رئيس التحرير: عادل صبري 04:53 مساءً | الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م | 14 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

صمّ بكم عمي

إنعام كجه جي 27 أبريل 2014 10:20

«لا نستطيع أن نترك المستقبل اللغوي للعالم في يد السوق الحرة».. قالها الرجل بلغة عربية سليمة ذات لكنة فرنسية، فشدّ إليه الأنظار والأسماع في مؤتمر الترجمة الذي عقد، قبل أيام، في الدوحة. إن المرء يذهب إلى المؤتمرات وهو يتوقع أن يغفو من الملل بسبب استطراد المتحدثين في خطابات لا تحمل جديدا. لكن جيل غوتييه كان المفاجأة الجميلة.

والمسيو غوتييه مستعرب ودبلوماسي سابق، عمل سفيرا لبلده لدى اليمن، وقنصلا في الإسكندرية، وقادته مهماته إلى العديد من عواصم العرب، بغداد والقاهرة والجزائر وبيروت والمنامة. وهو حاليا مستشار لرئيس معهد العالم العربي في باريس، وفي مفكرته عدة مشروعات، أهمها التحضير لمعرض كبير عن اللغة العربية، يستضيفه المعهد في العام المقبل.

حين تلتقي به يقفز على كل السيرة السابقة، ويقدم نفسه بأنه المترجم الذي قدم للفرنسيين الروائي المصري علاء الأسواني. لقد قرأ «عمارة يعقوبيان»، ووجد فيها ملامح قوية من الواقع، فقرر أن يترجمها لتصدر بالفرنسية في كتاب لاقى رواجا استثنائيا، وبيعت منه عشرات الآلاف من النسخ. وبعد ذلك توالت الطبعات بلغات عديدة.

الرجل مترجم ويفتخر بذلك. وهو يدهشك بالأرقام التي سعى في طلبها، عن حراك الترجمة، واستقاها من مصادر غير منشورة في الغالب. ومن تلك الإحصائيات أن هناك مليونا و265 ألف وثيقة تترجم سنويا من الإنجليزية إلى كل لغات العالم، و226 ألف وثيقة من الفرنسية، و208 وثائق من الألمانية، و55 ألفا من الإسبانية، و14 ألفا من الصينية، و12 ألفا من العربية، و10 آلاف من العبرية. وقد قرأت، في الماضي، عبارة تقول إن الكذب ثلاثة أنواع: الأبيض والأسود والإحصائيات. لكنني أميل إلى الوثوق بما يقوله الرجل.

وهو يقول إن هيمنة الإنجليزية مؤكدة. ومقابل الكم الهائل من الوثائق التي تترجم إلى لغة شكسبير فإن اهتمام قارئ الإنجليزية ضعيف بالنتاج الفكري والثقافي الصادر بلغات أخرى: «القوي لا يحتاج إلى الضعيف». وفي حين تترجم 302 ألف وثيقة من لغات العالم إلى الألمانية، و240 ألفا إلى الفرنسية، فإن حصة الترجمة إلى العربية من اللغات الأخرى لا تزيد على 13 ألفا، سنويا.

خلاصة القول، حسب المسيو غوتييه، أن العرب، قياسا باللغات الأخرى، لا يُترجمون (بكسر الجيم) ولا يُترجمون (بفتح الجيم). ويتساءل: «هل هم منغلقون؟.. صمّ بكم عمي؟».. بل العكس هو الصحيح. فللعرب علاقات مستمرة مع العالم الخارجي، وهي أقوى بكثير من علاقة الصينيين والروس والأتراك بالعالم. ونحن لا يُترجم (بفتح الجيم) نتاجنا إلى الإنجليزية أو الفرنسية لأن عددا كبيرا من علمائنا ينتجون أبحاثهم مباشرة بهاتين اللغتين.

إن النخبة العربية التي تتعلم لغة أجنبية تسير في واد وعموم شعوبها في واد آخر. وقد لاحظ غوتييه أثناء حضوره ندوات رفيعة، تجمع عشرات المثقفين العرب وبضعة مدعوين أجانب، أن وجود شخص واحد لا يجيد العربية يكفي لأن ينتقل الجميع إلى الحديث بالإنجليزية. وهو لا ينكر أن معرفة لغة أجنبية مشتركة تسهل التحادث والحوار الخفيف، لكنه يؤمن بأن اللجوء إلى اللغة الأجنبية خطير في النقاشات الجدية والعميقة، ذلك أن التوحيد اللغوي يفرض عدم المساواة بين الناطق الأصلي باللغة ومن يتعلمها لاحقا، فالحديث باللغة الأُم يبقى أكثر ليونة وإقناعا: «إن الأفكار تنطبع في الطمي المتراكم من ثقافة الأجيال».

هل يمكن لمجتمع ما - أو لحضارة - أن يختار لغة أجنبية للعلوم الصرفة والعلاقات الخارجية، وأن يبقي لغته الأُم للمبادلات الداخلية والحوار المحلي؟ إن الأمر، حسب غوتييه، ليس اختيارا فرديا، بل قضية اجتماعية عامة. والسؤال الذي يطرحه الناطقون بلغات الشعوب كافة هو: «هل تكون هناك، ذات يوم، لغة توحد البشرية؟». إن المستعرب الفرنسي القدير يعترف بأنه لا يريد أن يتبارز مع طواحين الهواء، بل يدعونا إلى أن نكون واقعيين وأن نقرّ بأن بعض اللغات، وعلى رأسها الإنجليزية، باتت تلعب دورا أساسيا في الحياة وفي مجتمعات العولمة. هذه هي «لغة السوق الحرة».

جيل غوتييه، لا فض فوه، يقول إن اللغة، أيا كانت، تحتاج إلى أن تتنفس وتعيش وتتطور وتتلاقح.. أن تتأثر وأن تؤثّر.. أن تتحرك وتدور مثل بطارية السيارة، كي لا تهمد. وأنا أقول إن بعض البشر يهتمون بسياراتهم أكثر من الاهتمام بلغة آبائهم، وأبنائهم.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان