رئيس التحرير: عادل صبري 07:59 صباحاً | الأحد 18 نوفمبر 2018 م | 09 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

تحصين الفساد

د. سلوى العنترى 27 أبريل 2014 10:07

فوجئ المصريون منذ بضعة أيام بصدور قانون ينتزع منهم الحق فى الطعن على أية عقود تبرمها الحكومة أو مؤسساتها المختلفة. حق الطعن على تلك العقود أصبح يقتصر على طرفى التعاقد أى الحكومة والشخص أو الجهة التى تعاقدت معها.

فى كلمة واحدة لم يعد لنا أن نطعن على العقود المبرمة لتصدير الغاز لإسرائيل وأسبانيا بخمس ثمنه فى السوق العالمى بينما السوق المحلى فى حاجة إليه، أو على العقد المبرم مع شركات القمامة الأجنبية الذى أجبرنا صاغرين على دفع رسوم إضافية للنظافة فوق فاتورة الكهرباء وترك القاهرة والجيزة والإسكندرية تغرق فى أكوام القمامة، و لا يحق لنا الطعن على عقد استغلال منجم السكرى للذهب، ناهيك عن عقود بيع الأراضى وخصخصة الشركات العامة .
وفقا للقانون الجديد لا يحق لنا الطعن على العقود التى تبرمها الحكومة إلا لو كنا من أصحاب الحقوق الشخصية أو العينية على الأموال محل التعاقد. فلو عاد الزمن إلى الوراء لما أمكن الطعن على عقد بيع عمر أفندي، أو على عقد تخصيص أراضى مدينتى أو بالم هيلز، ولا أمكن الطعن على عقود خصخصة الشركات الخمسة التى قضت المحكمة بفسادها وبطلانها وأصدرت حكما نهائيا بإعادتها للدولة. ففى كل تلك الحالات كانت الطعون تأتى من مواطنين مصريين يمارسون حقهم الطبيعى فى حماية المال العام، أو من عمال الشركات التى تم بيعها بعقود فاسدة لرأس المال الخاص الأجنبى والمحلي. كل هؤلاء لم يعد لهم صفة. لكى تدافع عن المال العام فى القانون الجديد يجب أن يكون لك أسهم فى الشركة محل الخصخصة أو مالكا للأرض التى قامت الدولة ببيعها، ولكى تشكو من فساد الصفقة يجب أن تكون قد دخلت فى المناقصة أو المزايدة ثم أرست الحكومة العطاء دون وجه حق على شخص آخر!

المتحدثون باسم رئاسة الجمهورية والحكومة يعلنون أن هذا القانون قد تم إصداره لتعزيز مناخ الاستثمار وضمان استقرار تعاقدات الدولة وتحقيق الحماية للمتعاقدين، بعد أن تعددت شكوى المستثمرين العرب والأجانب من البيروقراطية وصعوبة استخراج التراخيص وعدم استقرار الأوضاع التعاقدية. وتحدثت التصريحات الحكومية عن انخفاض معدلات الادخار فى مصر والحاجة الشديدة للاستثمارات الأجنبية وكيف أن تلك الاستثمارات، وخاصة العربية، تربط دخولها مصر بوجود إطار قانونى يحمى مصالحها.

أما المتحدثون عن جمعيات المستثمرين ورجال الأعمال فقد كانوا أكثر صراحة وأعلنوا بوضوح أنه “إما ننتج فى ظل وجود نسبة فساد بسيطة أو البلد تقف”، ولم تتوان بعض تلك التصريحات عن تقريع الشعب الذى تجرأ وطعن على عقود فاسدة للخصخصة “ ارجع500 مليون للعمال وأدفع 3 مليارات جنيه فى التحكيم الدولي؟” فى إشارة للقضايا التى يرفعها المستثمرون الأجانب على مصر بشأن العقود التى حكم القضاء بفسادها وبطلانها.

وهنا لابد من التأكيد على أن تحسين مناخ الاستثمار والقضاء على البيروقراطية وضمان حماية حقوق المتعاقدين هو مطلب للمستثمر المصرى قبل الأجنبي، وقد بحت أصوات كل مهتم بالشأن العام فى مصر للمطالبة بحلول عاجلة للمصانع المتوقفة عن العمل فى المدن الصناعية المختلفة، وحل مشكلات تلك المصانع مع المحليات بشأن التراخيص وتجديد التراخيص ومد المرافق والتبرعات الإجبارية، وغيرها من المشكلات. ولكن ما علاقة كل ذلك بحماية وتحصين الفساد؟ ما علاقة ذلك بقانون يحصن تعاقدات المحليات التى قيل ذات يوم أن فسادها وصل للركب، ويحصن تعاقدات الصناديق الخاصة التى لا تزال تقارير الجهاز المركزى للمحاسبات بشأنها ماثلة فى الأذهان؟

المسألة هنا ليست تحسين مناخ الاستثمار وتشجيع المستثمرين، المسألة هى حماية رموز النظام السابق الهاربين فى الخارج والمهددين بأحكام قضائية صدرت أو ستصدر بشأن العقود الفاسدة التى أبرموها . النظام الذى لم يسقط يدافع باستماتة عن بقائه واستمراره بنفس رموزه وسياساته وممارساته ويهددنا إما الفساد أو التوقف عن الانتاج، إما التغاضى عن كل ما نهب وعفا الله عما سلف وإما دفع تعويضات بالمليارات للمستثمرين الأجانب الذين يرفعون الأمر للتحكيم الدولي.

المطلوب إذن هو ضمان استمرار النظام السابق فى ظل حصانة قانونية تسرى على كل العقود السابقة واللاحقة. فالمدهش أنه وفقا للمادة الثانية من ذلك القانون يتعين أن تقضى المحكمة من تلقاء نفسها بعدم قبول الدعاوى أو الطعون المتعلقة بالعقود التى تكون الدولة ومؤسساتها المختلفة طرفا فيها، بما فى ذلك الدعاوى والطعون المقامة قبل تاريخ العمل بالقانون. فهل يعنى ذلك رفض الدعاوى المنظورة حاليا أمام القضاء بشأن شركتى نوباسيد وأسمنت أسيوط؟

وطالما أن الحكومة مهمومة بحماية حقوق المتعاقدين فلابد وأن نذكرها بأن جماهير الشعب المصرى وقفت بالساعات فى طوابير طويلة لتقول نعم فى استفتاء على دستور جديد تشكل بنوده العقد الذى يحكم علاقة الشعب بكل رئيس قادم وكل حكومة قادمة. هذا العقد ينص على أن موارد الدولة الطبيعية ملك للشعب ويكفل حق التقاضى لجميع المواطنين، ويؤكد على حظر تحصين أى عمل أو قرار إدارى من رقابة القضاء. وحيث أن العقد شريعة المتعاقدين، فإننا نتمسك بما تعاقدنا عليه، كما يحق لنا ونحن مقبلون على انتخابات رئاسية أن نعرف بوضوح موقف كل من المرشحين المتنافسين من ذلك القانون الجديد لكى نكون على بينة بما نحن مقدمون عليه.

*نقلاً عن الأهرام

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان