رئيس التحرير: عادل صبري 09:01 مساءً | الاثنين 20 أغسطس 2018 م | 08 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

ما الذي حدث للثورة والثوار؟

ما الذي حدث للثورة والثوار؟

مقالات مختارة

الناشط وائل عباس

ما الذي حدث للثورة والثوار؟

وائل عباس 30 يناير 2014 07:49

في محاولة مني للتملص من غرقي في الأحداث المملة، هذه محاولة للتحليق فوق الموقف لأراه بعين طائر من أعلى كي أزعم أنني أستطيع نقد ما أنا متورط فيه عاطفيا حتى النخاع بموضوعية. أرى أن الموقف حاليا هو كالتالي: لقد قمنا بثورة ونجحت وبالفعل خلعنا مبارك سواء بأنفسنا أو بإجبارنا للدولة التي تحميه أن تتخلى عنه وتخلعه رضوخا لنا، وهذا ليس بالشيء السيء أو المتواضع الإنجاز حتى لا نقلل من قيمة ما فعلناه. لكن ظهر لنا في الميدان من هتف فجأة الجيش والشعب يد واحدة ! سواء كانوا عناصر مدسوسة أو كانوا مجرد مواطنين عاديين لم يشاهدوا ما شاهدناه في أول أيام الثورة من دعم آليات الجيش للشرطة في محاولاتها فض الميدان بإمدادهم بالسلاح والذخيرة.

كنت أكثر المتشككين على الإطلاق عندما ظهر علينا عمر سليمان رئيس المخابرات العامة ليلقي هو بيان خلع مبارك ، حينها أيقنت تماما أنه انقلاب عسكري داخلي ضد مبارك، نعم انه 11 فبراير 2011 وليس 30 يونيو 2013، لكن لم أكن أريد أن أكون هادم اللذات أو كما يقول الأمريكان ’بارتي بوبر’ أو من يتبرز في حفل، لكنني بقيت متشككا بشدة فيما سيلي هذا، وأثبتت الأيام بالفعل أن المجلس العسكري الذي أدار البلاد وقتها فاسد ومجرم ولا يؤمن بقيام ثورة ولا ينوي مساعدة الشعب، لكنه فقط يريد الحفاظ على الامتيازات التي تحظى بها المؤسسة العسكرية سواء كانت اقتصادية او سياسية أو دولية ضد أي عبث من مدنيين غارقين في المثالية ونظريات الإصلاح والتقويم والتطهير للمؤسسات الغارقة في الفساد لعقود.

 

لقد كانوا طوال عهد مبارك دولة داخل الدولة بكل مقوماتها بما قد يرقى إلى حالة احتلال، وخلال حكم المجلس العسكري قامت حملة ضخمة ضد الثوار محاولة لتدمير سمعتهم ومصداقيتهم، الا من وافق منهم على عقد سلام مع العسكر وجلسوا وتفاوضوا معهم بمسميات مثل ائتلافات شباب الثورة التي لم تكن بأي حال تمثل الثورة ولا أعرف كيف تكونت، وكنت أسمع عن الإقصاءات المتعمدة في تكوينها ولا شك عندي في وجود أجهزة مخابراتية وراء تكوينها بهذا الشكل خصوصا بتعمدهم إقصاء التيارات اليسارية والمدونين تحديدا وتركيز الائتلافات في ليبراليين ممن لم يجدوا غضاضة في سياسات مبارك الاقتصادية إلى جانب الإسلاميين بمختلف أنواعهم.

 

والخلاصة كانت نشطاء بلا أي تاريخ نضالي تقريبا يمثلون حراكا استمر ما يقرب من العشر سنوات. مجموعات من الانتهازيين والمخبرين وعرائس الماريونيت سهلة التحريك. كنت اتلقى مكالمات في منتصف الليل من صديق أو صديقة: "إلحق يا وائل دول استبعدوني من الائتلاف وعياط وشحتفة، وكان ردي الكوول "الهادئ": وإنتي صدقتي إن دول ها يمثلوا الثورة فعلا؟ ده ديكور."

 

استمر عندي الشعور بأن ثورتنا لم تنجح بعد وأننا نحتاج إلى أن نستمر ، وبالفعل استمريت في مهاجمة المجلس العسكري وائتلافات شباب الثورة على حد سواء، لم أكن وحدي فقد كانت هناك حركات مثل لا للمحاكمات العسكرية وعسكر كاذبون ومصرين وآخرون. وكانت هناك معارضة أقل حدة وأكثر نعومة تدعو إلى اتخاذ خطوات ديمقراطية وعقد انتخابات وكتابة دستور وأشياء من هذا القبيل، والتي بالطبع لم تسر في اتجاهها الصحيح بسبب وجود صفقة مسبقة بين العسكر والإسلاميين والغرب يباركها، لأنه يرى في ذلك أفضل توازن للحكم في مصر الحليف الاستراتيجي المهم. أما عن الثوار والثورة ومطالب الشعب، فالغرب يفكر فيهم كالتالي: "ابوكم ما تقرفوناش عندنا مصالح في المنطقة أهم من حريتكم."

 

وبالفعل استولى الإخوان والسلفيون والإسلاميون بشكل عام على البرلمان، وكتبوا دستورا معيبا سالبا للحريات -- وائل عباس كما يبغون، واعترفوا بعده علنا وبكل أريحية في ندوات مسجلة ومرفوعة على الإنترنت، أنهم خموا الليبراليين والعلمانيين والمسيحيين ومرروا وكتبوا كل ما يريدونه. وانفرط عقد من كانوا يقفون كتفا بكتف في الميدان مدعين وحدة الهدف، مكشرين أنيابهم عن انتهازية مقززة وأنانية مفرطة وحالة سكر بين أوهام القوة والقدرة والتأييد الشعبي .

 

  ثم وصل مرسي للحكم ليزيد الانقسام ويقرر الإخوان المسلمون الاستئثار بالكعكة وحدهم دونا عن بقية الفصائل الإسلامية من سلفيين وجهاديين واتباع أبو الفتوح وأبو اسماعيل، ناهيك عن الفصائل الثورية من الصبية المزعجين أمثالي الذين يثيرون الكثير من الضوضاء، فصائل تم إغفالها من المعادلة بعد البرلمان وكتابة الدستور في مرحلة سابقة، وهو ما سيثير حفيظة الإسلاميين فيما بعد ليتخذوا مواقف خائنة للثورة وحتى لايديولوجيتهم الإسلامية كما هو موقف حزب النور حاليا. وتعالت أصوات قميئة من الماضي، فلا يهم أن تكون يساريا أو ليبراليا فأنت عندهم وعند إعلامهم وفضائياتهم علماني، ملحد، كافر، زنديق، زاني وغير مؤهل للمشاركة في الحكم وحياتك وعرضك مستباح للخوض فيه.

 

عقد الإخوان صفقة مع العسكر وكانوا يظنون أنه سيحميهم ولن ينقلب أبدا عليهم، وسعوا بكل دأب لإرضاء تلك المؤسسة القوية قولا وفعلا وصل إلى تكريم من نادي الثوار بمحاسبتهم لوجود دم الثوار على أيديهم بقلادات النيل على طريقة مسرحية ريا وسكينة: "شبكنا الحكومة وبقينا قرايب... ومين ها يعاركنا مين."

 

لكن المؤسسة العسكرية لم تكن في الحقيقة بهذا الإخلاص للصفقة التي عقدوها مع نظام مرسي وزاد الاحتقان الشعبي ضد مرسي بأزمات مؤكدة الافتعال بنقص في غاز الطبخ والبنزين والديزل بشكل خانق وارتفاع أسعار رهيب، لاسيما في الغذاء لا يدع مجالا للشك في ان مرسي فاشل في بسط يده على المؤسسات القديمة وتطهيرها.

 

كان جل هم مرسي وتنظيمه هو محاولة اختراق المؤسسات القديمة بعفنها الكامن وأخونتها وزرع عناصره قدر ما يستطيع وليس تطهيرها، وليس تقديم حلول اقتصادية تفك أزمات الشعب المصري وتزيد من شعبيته وتدعمه ضد أي محاولة مستقبلية للإطاحة به. لم يحاول طمأنة المصريين على مستقبلهم ومستقبل أولادهم، حاول دؤوبا أخونة وزارة الداخلية وإعلام ماسبيرو، وكأن العاصم له من الثورة هو المزيد من العسف والقمع والكذب والتزييف وإخفاء الحقائق كأي ديكتاتور وليس كرئيس منتخب بعد ثورة شعبية. لم يحاول مرسي احتضان الثورة والثوار خصوصا من عصروا على أنفسهم الليمون وانتخبوه وأنجحوه ليكون مرشح الثورة، وتم إقصاؤهم أيما إقصاء وتشويههم أيما تشويه.

 

ظهرت الكثير من الدعاوى للثورة على مرسي، ثم ظهرت حركة تمرد التي كنت متشككا من البداية في أهدافها، لم يكونوا بالراديكالية المطلوبة بالنسبة لي، ظاهريا كانت حركة مطالب تدعو إلى انتخابات مبكرة ومطالب أعتبرها أنا طرية باللغة الدارجة وليست ثورية بما يكفي، ومع ذلك لم تكن الاستمارات التي جعلوا المواطنين يوقعونها تشير من قريب أو من بعيد لدعوة الجيش للتدخل ، لكن فجأة وبعد جمع قدر كبير من التوقيعات يعلن قيادات او بالأصح "ماريونيت" تمرد عن رغبة أسيادهم ويطالبون الجيش بالتدخل ويرحبون بانضمام فلول نظام مبارك للحركة، ورحبوا بانضمام الشرطة إليهم في ميدان التحرير في كرنفال عبثي لثورة مضادة برعاية وتحت حماية المؤسسات السيادية.

 

هذه الظاهرة أدت لانبعاث غازات مخدرة في الجو أيقظت الفاشية عند الكثير ممن يحسبون على معسكر الثورة خصوصا من ذوي الخلفيات الناصرية كالكاتب العالمي علاء الأسواني الذي ظهر على التلفاز مدعيا بأن الشرطة في صف الثورة وأنهم قد تعلموا الدرس بدون أي مقدمات أو تطهير، ليليه الكثير من نجوم "الفاشية الناصرية" كعبد الحليم قنديل وأحمد فؤاد نجم ثم يتبعهم نجوم النشطاء الذين صنعهم ولمعهم الإعلام في غفلة من المنطق والواقع، ولكن بحسابات مخابراتية دقيقة كأحمد دومة وإسراء عبد الفتاح التي استماتت في إصرارها على أن تجوب العالم لتقنعه بأن ما حدث هو ثورة وليس انقلابا عسكريا، ولكن هيهات أن ترحم الفاشية حلفاءها.

 

ثم يختفي ويخفت في المقابل كل صوت عقلاني لمثقفين أو كتاب أو إعلاميين ضد تلك المهزلة وضد الجرائم ضد الإنسانية التي جرت في رابعة والنهضة مع اختلافنا مع مطالبهم، وتتغير خريطة الإعلام تماما باختفاء أعمدة صحف ابتلعت كتابها، ومنع مذيعين معينين من الظهور قبل تقديم فروض الولاء والطاعة وليس مثال باسم يوسف عنا ببعيد، لتخلو الساحة لإعلام فاشي دعائي جوبلزي مكارثي بروبجاندي زاعق على نمط راديو رواندا: اقتلوا التوتسي الصراصير! وليصير الشعار بوشياً نسبة الى جورج بوش الإبن : الحرب على الإرهاب! ثم تعين الجونتا العسكرية لجنة من المخبرين لكتابة دستور الدولة العسكرية الجديدة.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان