 14 آذار أن يكون مرشحها الأساس والوحيد هو فضيحة أخلاقية. لكن كيمياء اللعبة السياسية اللبنانية تسوغ كل شيء ولا تترك مجالاً للشك في وجود «تعليمة» إقليمية ودولية فرضت جعجع مرشحاً قوياً وثبتت، في الحد الأدنى، موقعه كقطب سياسي في المشهد الوطني العريض.

لقد أصر بعض النواب على التذكير بجرائم القتل والاغتيال التي تورط فيها سمير جعجع مباشرة كاغتيال رئيس الحكومة رشيد كرامي عام 1987 واغتيال زعامات مسيحية منافسة مثل طوني فرنجية، في مجزرة إهدن المعروفة، وداني شمعون. وحين نتحدث عن فضيحة أخلاقية، لا نقصد حبس الرجل في ماض لا فكاك منه على ما تلهج ألسنة كثيرة. فجعجع قد زعم الجمع، خلال سنوات صعود مكانته في البيئة المسيحية والقواتية المنخرطة في الحرب الأهلية، بين القديس والمحارب كما يمكن تشكل ترابطهما في الثقافة الجبلية المشدودة إلى لغة الفروسية والمنعة والعناد. نعلم أن جعجع أدى تدريجاً منذ خروجه من السجن، قبل تسع سنوات، فعل الندامة طاوياً صفحة الحرب الأهلية ومعترفاً بمشاركته في فظاعاتها تمهيداً لانتقاله إلى صفة السياسي المدافع عن مشروع بناء الدولة السيادية المستقلة.

من حق أي كان أن يعيد النظر في ماضيه وأن يراجع نقدياً تجربته والأساليب الخاطئة التي صنعت صورة عن هذه التجربة. لكن القبول بحق الرجل في العودة إلى السوية القانونية، خصوصاً بعد تحويل اعتقاله في مخيلة فئات لبنانية واسعة، إلى مناسبة للتنديد بالوصاية السورية واعتمادها على الاستنساب والكيل بمكاييل مختلفة لا ناظم لها سوى الرضوخ لإرادة هذه الوصاية، القبول بهذا شيء. أن يكون الرجل نفسه مرشح حلف عريض من القوى لرئاسة الجمهورية شيء آخر. نعلم أن اعتقاله المثير للجدل القانوني، بسبب قانون العفو عن جرائم الحرب الأهلية الكثيرة، والأخلاقي، بسبب استواء أمراء الحرب زعماء سياسيين، جعله ضحية بارزة تشهد على العسف والمزاجية الأمنيين. والحال أن تذويب ماضي جعجع المتسم، في ما عدا العمل المليشيوي الساعي إلى قضم ما تبقى من مؤسسات الدولة الشرعية، بنسبة عالية من القتل المنهجي، في مياه مقتلة شارك فيها كثيرون غيره يقود إلى ضرب من العدمية الأخلاقية.

يبقى أن اللعبة الانتخابية مفتوحة على المجهول. وبات وليد جنبلاط وكتلته ناخباً أكبر.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان