رئيس التحرير: عادل صبري 09:37 صباحاً | الأربعاء 22 أغسطس 2018 م | 10 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

هيا نفضح الامريكان!

هيا نفضح الامريكان!

بلال فضل 06 فبراير 2014 19:53

لم تكن المسألة محتاجة إلى نباهة استثنائية أو "فَكَاكة" ألمعية لكي تتوقع ماسورة الإتهامات التي ضربت بتفاهات من نوعية أن وصول فيلم "الميدان" للمخرجة المصرية جيهان نجيم إلى التصفيات النهائية لمسابقة أوسكار أحسن فيلم وثائقي طويل، ليس سوى مؤامرة أمريكية دنيئة لزعزعة الإستقرار الذي تنعم به مصر وتخريب العلاقة الوطيدة بين شعبها وجيشها وشرطتها، خصوصا بعد أن تسربت نسخ من الفيلم على يوتيوب فأنعش ذاكرة من شاهدوه ببعض ما جرى من انتهاكات ضباط الشرطة والجيش خلال موجات ثورة يناير التي عادت أغلب وسائل الإعلام المصرية لتصفها بالثورة وعاد شبابها ليوصفوا بالشباب الطاهر بعد أن تغيرت التعليمات السيادية، حتى إشعار آخر. 

 

مشكلة هؤلاء مع فيلم "الميدان" ليست مشاكل فنية تتعلق بملاحظات لديهم على الفيلم وطريقة حكيه لما حدث في مصر خلال السنوات الثلاث الماضية، بل هي مشكلة تتعلق بإصرارهم على أن ثورة يناير كانت مؤامرة أمريكية صهيونية، ولذلك يتخذون من النجاح العالمي لفيلم (الميدان) تأكيدا على أوهامهم التي يظنونها حقائق لا تقبل الشك. وكل ما يمكن قوله لهؤلاء أن تتمنى لهم نوما سعيدا في أحضان الهوس الوطني الذي يجعلهم يغمضون أعينهم عن سيل العواطف المشبوبة التي يتبادلها حكام مصر مع المسئولين الأمريكان منذ إنتهاء مسرحية الدستور وبدء الإستعداد لمسرحية الإنتخابات الرئاسية، وتتمنى التوفيق للمشير السيسي في قيادته لجبهة  الممانعة العالمية التي ستقوم بكسر شوكة الإمبراطورية الأمريكية الإمبريالية، وهو أمر لو حدث سيسعدني بشكل شخصي، لأنه لن يُبقي من أحلامي التي أطلب تحققها على حياة عيني، إلا انكسار شوكة أكوام الزبالة المتراكمة في شوارعنا وشوكة موجات التحرش السارية في أنحاء البلاد.

 

وحتى يحدث ذلك أو أيُّ منه، أتمنى أن يبذل المهووسون بالمؤامرة الأمريكية بعض الجهد في القراءة عن الأفلام الوثائقية التي تنافس فيلم (الميدان) في الحصول على الأوسكار، لعلهم يكتشفون أن من بينها فيلما أمريكيا بعنوان (حروب قذرة)، لو رأوه لأدركوا أن المؤامرة الأمريكية معقدة جدا، لدرجة أنها أوصلت إلى تصفيات الأوسكار فيلما يهاجم الجيش الأمريكي بضراوة، ويفضح جرائمه التي ترتكب بحق المدنيين بإسم محاربة الإرهاب في أفغانستان واليمن والصومال والعراق، لدرجة أنه يعرض صورا لأحد هذه القيادات العسكرية المتسببة في تلك الضربات، ونرى بطل الفيلم يقوم بمطاردته للتعرف على شخصيته وتقديمه إلى العدالة. 

 

عندما شاهدت الفيلم خلال عرضه في مهرجان نيويورك للأفلام الوثائقية قبل ثلاثة أشهر، شعرت من فرط جرأة الفيلم أن الشرطة العسكرية ستداهم القاعة في أي وقت للقبض على فريق العمل والجمهور، ولم أتصور وقتها أن الفيلم سيصل إلى المنافسة النهائية للأوسكار، ولا أنه سيحصل على عدة جوائز داخل أمريكا من بينها جائزة من مهرجان ليتل روك تمنح لمن يظهرون الشجاعة الفائقة في صنع الأفلام وهي جائزة يستحقها بجدارة صانعو هذا الفيلم وعلى رأسهم جيريمي سكاهيل كاتب الكتاب الذي أُخِذ عنه الفيلم، والذي لعب بطولة الفيلم أيضا، وهي ليست بطولة بالمعنى السينمائي فقط، بل وبالمعنى الإنساني أيضا، لأنه ليس من السهل أبدا أن تأخذ على عاتقك مهمة البحث عن الحقيقة دون أن تخشى اتهامك بمساندة الإرهاب الذي يهدد بلادك، ودون أن تفقد إنسانيتك التي ترفض إيقاع العقاب الجماعي على الأبرياء، ودون أن تيأس من تذكير أبناء وطنك بأن مكافحة الإرهاب بعشوائية وبدون أداء حذر يتميز بالوعي لن تحقق شيئا سوى المزيد من صناعة الإرهاب. 

تشاهد هذا الفيلم الخطير فتقول لنفسك متحسرا وحزينا: "هذا بالضبط ما أريده لا أكثر ولا أقل في بلادنا، لست أحمق لكي أتصور أنني يمكن أن أعيش في بلد يختفي فيه الشر تماما، لكنني أريد أن أعيش في بلد حتى لو ارتكب ساسته الشر، يكون من حقي كمواطن أن أقاوم هذا الشر باستخدام حريتي في التعبير والرفض دون أن يتم قتلي في حادث غامض أو الزج بي في السجن، ببساطة لست أتصور أنه يمكن أن أنهي الشر من الوجود، لكنني لا أريد أن أتعرض للإنهاء وأنا أسعى لإنهاء الشر من الوجود".

 

للعلم، لست ممن ينكرون نظرية المؤامرة، لكني لست منسحقا أمامها، كأولئك الذين لا أستبعد أن أسمعهم يقولون أن هذا الفيلم ليس إلا جزءا من مؤامرة لتحسين صورة أمريكا وإظهارها بمظهر الدولة التي لا تضع قيودا على مناقشة أخطر الموضوعات الشائكة، متناسين أن مناخ حرية التعبير الذي ينتج فيلما كهذا، لم يوجد إلا بعد معارك شرسة خاضها المدافعون عن حرية التعبير، وحتى بعد أن صعدت عقب أحداث 11 سبتمبر موجات يمينية متطرفة للحد من حرية الإعلام بدعوى مكافحة الإرهاب لم يواجه ذلك بتخاذل من التيارات اليسارية والليبرالية التي لم تُزوِّج نفسها لأصحاب النفوذ، بل ظلت تقاوم بشراسة كل من يرغب في إخراس الباحثين عن الحقيقة بدعوى الحفاظ على الوطن وصيانة مؤسساته السيادية من النقد.

 

مؤخرا سمعت من يتحدثون عن عدم وجود قرار بمنع عرض فيلم (الميدان) داخل مصر كما سبق أن قالت مخرجته جيهان نجيم في حوار لها مع جون ستيوارت، وأتمنى أن يكون ذلك صحيحا، كما أتمنى أن تكون محاولة القبض على مجدي عاشور أحد أبطال الفيلم أول أمس مجرد صدفة لكونه منتميا إلى جماعة الإخوان وليس لأنه بطل الفيلم. على أية حال إذا كنا حقا بلدا حرا لا يمنع الأفلام ولا يطارد الأفكار، فلماذا لا نقاوم المؤامرة الأمريكية لتشويهنا بوسيلة مبتكرة، فتشتري وزارة الإعلام حقوق فيلم (حروب قذرة) وتعرضه في جميع الشاشات المصرية، لعل الفيلم يشجع فنانينا وإعلاميينا على عدم السير الدائم في قطيع الدولة، ولعله يقنعهم برفض شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، ويدفعهم لعمل أفلام تطالب بتطهير كل من ارتكب جرما أو خطيئة في المؤسسات السيادية، فنثبت بذلك أننا لا نقل حرية عن أمريكا، ولا نقل شجاعة عن صناع ذلك الفيلم الذين لم يلقوا بالا لمزايدات الأوغاد الذين يتخذون من الوطنية ملاذا للهرب من الحساب، فصنعوا فيلما ينحاز لكرامة الإنسان وحقوقه، لتجد نفسك بعد مشاهدته تنحني لهم احتراما وتقديرا، قبل أن تهتف من قلبك "اوعدنا يا رب".

 

نقلا عن موقع المدن

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان