رئيس التحرير: عادل صبري 06:45 صباحاً | الجمعة 19 أكتوبر 2018 م | 08 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

دار الإفتاء وانتقائية التعامل الفقهي

دار الإفتاء وانتقائية التعامل الفقهي

مقالات مختارة

إسلام عبد العزيز

دار الإفتاء وانتقائية التعامل الفقهي

إسلام عبد العزيز: مصر العربية 02 فبراير 2014 13:03

بداية يجب التنويه إلى أن القضية لا تتعلق بأيدولوجيا ولا باتجاه سياسي، وإنما تتعلق في الأساس بفهم طبيعة الدور الذي ينبغي أن تمارسه مؤسسات الدولة، غير المحسوبة على تيار أو فصيل.

مؤسسات الدولة التي ينبغي ان تكون ملكا للجميع دون افتئات بسبب اختلاف فكر او توجه، مؤسسات الدولة التي ينبغي ان تكون صوتا للجميع دون تمييز بين معارضة او موالاة.

 

وتصبح تلك المعاني اكثر حضورا وآكد حالا إذا كانت تلك المؤسسات ذات صبغة دينية، فالدين لا يعرف فرقا بين الناس، ولا تمييز لديه في الحقوق والواجبات على الإطلاق.

 

لذا فقد هالني وآلمني هذا الانتقاء الفقهي الذي تمارسه دار الإفتاء المصرية، والتي اعرف عن قرب كيف تطورت وأضحت مؤسسة يمكن لأي مصري إن لم تحد عن الحق ان يفتخر بها، وادرك كيف انتقلت من العشوائية والتخبط وكونها صفرا في المعادلة الوطنية إلى رقم مهم داخل تلك المعادلة.

 

الانتقاء الفقهي الذي أعنيه أضحى من الفجاجة بمكان بحيث يدركه كل متابع للشأن الديني، خاصة بعد أحداث الثلاثين من يونيو المسماة زورا وبهتانا بانها ثورة.

 

فبيانات الشجب والإدانة لا تصدر إلا إذا كانت الضحية ذات لباس عسكري... جيشا كان او شرطة، وفتاوى التحريم والإباحة لا تصدر إلا لخدمة فريق على حساب آخر.

 

ليس هذا افتئاتا على المؤسسة معاذ الله، وإنما هو حقيقة واقعة، تستطيعه ان تلمسها حين سقط خمس وعشرون من جنودنا في رفح، وهو عمل إجرامي جبان بكل المقاييس، لكن سبقه بساعات عمل يساويه في الفداحة والإجرام والظلم، تحركت دار الإفتاء في كل حدث حركة يستطيع المتابع أن يدرك دلالاتها.

 

كذلك تحركت الدار بسرعة مذهلة بعد كثير من التفجيرات التي ندينها بكل كلمات الإدانة والشجب، لكنها لم تحرك ساكنا ولم تصدر بيانا تشجب فيه دماء اكثر من خمسين ضحية سالت في شوارع القاهرة والمحافظات يوم الذكرى الثالثة للخامس والعشرين من يناير.

 

أيضا يمكن أن يلمس المتابع هذا الأمر فيما صدر عن الدار من ساعات، حينما أصدرت بيانا حذرت فيه من الفتاوى المتطرفة التي تدعو إلى تكفير قوات الأمن وتحريم الصلاة على من استشهد منهم أثناء تأدية عملهم، مؤكدة أن مثل هذه الفتاوى الشاذة خطر على الأمة وتوقع المرء في إثم التكفير.

 

هكذا نطق البيان وهكذا يمكن أن تتعاطف معه منذ الوهلة الاولى، وترفض كإنسان يدرك خطورة مثل هذه الفتاوى، لكن العجيب أن البيان لم يقل لنا ما مصدر تلك الفتاوى؟ بل اكتفى بوصفها أنها فتاوى " أطلقتها بعض المواقع التكفيرية، -والتي رصدها مرصد دار الإفتاء المصرية الذي تم إنشاؤه لمواجهة الفكر التكفيري –"

 

هكذا.. "بعض المواقع التكفيرية.."، ونحن كصحفيين نتابع هذا الشأن لم نر هذه المواقع، ولم تنشرها جريدة من الجرائد ولم يتم إثارتها كمادة ثرية يمكن العمل عليها في برامج التوك شو مثلا، ويبدو أن العاملين في مرصد الدار هذا من الخبرة بمكان بحيث استطاعوا ان يقعوا على ما لم يمكن لصحفيي الشأن الديني أن يقعوا عليه... هذا أولا...

 

وثانيا وهو الأهم، والذي يؤكد أن الانتقاء في التعامل الفقهي داخل دار الإفتاء أضحى سمة لهذه الفترة، أن الدار لم تشر من قريب أو بعيد لفتاوى اشتهرت وذاع صيتها تكفر تكفيرا صريحا جهارا نهارا، فصيلا من الفصائل وهم "الإخوان المسلمون" وتفتي بعدم جواز دفنهم في مقابر المسلمين أو الصلاة عليهم، وأصحاب تلك الفتاوى معلومون معروفون، قالوها من فوق منابر مساجدهم، كهذا الممسمى بـ "مظهر شاهين" وبعضهم أفتى بها في وسائل إعلامية كالأستاذ الدكتور "عبد الفتاح إدريس" في حواره مع شبكة مصر العربية.

 

نعم... غضت دار الإفتاء الطرف عن كل هذا ولم تلتفت إليه، وكانها غير معنية به، أو كانها تقول للعالم أجمع إنها تقر أصحاب تلك الفتاوى على فتاواهم بهذا الصمت المطبق عليها.

 

بل إن صمت الدار على هؤلاء جعلهم يتوسعون فيصدرون فتاوى تضرب النسيج الاجتماعي المصري في مقتل، تصل إلى أصغر وحداته فتشرعن فك الروابط، وتعطي للزوج المختلف مع زوجته الإخوانية، او الزوجة المختلفة مع زوجها الإخواني تكأة شرعية لفك العلاقة، ويخرج أحد المعممين ليفتي بوجوب طلاق الزوجة الإخوانية..

 

وطبعا قبل هذا وذاك كانت الفتوى الأشهر بمقاطعة محلات الإخوان ومتاجرهم والتي تطورت فيما بعد إلى مهاجمة تلك المحلات ونهب محتوياتها عيانا بيانا على مرأى ومسمع من كل مؤسسات الدولة التي لم تحرك ساكنا..

 

كل هذا ودار الإفتاء صامتة، كل هذا ومرصد دار الإفتاء الذي يرى مالا يراه الآخرون قد عمي عن رؤية أو سماع تلك الفتاوى، أو كانه وافق عليها وحمدها وزكاها بهذا الصمت الرهيب.

 

إن التاريخ سيكتب بحروف من العار هذا الموقف المخزي للدار والذي تنامى عقب الانقلاب العسكري، هذا الموقف الذي سيرصده الباحثون فيما بعد متعجبين من هذه الرؤية ذات العين الواحدة.

 

إن دار الإفتاء بهذا الصمت وبهذا الميزان غير المقسط تؤكد أنها ككل مؤسسات الدولة المصرية تم اختطافها لصالح أجندة محددة... لا أطلب ولا يطلب عاقل أن تكون المؤسسة _أي مؤسسة_ مع المعارضة، مطلقا، ولكن لا ينبغي أيضا أن تكون إحدى ادوات السلطة ايا كانت تلك السلطة... عسكرية أو إخوانية، علمانية او إسلامية.

 

إن مؤسسات الدولة ورجالها ينبغي ان يعرفوا معنى الاستقلال، الاستقلال الذي يجعلهم رمانة ميزان هذه الدولة، لا يحيدون لمصلحة، ولا ينحازون لفكرة، همهم اولا وآخرا ان تبقى المؤسسات ملكا للجميع، صوتا للجميع، منبرا للجميع...

 

وبالله وحده تستدفع البلايا.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان