رئيس التحرير: عادل صبري 03:22 صباحاً | الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 م | 05 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

نداء.. إلي المصريين!

نداء.. إلي المصريين!

مقالات مختارة

الكاتب عدة فلاحي

نداء.. إلي المصريين!

بقلم: عدة فلاحي 14 يناير 2014 10:53

قال الأمير عبد القادر رحمه الله، رغم ما عرف عنه ميله لعالم العرفان والتصوف وهو يتحدث عن العقل: "قوة العقل هي إحدى القوى الأربع،

التي إذا اعتدلت في الإنسان يكون إنسانا كاملا وهي قوة العقل وقوة الشجاعة وقوة العفة وقوة العدل، فقوة العقل هي حالة للنفس بها يدرك الصواب من الخطأ في جميع الأحوال والعدل حالة للنفس بها يسوس الغضب والشهوة ويحملها على مقتضى العقل في الاسترسال والانقباض والشجاعة كون قوة الغضب منقادة للعقل في إقدامها وإحجامها والعفة تؤدب قوة الشهوة بتأديب العقل والشرع" هذا المقطع النفيس للأمير يجدر بحق أن يكون من مقاطع النصوص التي يجب إدراجها في برامجنا التربوية والتعليمية حتى لا تقع الأجيال ضحية الخرافة والدجل والغلو في الحديث حول أحول يوم القيامة وأهوالها بدل التفكير في إعمار الأرض وخدمة الإنسان التي من أجلها استحق أن يكون خليفة في الأرض.

إذا كنت الرجولة ونبل الفروسية هي التي جعلت صلاح الدين الأيوبي يتكفل شخصيا بعلاج رتشارد قلب الأسد من جروحه التي أصابته حين المعارك التي خاضها مع جنوده في الحروب الصليبية التي أراد أن يجعل من القدس عاصمة أبدية للمسيحيين، فإن هذا السلوك الإنساني الذي ظهر به صلاح الدين هو اليوم درس للمسلمين أنفسهم قبل أن يكون لغيرهم، لأن القتال والاقتتال الذي يشغلنا اليوم هو ذلك الذي يجري وبصورة بشعة بين المسلمين وليس مع من هم على ديانات ومعتقدات أخرى، وفي اعتقادي لم نسقط في هذه الجريمة التي تعد من الكبائر والتي تتعارض مع إحدى أهم مقاصد الشرع وهي "حفظ النفس"، إلا حينما فقدنا ملكة الوعي الديني والسياسي وفرطنا في مقصد جوهري وهو "حفظ العقل" وحينما أقول ذلك فلا أعني حفظ العقل من المسكرات كما تحدث عن ذلك العلماء في سالف العصر والزمان وإنما أقصد حفظ العقل من التضليل المعرفي والدعوي والتأويلات الخاطئة ومن التعصب للرأي لدرجة الخروج عن أدب الاختلاف، وإذا كانت كل هذه الآفات حاضرة فمن تحصيل الحاصل أن تكون ثقافة العنف والتطرف هي المهيمنة في حياتنا اليومية بكل أبعادها وبالتالي يكون من السهل التورط في ارتكاب القتل دون خوف أو تردد.

   لقد حذّر الرسول عليه الصلاة والسلام وبلغة صارمة بالقول "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" وإذا كنا قد تحدثنا في مقال السابق حول "الاشتباك السلفي الشيعي.." حول ثقافة القتل والتقتيل التي أضحت أمرا عاديا من كثرة استباحة الأرواح، فاليوم يكون للعقل نصيب، فإذا صلح صلح ديننا ودنيانا وإذا فسد فسدت حياتنا في الدارين، والمطلوب منا اليوم أكثر من أي وقت مضى هو إعادة الاعتبار للمدرسة العقلية التي تنظر لمقاصد الأمور والأشياء التي جاء بها الإسلام بدل التوقف في فهم النصوص على ظاهرها  كما تفعل اليوم "المدرسة السلفية الوهابية" التي لا ترحم من يخالف قراءتها الخاصة بالنصوص حتى وإن كان هذا الذي يخالفها هو من أبنائها، بل ويستخدمون ضده كل مفردات النقد وحتى السباب أحيانا الذي نهانا الرسول عنه، ويا ليتهم في خلافاتهم مع بعضهم ومع غيرهم يتعظون بالإمام علي رضي الله عنه، فرغم محنته في حرب صفين إلا أنه لما سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام لم يغب عقله وتقوده عاطفة الغضب بل أوصى أتباعه بالقول "إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر وقلتم مكان سبكم إياهم، اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، وأهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به"، ولكن للأسف الشديد من يسمع لخطاب العقل الذي غاب وغيب من طرف المخرجين الماهرين من هم على غير ملتنا وساهمنا بكل غباء في ذلك المخطط بأيدينا التي خربنا بها بيوتنا. 

 حينما سئل آية الله علي الخامنئي وهو الذي يتولى منصب المرشد الأعلى لجمهورية إيران الإسلامية وهو منصب رسمي دستوري في الدولة مما يعني أن أقواله هي التي نعول عليها في تعاملنا مع هذه الدولة الشقيقة وفي تعاملنا مع إخوتنا الشيعة دون الالتفات للدهماء والغلاة، قلت حينما استفتي سماحته حول الاقتداء بأهل السنة في أداء الصلاة وهي الركن الثاني من أركان الإسلام وعماد الدين ، كان رده بأن "الصلاة جماعة لأجل حفظ الوحدة الإسلامية جائزة وصحيحة وبأنه لا إشكال في المشاركة في الصلاة معهم في جمعهم وجماعتهم ومن أن الصلاة معهم صحيحة ومجزية وإن كان بالسجود على السجاد..."، فهل بعد هذا الحديث الوحدوي الذي يترفع عن التفاصيل والجزئيات نتجنى على جماعة الشيعة ونحملهم أوزار ما يصدر من صغار القوم؟ ولكن بالرغم من ذلك قد يعترض البعض على هذا العرض الذي قدمته بعيدا عن الولاء والتعصب، ويفتح دفاتر الفتنة بدعوة أن إيران ترعى مخطط تشييع المنطقة السنية وتعمل على ارتكاب المجازر في عدة مناطق من العالم العربي وبالخصوص في المشرق والشام...ونحن بدورنا نقول حتى وإن حدث ذلك وليس بالضرورة هو ترجمة لسياسة إيران الرسمية، فإنه من عمل السياسة ولا علاقة له بالمعتقد أو بالمذهب، لأن مثل هذه التصرفات والأفعال تحدث حتى داخل البيت السني نفسه، ألم يختلف رمز السلفية الكبار حول شرعية الاستعانة بالكافر حينما دخل صدام حسين الكويت في تسعينيات القرن الماضي، وتحول الخلاف إلى مشاحنة ونيران صديقة كل يدعي سلامة اجتهاده وصوابه وعلى مستوى في مقام المرجعية (الالباني/ بن باز)، ثم نشاهد اليوم انقساما شبيها بذلك الذي حدث بين السلفيين بخصوص شرعية الرئيس المعزول محمد مرسي والموقف من الدستور الانقلابيين المعروض على الاستفتاء، هذا مؤسس الدعوة السلفية بالكويت الشيخ الدكتور عبد الرحمن عبد الخالق لازال يتمسك بشرعية حكم المنقلب عليه الرئيس مرسي ويعارض دستور العسكر وينتقد وبحدة موقف حزب النور السلفي الذي اصطف إلى جانب الحكام الجدد وينكث عهده الذي أبرمه مع الدكتور مرسي الذي انتخبه الشعب، وفي رسالة شديدة اللهجة يقول الدكتور عبد الخالق موجها خطابه للشيخ ياسر برهامي نائب رئيس حزب النور بالقول: "ليس من الدين ولا من المروءة أن تنقض العهد وتساير الباطل وتعين الظالمين من أجل أنك تخاف على نفسك وحزبك وجماعتك ومن أجل انك رأيت معسكر الظلم أكبر من من معسكر الحق؟!" وفي موضع آخر تعجب الشيخ عبد الخالق من تصرف الشيخ برهامي قائلا أنه لم يكن ليتصور أن يتآمر برهامي على الأمة المصرية  إلى هذا الحد متهما إياه أنه مهندس وعراب الانقلاب ومفتي الخروج على مرسي في 30 جوان ومن انه بفعلته هذه قد سن سنة سيئة يقتفي أثرها كل طامع في السلطة لينقلب على صاحبها وهذا من الشرور العظمى التي قد تقع فيها الأمة ومن الأفعال التي أساءت للسلفية وجعلت  الانتساب إليها سبة.

 يبدو أن مؤسس الدعوة السلفية بالكويت الدكتور عبد الرحمن عبد الخالق المصري الأصل والذي تحصل على الجنسية الكويتية بمرسوم أميري، يهم أمر السلفية والسلفيين بمصر التي تعتبر أكبر بلد عربي إسلامي وإذا أساء السلفيون التدبير السياسي فبلا شك تكون له تداعيات خطيرة على المنهج السلفي وأمام هذا الحراك المشحون بتعدد الآراء والمواقف لم تشهده مصر من قبل ظهر الشيخ عبد الخالق وكأنه يريد أن ينقذ سفينة السلفية من الغرق حتى وأن اضطره ذلك إلى استخدام  لغة غير مهادنة مع أصحابه لدرجة أنه استنكر على نائب رئيس حزب النور مشاركته في لجنة صياغة الدستور الكفري حسب تعبيره وفي نفس السياق يقول الدكتور عبد الخالق: "إن من أسوأ ما اقترحه ياسر برهامي في تعديل المادة 219 أن يكون الحكم في النهاية للنصوص قطعية الدلالة قطعية الثبوت، وهذا القيد للنصوص الشرعية يمنع من الاستدلال في أي حكم شرعي بنص من القرآن والسنة"، وبالتالي وفي تقييمه للدستور الجديد يرى عبد الخالق بأنه أسوأ دستور وضع للأمة المصرية وجعل من هويتها هوية فرعونية نصرانية وأقصى الشريعة الإسلامية وما دام الأمر كذلك فالرضى بهذا الدستور الإجرامي الذي يؤصل لاستئصال دين الأمة وعقيدتها وتسليط بعضها على بعض وإذا كانت مآلات المشاركة في التصويت بنعم أو لا على الدستور هي تكريس للدكتاتورية ودمار مصر، فإن كل من يتقدم لذلك أو يدعو له يعتبر خائنا لوطنه وأمته كما يرى ذلك الشيخ عبد الخالق الذي لا يجرؤ أحد من السلفيين التشكيك في كفاءته وعلمه الشرعي، والسؤال الكبير ماذا لو كان هذا الخطاب مصدره مرجعية شيعية أو غيره من دعاة "حفظ العقل"؟

نقلاً عن صحيفة الشروق الجزائرية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان