رئيس التحرير: عادل صبري 03:46 صباحاً | الأربعاء 15 أغسطس 2018 م | 03 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

الإرهاب الفكرى بين الشرق والغرب!

الإرهاب الفكرى بين الشرق والغرب!

مقالات مختارة

الكاتب فتحى الحبّوبي

الإرهاب الفكرى بين الشرق والغرب!

بقلم: فتحى الحبّوبي 04 فبراير 2014 11:22

"الكرامة هى الملاذ الأخير لمن جار عليه الزمن" ماكس فريش، مسرحى وروائى ألماني..

بات معلوما لدى الجميع أن إرهاب الغرب الاستعمارى الدموى قد طال البشر والحجر فى كل مكان من العالم، فقتل الإنسان وحاول تقويض وتدمير الحضارة التى يعاديها، وانتهى به الأمر خلال القرن الماضى إلى إطلاق القنابل النووية فى هيروشيما وناجازاكي، ومع مطلع هذا القرن إلى تدمير كل من أفغانستان والعراق ذى الحضارة السومرية التى هى أقدم الحضارات.

 

ولكنّه لم يكن إرهابا فكريّا بالأساس، رغم وحشيّته وبربريّته وتسبّبه فى الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين كان من نتائجهما قتل ما يزيد عن 82 مليون نسمة، وتسبّبه قبل ذلك فى مقتل حوالى 20 مليون من السكان الأصليين الأستراليين، وأكثر من 150 مليون هندى أحمر فى الأمريكيتين الشمالية والجنوبيّة، واستعباد أكثر من 180 مليون إفريقي، بل وإلقاء 88٪ ممن قتلوا من بينهم فى المحيط الأطلسي.

 

ذلك أنه لم يطل العلم والفكر والإبداع سواء بالمصادرة أو بالمنع ولا المفكّرين الأحرار بالمضايقة أو الإهانة أو التهميش والتنكيل إلا فى حالات-ليست نادرة- ولكنّها قليلة وقليلة جدّا بالقياس لمثيلاتها فى الوطن العربى والإسلامي. ولعلّ أشهر هذه الحالات على الإطلاق هى الحادثة الشهيرة لمن سمّاه اينشتاين "أبو العلم الحديث" الفلكى والفيزيائى الإيطالى الجريء غاليليو غاليلى، التى سنأتى عليها فيما بعد.

 

ولكن، لعلّه يكون من المفيد التذكير ببعض حالات الإرهاب الفكرى القليلة التى عاشتها أوروبّا والغرب عموما، والتى كانت آخرها حادثة إعدام أنطوان لافوازييه أكبر عالم فرنسى فى زمانه وأبو الكيمياء فى العصر الحديث، خمس سنوات فقط بعد الثورة الفرنسيّة.

 

والتركيز على الإرهاب الفكرى عند العرب لا يعنى بالضرورة غياب جميع أشكال الإرهاب الأخرى، بقدر ما يعنى احتلال الإرهاب الفكرى لموقع الصدارة فى ترتيب صنوف الإرهاب وضروبه المختلفة.

 

إننا عند استحضارنا واستبطاننا لتاريخنا نقف، قطعا على صور رهيبة كثيرة من فظاعات الإرهاب الفكرى المسلّط عبر العصور على أصحاب الرؤى الثورية الحرّة والأفكار الجديدة الذين كان حالهم كمن يصرخ فى صحراء ولا أحد يسمعه. إلا انّنا لضيق المجال سنقتصر على عرض محنة ابن رشد فحسب بعد الإشارة -ودون توسّع- إلى حالات قليلة أخرى تعود بالأساس إلى التاريخ المعاصر والحديث.

 

فقد كانت مأساة ابن المقفّع الذى ينتمى فكريّا إلى فرقة ''إخوان الصفاء وخلاّن الوفاء'' لمجرّد كتابة مخطوطة كانت سببا فى تقطيع جسده الذى أكره على أكله مشويا حتى مات وهو فى مقتبل العمر، ولم يتجاوز السادسة والثلاثين.

 ولقى الحلّاج بعد تكفيره، مصيرا مشابها، حيث تمّ صلبه حيا، وفى مرحلة ثانية وقع تقطيع جسده هو الآخر، لأنّه هو وابن العربى الذى كفّروه أيضا، يعتقد بِحُلُولِ اللهِ فِى الْبشرِ واتِّحادِهِ بِهِ.

 

 أمّا البيروني، الذى أطلق اسمه على بعض معالم القمر، وقال عنه المستشرق سخاو: «إن البيرونى أكبر عقليّة فى التاريخ»، فقد تمّ تكفيره بعدما ناقش مسألة تكوين مرصد للتنبّؤ بأحوال الطقس. ضرورة أن ذلك من اختصاص الله وحده!.

 

وأمّا فيلسوف الأدباء أبو حيّان التوحيدي، الكاتب المعتزلى المبدع، فقد اتّهم بالزندقة والإلحاد لقوله بالتعطيل -وهو النفى والانكار- فأحرق كتبه بنفسه نتيجة الإحباط، بعد أن تجاوز التسعين من العمر وعاش بقيّة أيامه مستترا خوفا من القتل.

 

وأمّا عميد الأدب العربى طه حسين فقد كفّروه، لما ورد فى كتابه "فى الشعر الجاهلي'' لأنّ التكفيريين رأوا فيه محاولة للاعتداء على التراث العربى الإسلامى وزرع الأساطير والشبهات فى قلب السيرة النبويّة لتلويثها بعد أن نقّاها مؤرخو الإسلام!!!

 

وأمّا فى التاريخ الحديثّ فلا يمكن تجاوز محنة الباحث الأكاديمى نصر حامد أبو زيد، فهى جاءت بعد تكفير فرج فودة وقتله، وإثر محاولة نصر حامد ممارسة الفكر النقدى العلمى الخالص، بتأليفه لكتاب ''نقد الخطاب الديني'' الذى رأى أنه يخلط ما بين الدينى والفكرى ويعتمد على آليّة النقل، دون تدبُّر وتفكُّر؛ بما يناهض الإبداع ويسبّب العقم الفكري. كما دعا إلى وجوب التحرّر من سلطـة النصّ القرآنى ومن كل سلطة تعوق مسيرة الإنسان. فوقع اتهامه بالارتداد والإلحاد، ثمّ وقع التفريق بينه وبين زوجته قسرا.

 

وفى ذات السياق نذكر على عبد الرّازق صاحب كتاب ''الإسلام وأصول الحكم'' الذى كفّروه وسحبوا منه شهادته العلميّة وقطعوا عنه راتبه كموظّف، ومحمود محمد طه وهو مفكّر إسلامى سوداني، اتهم بالردّة ثمّ أعدموه رغم سنة المتقدمة، وابن الرواندى صاحب كتاب "فضيحة المعتزلة" ردا على كتاب الجاحظ "فضيلة المعتزلة'' الذى كفّروه بعد تشيّعه ثمّ خروجه عن الإسلام، وكذلك المفكّر حسين مروة الذى قتلوه، ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوى اللذان كفّروهما واتهموهما بأنّهما عميلان للغرب. أمّا على الوردى وعلى شريعتي، اللذان نقدا الدّين والأنبياء وأصنافا من رجال الدين، ودعوا إلى ثورة فى الفكر الإسلامى فقد أعتبروهما تنويريين ووقع تكفيرهما بتلك "التهمة"!!!

 

نأتى الآن إلى الفيلسوف ابن رشد، الذى كتب المستشرق الإسبانى البروفيسور ميغيل هرنانديز يقول فى شأنه « أن الفيلسوف الأندلسى ابن رشد سبق عصره، بل سبق العصور اللاحقة كافة، وقدم للعلم مجموعة من الأفكار التى قامت عليها النهضة الحديثة» لأنّه يعتبر-عن جدارة- أفضل فيلسوف أنتجته الحضارة العربيّة الإسلاميّة على مدى تاريخها المديد. فهو قامة علميّة عالميّة سامقة. أثّر فى العالم الإسلامى والمسيحى وأوروبا، لا سيما أنه المترجم والشارح الأكبر لنظريات أرسطو. وهو أبرز المنتقدين لزعيم المتكلمين الامام أبو حامد الغزالى الذى كفّر فلاسفة الإسلام فى كتابه تهافت الفلاسفة الذى شرح فيه تناقض منهجهم. فردّ عليه ابن رشد منتقدا فى كتاب (تهافت التهافت) الذى أكّد فيه على الاعتراف بحق الاختلاف وبالحق فى الخطأ. وأمّا محنته‏ فكانت على خلفيّة اتهامه بالكفر والضلال والمروق عن الدين. وذلك بمجرّد وشاية من خصومه أفضت إلى محاكمته. حيث لعنه الحاضرون من كبار القوم. ثمّ تمّ إخراجه من المحكمة على حال سيئة، ونفيه إلى قرية لا يسكنها غير اليهود. ليس هذا فحسب، بل أمر الخليفة المنصور بحرق جميع مؤلفاته الفلسفية وبمنعه من الاشتغال بالفلسفة والعلوم ما عدا الطبّ.

 

إلّا أن السبب الحقيقى للمحاكمة كان فى جوهره على خلفيّة موقفه من فقهاء عصره / أهل النقل الذين قال عنهم: « ظاهر من أمرهم أن مرتبتهم مرتبة العوام وأنّهم مقلدون. والفرق بين هؤلاء وبين العوام أنّهم يحفظون الآراء الّتى للمجتهدين فيخبرون بها العوام من غير أن تكون عندهم شروط الاجتهاد، فكأن مرتبتهم فى ذلك مرتبة الناقلين عن المجتهدين ».
 

كما كان بسبب تأكيد ابن رشد على أن الأرض كرويّة. وبصفة خاصة على موقفه المتميّز من قضيّة العلاقة بين الدين والفلسفة أو الشريعة والحكمة من خلال كتابه (فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال). حيث يقول أن « لا تعارض بين الدين والفلسفة، وإذا كان هناك من تعارض فالتعارض ظاهرى بين ظاهر نص دينى وقضيّة عقليّه ونستطيع حلّه بالتأويل...».

 

ومن هذا المنطلق فهو يرى أن الشرع أوجب ليس فقط النظر بالعقل فى الوجود بل أوجب كذلك دراسة المنطق. ويرى أيضا «أنّ القضايا البرهانيّة العقليّة هى حقّ، وما نطق به الشرع حقّ، والحقّ لا يضاد الحقّ بل يؤكّده ويشهد له»، بما يعنى أن الحكمة (الفلسفة) والشريعة (الدين) لا يتناقضان كما ذهب الغزالى إلى ذلك فى "تهافت الفلاسفة " الذى شكّل فى تقديرى تكريسا للانغلاق ومصادرة للرأى الآخر. ذلك أنه بموت ابن رشد -وياللأسف- انتصرت مدرسة النقل لزعيمها "حجّة الإسلام" الغزالي، و"العالم الأوحد"، كما يلقّبه مريدوه، نهائيّا، على المنهج العقلى الذى مثّله ابن رشد، باعتباره كاد يؤلّه العقل رغم تديّنه الشديد.. وكان من نتائج ذلك أن أغلق باب الاجتهاد، واستسلم المسلمون لنوم عميق، ما زالوا يغطّون فيه إلى اليوم. فلعلّهم استمرؤوه.

 

ورغم محنته، فقد ظلّ ابن رشد، مبتدع مذهب "الفكر الحر" كما قيل عنه، رغم أسبقيّة أبى بكر بن الصائغ (ابن باجة) الذى يعود له الفضل فى تحرر الخطاب الفلسفى وتلميذه ابن طفيل، شامخا بفضل حرّيته الفكريّة واستقلاليته وعدم تبعيّته لأحد، بما ينطبق عليه قولة فريدريك نيتشه «امتياز امتلاك المرء لنفسه لا يقدر بثمن» و لذلك فقد قال ابن رشد عند موته كلمته المأثورة فى ذات السياق «تموت روحى بموتِ الفلسفة».

 

لكنّ ما حصل هو العكس تماما. إذ أن الفلسفة الإسلامية هى التى ماتت بموت روحه. فهو دون شكّ آخر فيلسوف مسلم.

 

وما يمكن استنتاجه من محاكمة كل من ابن رشد وغاليلى أن تداعياتهما كانت متناقضة وأثّرت على مسار التاريخ فى الشرق والغرب. فقد أدّت محاكمة ابن رشد إلى أفول الفلسفة الإسلاميّة وبداية تخلّف وانحطاط العالم العربى والإسلامى الذى لا يزال متواصلا إلى اليوم بشكل جنوني، لاسيما من خلال سعى المتشدّدين، الذين يحنّون إلى تطبيق أحكام الردّة فى غير سياقها الموضوعي، إلى إرساء الدولة الدينيّة لإرهاب البشر واسترقاقهم باسم الدين. بما يذكّرنى بمقولة فريدريك نيتشه « أشعر كلما تعاملت مع رجل متدين بالحاجة إلى أن أغسل يديّ».

 

بينما ساهمت محاكمة غاليلى بشكل محورى فى قيام نهضة أوروبّا والغرب عموما، وبروز فلاسفة عصر الأنوار وقيام الثورة الفرنسيّة وتكريس قيم الديمقراطيّة والمواطنة واحترام حقوق الإنسان عبر إرساء الدولة المدنيّة الحديثة التى حرّرت الإنسان من عقاله وفجّرت طاقاته الكامنة.

 

نقلا عن صحيفة حقائق أون لاين التونسية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان