رئيس التحرير: عادل صبري 05:07 صباحاً | الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 م | 12 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

جنيف 2 ودعم الإرهاب!

جنيف 2 ودعم الإرهاب!

مقالات مختارة

صورة ارشيفية

جنيف 2 ودعم الإرهاب!

بقلم: علي الصوان 01 فبراير 2014 10:40

كان لافتاً لدى افتتاح «مؤتمر جنيف2» في 22/1/2014، استخدام كيري عبارة: «لقد صارت سورية مغناطيساً للإرهاب».

وهذه مغالطة تتعامى عمّن جعل سورية مقصداً للإرهاب، وعن مسؤوليته الإجرائية في وقف ضخ الإرهابيين إليها، وهي مغالطة لأنها تخلط السبب بالنتيجة: إنها نوع من الأبلسة في الدعوة إلى إطفاء حريق بفعل فاعل يواصل صب الزيت على ناره!.

 


وبهذه الأبلسة ترسم واشنطن السمت المنشود عندها لأعمال «جنيف2»، ليس بقصد تجفيف منابع الإرهاب، بل لكي تحقق بالمؤتمر ما عزّ عليها بالإرهاب.
فهل تمكنت من استدراج المؤتمر إلى الجري في ملعبها؟ وتحت راية «الحل السياسي»؟
لندقق في الالتباس الذي رافق توجيه الدعوة إلى ايران لحضور المؤتمر، ثم سحبها.


إذ يمكن فهم توجيه الدعوة على أساس أن ايران دولة جوار كتركيا، ودعوتها أوجب من دعوة الدول الاسكندنافية والبينلوكس، ودول أخرى في الاتحاد الأوروبي واظبت على حضور مؤتمرات ما يسمى «أصدقاء سورية»، أي الدول التي نظمت طيوفاً من «المعارضات» السورية، وزودتها بتقنيات الإرهاب ورجاله.
أما سحب دعوة إيران إلى «جنيف2« فقد تم، حسب بان كي مون، بسبب يتصل بموضوع أعمال المؤتمر، وهو الحوار بين السوريين: حكومة و«معارضة»، متذرعاً بالتصريحات الإيرانية التي لا توافق على «جنيف1».


ثم إن استباقية الحوار بين السوريين على هذا النحو، كانت مشفوعة «بشرط» من أحمد الجربا موجّه لإيران، مؤداه الموافقة على «جنيف1» خلال ساعتين، و... إلا!.
وهكذا امتثل بان كي مون، ومساعده جيفري فيلتمان، (صاحب الباع الطويل في إضرام النار في سورية، يوم كان مساعداً للوزيرة كلينتون)، لمشيئة الولايات المتحدة، في وضع اللمسات الأخيرة على لوحة المدعوين، فأقصيت إيران!.
وما يجب استخلاصه من هذا الحضور الأمريكي النشط في تشكيل «جنيف2»، هو تدشين بوابة الجري في ملعب واشنطن، في الموضوع بعد الشكل.
إذ إن مملكة السعوديين -مثلاً- لم تعترف منذ 30/6/2012 بأي من بنود «إعلان جنيف» الستة، ورابطت خلف متراس الافتراءات الإعلامية التي تلقي مسؤولية ما يدمره الإرهابيون على عاتق الدولة السورية!، فوق أن الرياض كانت ولاتزال، إلى جانب الدوحة، المصدر الرئيس لتمويل الإرهابيين، وتزويدهم بالسلاح، ومع ذلك، دعيت إلى «جنيف2»، وتبنى كيري خطابها السياسي في افتتاح المؤتمر!.


ركن الأساس في هذا الخطاب الانتقائية في اجتزاء البند الخاص بالحكومة الانتقالية في إعلان جنيف 2012، والتغافل المتعمد عن شرط وقف العنف ومقتضياته، يلي ذلك توظيف الاجتزاء ليكون مدخلاً إلى أن تحقق واشنطن بهذه «الحكومة الانتقالية» ما عجزت عنه بالسلاح، وهو النيل من السيادة الوطنية السورية، بوقاحة بلغت حد انتهاك الأعراف والشرعية الدولية، في تسمية رئيس الجمهورية بالاسم!، ودعوته إلى «التنحي»!!!.


زد إلى ذلك أن كيري تخطى التوافق مع نظيره الروسي سيرغي لافروف في شأن الرعاية الثنائية لمؤتمر يبحث طرفاه المعنيان موضوعاته الخلافية، وقفز هذا الوزير الأمريكي إلى جانب أحد الطرفين!، بأن اعتمد البروباغندا الإعلامية لهذه «المعارضة»!!!.


فهو ساق ما عدّه «أمثلة» عما يؤثم سورية، كاستخدام الكيماوي وإطلاق الصواريخ التي قتلت أطفال المدارس في باب توما.


وهذه «الأمثلة» غير محسومة، ولم يصدر في شأنها تقرير تحقيق مستقل يحدد مسؤولية الجهة التي اقترفتها، ولذلك، فإن ورودها على لسان وزير يفترض أنه مسؤول، إنما ينتقص من صدقيته، ويطعن في أهليته كراع لمؤتمر سلام، ولاسيما أنه لأنه يعتمد في خطابه الرسمي تلفيقاً إعلامياً، يعلم مهندسوه أن العالم يعلم أنهم يكذبون، وبخاصة دائرة ذوي الشهداء.
ومع ذلك، فإن لتجاوز كيري للوقار إلى غواية الخطاب الديماغوجي، وظيفة سياسية محددة، هي النهوض بمهمة حل المعضلة التي عاينها الأخضر الإبراهيمي الراعي الأممي التنفيذي لـ«جنيف2»، وهي تطلعه إلى التعامل مع ما سماه «معارضة مقنعة».


إذ إن كيري، كالإبراهيمي، يدرك أن الجربا لم يعد يمثل «ائتلاف الدوحة»، المتصدع بانسحاب مجلس إسطنبول منه، فوق أن «الائتلاف» يفتقر في الأصل إلى الولاية على عشرات التنظيمات المسلحة على الأرض، التي تتبع تنظيمياً وأيديولوجياً لأيمن الظواهري، وتتنصل من الجربا.


ومستند الإبراهيمي في الجهر بصعوبة البحث عن «معارضة مقنعة» يمكن أن تكون طرفاً في عملية سياسية، هو الملاسنات التي تحتدم من آن لآخر بين هذه التنظيمات، وتصل مستوى التصفيات الجسدية، والحروب الدوارة، التي يعلن كل تنظيم أنها مسوغة للوصول إلى «وحدة البندقية»، على نحو ما يفعل قادة الفصائل المتحاربة في ليبيا والصومال.
وهنا تأخذ موقعها همروجة جيفري فيلتمان وبان كي مون، في شأن دعوة إيران إلى المؤتمر، ثم سحب هذه الدعوة، إذ إن الصخب الذي أثير بعد توجيه الدعوة كان مقصوداً لذاته، لأنه تمحور حول رفض «ائتلاف الدوحة» هذه الدعوة.


أي إن واشنطن حققت بهذه الهمروجة مكسباً سياسياً ولكنه مبني على وهم هو توليف «المعارضة المقنعة»، المنشودة لدى الرأي العام والإبراهيمي، التي يمتثل لاعتراضها حتى الأمين العام للأمم المتحدة!.


ومثل واشنطن فعلت باريس في البناء على هذا المكسب، فقد حمل الرئيس الفرنسي في 24/1 رواية «ائتلاف الدوحة» إلى الفاتيكان في شأن انتهاكات «المعارضات»، عديدة الفصائل والجنسيات، للمقدسات المسيحية في الرقة ومعلولا.. الخ، بوصفها مسلكاً فردياً(!!!)، ثم طلب من البابا استقبال الجربا لتكريس الكيانية السياسية لائتلاف الدوحة التي توهمت واشنطن أنها حققتها في ثنايا الهمروجة الخاصة بإيران.


وقد بنى الوزير كيري على هذا «المكسب المتحقق» ما يصبّ في اتجاه إعادة إنتاج مؤتمر في جنيف، متطابق مع قائمة المؤتمرات التي عقدتها دول «الناتو» في غير عاصمة أوروبية وعربية، بتمويل من مملكة السعوديين وقطر، تحت عنوان «مؤتمر أصدقاء سورية»، الذي تقلص عدد المشاركين فيه تباعاً إلى إحدى عشرة دولة، هي النواة الصلبة في مجسم إمبريالي-رجعي عربي معاد لسورية.


والذي حدث أن الخطاب السياسي الذي اعتمدته تلك النواة الصلبة لدى افتتاح «جنيف2»، قد استنسخ خطابها في تلك المؤتمرات الأحادية الجانب، ولم يقدم دلائل حسن نية حيال عملية سياسية لحوار في مؤتمر يحضره وفدا الحكومة و«المعارضة».


وهذا عيب فني لاحظه الوزير لافروف بالحديث عن رغائب بعض المشاركين في الحؤول دون إنجاح المؤتمر، ولم يسم الأشياء بأسمائها، لحيازته ما يفتقر إليه نظيره كيري من وقار ومسؤولية في السمو عن النطق بالمغالطات وبالشخصنة.


والشاهد أن وفد الجربا استمد جرعة وقاحة مضافة من خطاب كيري، للتلويح بالتوجه إلى مجلس الأمن واستصدار قرار تحت الفصل السابع ضد سورية... إذا لم يحقق التفاوض في جنيف مطالب الائتلاف في «الحكومة الانتقالية»، كما قال أحد أعضاء هذا الوفد يوم الجمعة.


وهذه وقاحة لكونها تستنسخ ما كان يدور في اجتماعات مجلس جامعة الدول العربية من هرطقة في الرهان على استدعاء تدخل «الناتو» في سورية، طبقاً للسيناريو الليبي.
ثم إنها وقاحة لأنها تستبق الحوار السياسي بين الوفدين: الحكومة و«المعارضة»، وتستبطن الأسلوب الصهيوني في التفاوض مع الفلسطينيين، أي اعتماد العبثية والاستفزاز إلى أن يُكرَه الفلسطيني على قطع التفاوض، للظهور بمظهر الرافض للسلام. فهل فازت واشنطن بجائزة تصنيع كيانية سياسية من «الائتلاف»؟


ثمة امتحانات لا تبشر كيري بفوز كهذا، عاجلها افتضاح الأصل، وهو كيري، وظله الجربا، في الافتقار إلى المسؤولية، وآجلها يلي تباعاً في مهمة صنع شمعدان من سخام «المعارضات».

نقلاً عن صحيفة تشرين السورية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان