رئيس التحرير: عادل صبري 04:10 مساءً | الخميس 16 أغسطس 2018 م | 04 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

حول الاستفتاء على الدستور الجديد..!!

حول الاستفتاء على الدستور الجديد..!!

12 يناير 2014 08:55

كتبت عن دستور 2012 الذي وصمه الإعلام بـ "دستور الإخوان" بأنّه جيّد في مجمله، لكن ما كان يجب أن يمرّ في ظلّ أجواء الانقسام والأزمة التي كانت قائمة آنذاك. بالمناسبة المعارضة العاصفة لمرسي حصرت المواد المختلف عليها من 10 إلى 12 مادة فقط. ورغم الحملة العنيفة على ذلك الدستور إلاّ أنه مرّ شعبيًّا في الاستفتاء عليه بنسبة 64% ، وهذا كان مدهشًا لي، فقد توقعت ألاّ يمرّ، أو يتجاوز الـ 50 % بالكاد.

 

لم يتسن لي متابعة الجلسات العلنيّة للتصويت النهائي داخل لجنة الخمسين على دستور 2013، أو قراءة النصّ الكامل له الذي نشرته الصحف والمواقع لأسباب خاصّة قاهرة إلاّ يوم الأحد 29 ديسمبر الماضي بعد أن عُدت للدوحة حيث قرأته كله بديباجته ومواده وخرجت مرتاحًا بشكل عام ووصفته بأنّه وثيقة جيّدة بغضّ النظر عن بعض الملاحظات على عدد من المواد، لكن لأنني واقعي جدًّا فأنا أدرك أن هناك ما يُسمّى دومًا بـ " عدالة المنتصر" الذي يفرض شروطه في كل بلد في العالم. وفي دستور 2012 كان الإخوان والسلفيون وتيارات الإسلام السياسي عمومًا في موقع السلطة والقوّة، أي هم المنتصرون انتخابيًّا، وبالتالي خرج الدستور آنذاك وفق "عدالة المنتصر". وعندما تبدّلت الأوضاع وخرج الإخوان وأنصارهم من السلطة فإنه من الطبيعي أن يفرض المنتصر الجديد شروطه كلها أو بعضها في دستور 2013، لكن مع ذلك فإن رؤيتي للوثيقتين المعطلة، والأخرى التي سيجري الاستفتاء عليها يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين جيّدتان ومقبولتان ذلك أن الدستور النموذجي الذي يحظى بموافقة شعبيّة وسياسيّة بنسبة 100% لم يُوضع بعد ولا في أيّ دولة بالعالم مهما كانت عراقتها في الديمقراطيّة فالاختلاف هو سمة البشر وسيظلّ الاختلاف والتنوّع قائمًا إلى أن تقوم الساعة.
 

 

تقديري أن الدستور الجديد سيمرّ شعبيًّا وبنسبة قد تصل إلى 80% وربّما أكثر، وهذا هو رهان السلطة الذي يُسمّيه بعض أنصارها رهان " 80، 80 "، أي 80% نسبة المشاركة، و80% نسبة الموافقة. صحيح أن هناك معارضة للدستور من تحالف دعم الشرعيّة وأحد فروع حركة 6 أبريل لكن ذلك لن يكون مؤثرًا بدرجة واضحة ذلك أن هناك حملة إعلاميّة كثيفة ومكثفة وغير مسبوقة في تاريخ الترويج للدساتير في مصر بل غير مسبوقة في الترويج لأيّ حدث آخر مهما كانت أهمّيته لدفع المواطنين للتصويت والموافقة عليه والرهان هنا على الكتلة الغالبة في الشعب المصري وهم من يُسمون بـ "حزب الكنبة " والحقيقة أنها الكتلة الأساس إذا تحرّكت في أيّ استحقاق انتخابي أو في أيّ مشاركة وهي التي منحت حزبي "الحرية والعدالة" و "النور" والإسلاميين عمومًا الأغلبيّة في كلّ الاستحقاقات الانتخابيّة التي تلت ثورة 25 يناير وجعلتهم يصلون للحكم حتى 3 يوليو يوم عزل مرسي وتوقف هذا المسار الديمقراطي وبدء مسار جديد سيتمّ إنجاز أولى خطواته بذلك الدستور الذي تعتبر السلطة أنه سيُؤكّد شرعيّتها ودستوريّتها أمام العالم وينفي ما يُقال عن كونها سلطة انقلابيّة.
 

في قراءة تاريخ الشعوب تستطيع أن تستشفّ طبيعة المزاج العام لهذا الشعب أو ذاك، ويظهر أحد ملامح المزاج العام للشعب المصري في رغبته الجارفة نحو فكرة الاستقرار، والشعب يعيش بعد 25 يناير وحتى اليوم في حالة من الفوضى وعدم الاستقرار على كل المستويات ومن هنا يتمّ تفسير تمرير أيّ استفتاء في مصر، فالمصريون يُوافقون دومًا على ما يتمّ استفتاؤهم عليه حتى وهم مستقرّون باعتبار أن الرفض قد يؤثر على استقرارهم ، والشعب على استعداد لتمرير ما لا يقبله كله مقابل هذا الاستقرار، ومن هنا فقد وافق على دستور 2012، ومن هنا أيضًا فإنه ذاهب لتمرير دستور 2013 لأنه يُدرك أن الرفض سيعني الفراغ واستمرار الفوضى والتخبّط وخروج القطار عن مساره وطريقه وقضبانه حتى لو كان المسار لا يحظى بالإجماع ولا بالتوافق الوطني خصوصًا في ظلّ حالة البؤس الاقتصادي والمعيشي والعنف والإرهاب والدماء والتفجيرات والرعب والفزّاعات التي يعيشها منذ أكثر من ستة أشهر، ولا نُناقش هنا أسباب ومسبّبات ذلك، ولا من هو المسؤول والذي أوصل الأوضاع إلى تلك الحالة المأساويّة لأنها قضيّة كبيرة.
 

دستور 1923 الذي يُعدّ واحدًا من أعظم دساتير مصر، ودومًا يُشار له كوثيقة تاريخيّة أفضل كثيرًا ممّا جاء بعده من دساتير انتقصت من الحقوق والحريات، هذا الدستور تمّ وضعه في ظلّ الاحتلال البريطاني لمصر، وكان زعيم "الوفد" سعد زغلول يصف اللجنة التي وضعته بأنها لجنة "الأشقياء"، ثمّ تراجع عن هذا الوصف بعد ذلك لمّا وجد أنه دستور يُلبّي طموحات الشعب المصري.
 

طيّب، دستور 2012 لم يُوضع في ظلّ سلطة احتلال، بل وضعته لجنة منتخبة، وتحت حكم منتخب، ودستور 2013 أحاطت به ظروف معروفة للجميع، لكنه وُضع في ظلّ سلطة حكم مهما قيل عنها إلاّ إنها سلطة وطنيّة حظيت بدعم سياسي وشعبي واسع في 30 يونيو و3 يوليو، والقصد من هذا الكلام أن المحك هو المنتج النهائي بغضّ النظر عن طبيعة اللجنة التي وضعته، وبغضّ النظر حتى عن طبيعة السلطة هل هي احتلال أجنبي مباشر أم سلطة وطنية هناك تحفظات عليها من جانب البعض، فالأساس هو المنتج النهائي، وقد اعتبرته جيدًا وأفضل ما يُمكن الحصول عليه في اللحظة الراهنة.
 

هذه وجهة نظر راعيت - كما أنا دومًا - أن تكون منصفة ومحايدة ومجرّدة وبعيدة عن أيّ مشاعر أو انحياز تجاه هذا الطرف أو ذاك.
 

ولمن لا يُدرك فإن حزب "الكنبة" وهو عموم شعب مصر قد ضجّ ضجيجًا بحالة التيه التي يعيشها منذ ثلاث سنوات، وهو على استعداد للتضحية بأيّ شيء حتى لو كان جانبًا من حريته مقابل أن يستقرّ ويهدأ ويأمن ويعمل ويأكل ويشرب ويعيش وبالتالي لن يتضامن هذا القطاع الشعبي الكبير والعريض والضخم مع أحد يطلب منه غير ذلك، كما لن ينجح أيّ حراك سياسي أو احتجاجي ما لم يكن مدعومًا من هذا الظهير الشعبي.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان