رئيس التحرير: عادل صبري 12:29 مساءً | السبت 20 أكتوبر 2018 م | 09 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

تونس.. الربيعُ يُزهِرُ من جديد *

تونس.. الربيعُ يُزهِرُ من جديد *

مقالات مختارة

تصويت على الدستور الجديد في برلمان تونس

تونس.. الربيعُ يُزهِرُ من جديد *

بشير البكر 02 فبراير 2014 10:56

استطاعت تونس، أخيرا، الخروج من دائرة الخطر، وأصبح لها دستُورُها المُتوَافَق عليه. ولا تزال دول أخرى في الربيع العربي تعيش مخاضات صعبة، والمستقبل مفتوحٌ على كل الاحتمالات. فلماذا لا نستفيد من التجربة التونسية ونُعمّمها. ليس في الإمر إسقاطٌ  وإنما استفادة من روح الحوار بين أبناء البلد الواحد، وإبعاد الجيوش العربية من فِتَن الداخل.

 في الوقت الذي تُحاكِم فيه زُمرة انقلابيّةٌ في مصر أول رئيس ديمقراطي في تاريخها، وفي الوقت الذي تحصد فيه ماكينة القتل الأسدية في سوريا أرواح عشرات الآلاف من الضحايا، ويستقر ما يشبه نوعا من حرب أهلية في اليمن وتتفكك جماهيرية القذافي إلى ولايات وأقاليم، تحتفل تونس ما بعد الربيع بدستورها الجديد. صحيح أنه جاء بعد مخاض طويل وعسير. ولكن التحدي كان مثمرا. وليس من الممكن الإلمام بكل الصعوبات التي أخرت صدور هذا الخبر المفرح الوحيد في عالمنا العربي اليوم.

 

 ومثلما كانت الثورة التونسية فاتحة للفرح والأمل في صقيع عربي فجّرَ تجاربَ لمْ تُلاقِ ما لاقته من النجاح، ها هو الدستور التونسي الجديد الديمقراطي. الدستور غير الممنوح. الدستور المتفاوض عليه والمتوافق عليه. دستور النضج الحقيقي لبناء الجمهورية الثانية في تونس.

 

ليس معنى هذا أنه لم تحدث أخطاء. إذ تأخر انبثاق هذا الدستور وسالت دماءٌ طاهرةٌ لمواطنين عاديين ومناضلين وسياسيين. ولكن الأمور بخواتيمها، كما يُقال. والحقيقة أن الدروس المستفادة من بلد صغير كتونس كبيرة.

 

ومن بينها أن هذا الدستور حظي بموافقة معظم القوى السياسية والروحية والمجتمعية الفاعلة في المجتمع التونسي، أي التحالف الحاكم وقوى المعارضة. وهو بالتالي يمنح إحساسا بعدم وجود خاسر.  فالكل منتصرٌ، والكل مقتنع بالتداول السلمي على السلطة.

 

لقد استطاع التطرف العلماني (العلمانويّ) أن يخفف من غلوائه كما خفّف الإسلاميون (الإسلامويون) من تشددهم، ولم يُغْرِهِم انتصارهم الانتخابي بالاستبداد، وقررا معا تناوُل العَصا من الوسط. واكتشفا أنه لا بد أن يتعايشا معا.  

 

فقد اكتشف (تأخر هذا الاكتشاف، حقا!) أنصار العلمانية في تونس أن نظامي بورقيبة وبن علي لم يكونا علمانيين، كما ادعى الكثيرون، وكما برّر الغربيون مساعداتهم العسكرية والبوليسية للنظام، إذ لا يُعقل الحديث عن علمانية في ظلّ سيادة الاستبداد وغياب احترام حرية التعبير وفي ظل غياب مُواطَنَة حقيقية وإقصاء شرائح واسعة من أنصار التيارات الاسلامية في بلد إسلامي أطْلَقَ فيه الحاكمُ المستبدّ والعلمانيّ على نفسه اسم "المجاهد الأكبر".    

      

ومثلما عبّر العلمانيون واليساريون التونسيون عن نضج سياسي كبير وعن انحياز للمواطنة ولبناء الدولة التونسية وللتنمية والمصلحة القومية، أظهر الإسلاميون التونسيون، وعلى رأسهم "حزب النهضة"، نضجا لا نظير له في ممارسة السياسة وفي تفضيل المصلحة الوطنية العليا على المصالح الحزبية الضيقة.

 

لقد كانت التنازلات الكبيرة والمؤلمة التي قدمّها "حزب النهضة" حاسمة في إنجاح الحوار التونسي-التونسي وفي انبثاق هذا الدستور المُتَوَافَق عليه. وتسجل لهذا الدستور حسنات كبيرةٌ منها تركيزه على حرية التعبير والمعتقد والمساواة بين الرجل والمرأة أمام القانون. وبالطبع لن تغيب الانتقادات لهذا الدستور، ولكن الأمر طبيعي، لأن المجتمع التونسي في حالة مخاض، إذ لا تعيش تونس في جزيرة معزولة، كما أن كل دساتير العالم (من أمريكا إلى فرنسا إلى غيرهما) لا تخلو من ثغرات ونقائص ومن وُجود بُنود وفقرات ملتبسة، قد تتغير في يوم ما.

 

وقد كشف هذا التوافق بين الأطراف السياسية المختلفة، أن "الاسلام قابل للذوبان في الدولة"، كما يقول الفرنسيون، وأن الإسلام ليس عقبة أبدا في بناء الدولة الوطنية وفي سيادة وسمو المُواطَنَة، بل إن المسؤولية في الإخفاقات تعود للمسلمين فقط. وهكذا في ظل وجود قيادات إسلامية براغماتية ومتفتحة ومستعدة لمعرفة الخصم لا تكفيره ولا إقصائه تنتفي الكثير من المشاكل، ويُصبح التيار الإسلامي جزءا من تيارات أخرى له الحق، كما لغيره، في النضال السلمي من أجل الوصول إلى الحكم.

 

وإضافة إلى عامل التفاهم بين التيارات والحساسيات السياسية المختلفة يجب الإشادة بعامل آخر سهّل خروج تونس من نفق الانتظار القاسي ومن مرحلة ما بعد الجنرال زيد العابدين بن علي، وهو دور الجيش التونسي. والحقيقة أن الجيش التونسي أبان عن "روح وطنية" فوق أي شبهة. ولعب دوره ولا يزال في حماية حدود تونس وفي عدم التدخل في السياسة، إلا في حالات الخوف من السقوط في الفوضى والحرب الأهلية.

 

لم يهبّ الجيش لنصرة الدكتاتور ولم يتستَر عن دور مشبوه (بل إن قائده الأعلى ظل صامتا قبل أن يتقاعد، بشرف!) ولم يستغلّ أبدا لحظات سوداء دموية عاشتها الثورة التونسية. كان صمّاما للأمان. لقد كان الجيش التونسي مفخرة تونس. والحقيقة أن موقفه يتماهى مع جيوش ديمقراطيات أوروبية عريقة مقتنعة بأن مكانها هو الثكنات وليس القصور الرئاسية.

 

وما من شكّ من أن موقف الجيش التونسي، الذي كان الكثيرون يتمنون رؤيته وهو يلعب دورا سياسيا، مع طرف ضد آخر، ساهَم في إنجاح الحِوار الوطني وفي انبثاق الدستور الجديد وفي حماية الحدود التونسية من غرباء مسلحين يأتون من فوضى ليبيا وغيرها.

 

هذه العوامل وأخرى، من بينها الروح التونسية المتسامحة، سمحت لهذا الربيع التونسي بأن يُزهر.

 

لقد بدأت تونس، فعلا، مرحلة بناء الدولة الوطنية، مرحلة التنمية الاقتصادية.

 

لقد نجحت ثورة تونس حيث خسرت ثورات أخرى.  

 

نقلا عن موقع المدن

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان