رئيس التحرير: عادل صبري 12:27 صباحاً | الخميس 16 أغسطس 2018 م | 04 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية
اختراق المعارضة!

مقالات مختارة

الكاتب خيرالله خيرالله

اختراق المعارضة!

بقلم: خيرالله خيرالله 13 يناير 2014 09:19

يثير تصرّف قسم من شخصيات المعارضة السورية علامات استفهام، خصوصا فى ظلّ الحملات المتبادلة بين المجموعات التى تتألّف منها تلك المعارضة. أكثر من علامات الاستفهام، هناك ما يثير الاشمئزاز، لا لشيء سوى لأنّه يفترض فى المعارضة السورية فى الخارج أن تكون الواجهة التى تعكس صورة عن ثورة حقيقية لشعب مقاوم. إنه شعب يسعى إلى استعادة كرامته بعد نصف قرن من حياة أقرب إلى الذلّ من أى شيء آخر.

 

من يراقب، ولو من بعيد، الاجتماعات التى تعقدها المعارضة فى إسطنبول أو غيرها من المدن، يصاب بخيبة. يتولّد لديه شعور بأن الشعب السورى لا يمكن أن ينتصر يوما على نظام حرمه أبسط حقوقه وكرّس جهوده من أجل تعميق الشرخ الطائفى والمذهبى فى بلد كان مفروضا أن يكون من أفضل دول المنطقة.

 

تبدو مأساة المعارضة السورية واقعا لا يمكن الهرب منه. هل مطلوب الاستسلام لهذا الواقع والقبول ببقاء النظام العائلي- البعثى الذى ليس فى واقع الحال سوى مافيا عائلية تحكم بلدا عن طريق الأجهزة الأمنية؟
من حسن الحظ أن المعارضة شيء والثورة التى يخوضها الشعب السورى شيء آخر. قد تنتصر هذه الثورة كما قد لا تنتصر نظرا إلى أن الكيان السورى مهدّد بالتفتيت. إلا أن ثمة ملاحظات عدّة يمكن أن تساق على هامش الشتائم التى يتبادلها بعض المعارضين فيما بينهم.

 

قبل كلّ شيء، لم ينشأ المعارضون فى بيئة ديموقراطية تسمح لهم بالأخذ والردّ بشكل حضاري. هناك معارضون عاشوا فى الخارج أسرى أوهام تتعلّق بسوريا بصفة كونها قلب العروبة النابض. هؤلاء يرفضون أساسا الاعتراف بوجود مشكلة طائفية ومذهبية فى سوريا. يرفضون أى مقارنة مع لبنان. أحدهم سارع إلى اعتبار تلك المقارنة إهانة له. لدى هؤلاء المعارضين فكرة خاطئة عن سوريا لا علاقة لها من قريب أو بعيد بنظام قام منذ البداية على الطائفية والمذهبية، خصوصا منذ الانقلاب العسكرى فى العام 1966 وهو انقلاب لعب الدور المحورى فيهم الضباط العلويون.

 

زرع هذا الانقلاب بذور الطائفية والمذهبية فى سوريا. قبل انقلاب 1966، كانت الطريقة التى قمعت بها الانتفاضة الأولى لحماة فى العام 1964 مقدّمة لما ستتعرّض له المدينة من مجازر فى 1982. بين الثامن من آذار- مارس 1963 والثالث والعشرين من شباط- فبراير 1966، استخدم الضباط العلويون شعارات البعث ومدنييه والضباط السنّة والدروز والإسماعيليين والشركس للانتهاء من حماة التى كانت ترمز إلى رفض المدن السورية الكبرى، على رأسها دمشق وحلب وحمص، المشروع الذى يسعى إلى تحقيقه هؤلاء الضباط.

 

شيئا فشيئا، تحولّت سوريا إلى سجن كبير. شيئا فشيئا، خصوصا منذ العام 1970 حين تفرّد حافظ الأسد بالسلطة، صارت الطائفة الحزب الحاكم. لم يعد البعث سوى غطاء لها. لا يمكن إلا الاعتراف بأن حافظ الأسد كان يمتلك عقلا فريدا من نوعه. استطاع الاستفادة إلى أبعد حدود من عدائه للنظام البعثى الآخر فى العراق الذى صار على رأسه صدّام حسين منذ العام 1979 ومن عداء هذا النظام له. عرف جيّدا كيف يقيم توازنا إقليميا يجعل من سوريا دولة مهمّة على كلّ صعيد.

 

فضلا عن ذلك، استطاع الأسد الأب إقامة تحالف من نوع جديد بين العلويين وسنّة الأرياف والأقلّيات. حاول نقل هذه التجربة إلى لبنان الذى استخدم المسلحين الفلسطينيين للسيطرة عليه وتدمير مؤسساته. ولمّا واجه مقاومة بدأ الاغتيالات التى نالت فى البداية كمال جنبلاط وصولا إلى الرئيس رينيه معوّض مرورا بالرئيس بشير الجميّل والمفتى حسن خالد. عدد المجازر التى ارتكبها النظام السورى فى لبنان لا يحصى.

 

ألغى حافظ الأسد الحياة السياسية فى سوريا. حاول عمل الشيء نفسه فى لبنان من منطلق طائفى ومذهبى أيضا. لذلك، كان تركيزه دائما على تدمير الشخصيات والرموز السنّية المنتمية إلى المدن الكبرى وعلى التخلّص من اى شخصية مسيحية تستطيع لعب دور على الصعيد الوطني.

 

لا يمكن لوم بعض شخصيات المعارضة السورية التى عاش أفرادها فى هذا السجن الكبير على تصرّفاتهم. لا يمكن حتى لوم الذين ذهبوا إلى الخارج وأقاموا فى باريس وغير باريس وهم لا يريدون الاعتراف بما يجرى على الأرض السورية. نعم، سوريا تغيّرت جذريا منذ ما قبل العام 1970 وتغيّرت نحو الأسوأ مع خلافة بشّار الأسد لوالده، خصوصا بعد اختزال الطائفة بالعائلة وبعد الذهاب بعيدا فى لعبة التحالف مع إيران، بامتداداتها اللبنانية، من منطلق مذهبى بحت.

 

لم تكن لدى بشّار المعرفة الكافية بالأرض السورية. لم يدرك أهمية سنّة الارياف والمدن الهامشية من أمثال حكمت الشهابى ومصطفى طلاس وعبدالحليم خدّام وفاروق الشرع وكثيرين غيرهم. كان والده يستعين بهؤلاء لتأكيد أن هناك بديلا من سنّة المدن الكبيرة.

 

ولذلك، سقط نظام بشّار الأسد فى اليوم الذى ثار فيه أولاد درعا، عاصمة حوران، وكتبوا شعار "الشعب يريد اسقاط النظام" على حائط المدرسة.
من يتوقع تصرّفات مختلفة تصدر عن شخصيات سورية معارضة تجتمع فى الخارج بعدما أمضت حياتها فى البلد- السجن، إنّما يراهن على سراب. طريقة تصرّف بعض هذه الشخصيات أكثر من طبيعية.

 

ما ليس طبيعيا هو ذلك الصمود للشعب السوري، وهو صمود يعبّر عنه يوميا بأشكال محتلفة. لعلّ أفضل تعبير عن هذا الصمود فى هذه الأيام التصدى لـ"داعش" التى ليست سوى تنظيم متطرّف يحظى بدعم النظام. لماذا يدعم النظام "داعش"؟ لسبب فى غاية البساطة يتمثّل فى أنه يريد أن يكون الشعب السورى كلّه على شاكلة "داعش" لتبرير المجازر التى يرتكبها.

 

هذه لعبة قديمة تجاوزها الزمن. الشعب السورى كشف اللعبة وعمل على احباطها. اما المعارضة التى لم تستطع يوما الارتقاء إلى مستوى الثورة فهى لا تزال فى حاجة إلى وقت طويل كى تتذكّر أنها صارت خارج السجن السورى الكبير وأنّ الشتائم المتبادلة والتخوين لا يمكن أن تكون جزءا من ثورة شعب يعرف تماما من هو عدوّه وأن طريق الخلاص يمرّ بالتخلّص من هذا العدوّ أوّلا.

 

نقلا عن جريدة المستقبل اللبنانية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان