رئيس التحرير: عادل صبري 04:44 صباحاً | الاثنين 17 ديسمبر 2018 م | 08 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

في ذكرى مولده: لماذا يجب علينا حب رسول الله

في ذكرى مولده: لماذا يجب علينا حب رسول الله

حامد العطار 11 يناير 2014 14:37

استشكل العلماء قوله صلى الله عليه وسلم : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" [1] كيف يناط الإيمان بأمر من أمور العاطفة ، هل يملك الإنسان أن يقرر أن يحب أو يكره؟

أليس الحب من المشاعر التي تنفذ إلى القلوب دون إذن أو سلطان؟ فكان مما أجاب به بعض العلماء حلا لهذا الإشكال ، ما ذكره القاضي عياض أن المقصود بالمحبة هنا التعظيم والإجلال،إلا أن القرطبي صاحب شرح المفهم على صحيح مسلم لم يسلم بهذا الجواب وانتقده بأن ذلك ليس مرادا هنا ؛ لأن اعتقاد الأعظمية ليس مستلزما للمحبة ، إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه من محبته[2]فما المراد بالمحبة هنا ، وكيف يحققها العبد، بخاصة وقد ارتبط الإيمان بها وارتبطت به على هذا النحو الوثيق؟

 

من أفضل ما قدمه العلماء جوابا لهذا السؤال ما ذكره الحافظ ابن حجر من أن المقصود بالحب هنا الحب العقلي، الذي يأتي بعد التفكر والنظر، فالإنسان يحب ما ينفعه ، ويوفر له المتعة واللذة والنفع، ويبعد عنه الألم والنغص والكدر والضر، فإذا تفكر المسلم قليلا فسيجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفر له كل هذه المتع وباعده من كل هذه المضار، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم الواسطة المباشرة ، أو الواسطة المسببة لذلك كله، فما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا لينقذ الناس من الناروعذابها، ويأخذ بنواصيهم إلى الجنة ونعيمها، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله، جعل الفراش  وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه، فيقتحمن فيها فأنا آخذ بحجزكم عن النار وهم يقتحمون فيها"[3] فإذا كان الواحد منا يحب أباه وأمه، فإنما يحبهما لما يغذوانه به من النعم، ولما أحاطاه به من الرعاية والتربية والحنان والحب والمال والنفقة والإيثار.... يحبهما؛ لأنهما كانا يحذرانه من الشرور والأضرار مخافة أن تصيبه، وكانا يبعدانه عنها بأنفسهما وقت كان لا يفرق بين ما يضر وما ينفع، يحبهما؛ لأنهما يغفران الإساءة ، ويصفحان عن البذاءة، ويقيلان العثرة، ولا يقصران في النصيحة، فإذا تفكر الواحد منا فسيجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدخر جهدا في دلالة الناس على الجنة حيث النعيم السرمدي وتحذيرهم من النار حيث العذاب السرمدي، وتحمل من أجل أمته من العنت والأذى والعذاب واللأواء مالم يتحمله أب من أجل ولده، ولا ولد من أجل والديه .

 

لما علم من سيدنا موسى عليهما السلام ليلة الإسراء أن الناس لا يتحملون خمسين صلاة ظل يراجع ربه يسأله التخفيف لا لنفسه فقد كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه، ولكن من أجل أمته حتى لا يكلفها فوق طاقتها ، وحتى لا يرهقها من أمرها عسرا، كان يخاف زيادة التكليف على أمته؛فعن عائشة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى في المسجد، فصلى بصلاته ناسٌ، ثم صلى من القابلة؛ فكَثُرَ الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة، فلم يخرج إليهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فلما أصبح قال: " قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم؛ إلا أني خَشِيتُ أن يُفْرَضَ عليكم ،وذلك في رمضان.[4]

وسكت صلى الله عليه وسلم عن رجل سأله عن عدد مرات الحج مخافة أن يفرض مكررا، ففي الحديث : «يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا» فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا فقال: " لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم "[5] حتى روت عائشة- رضي الله عنها-إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم" [6]

 

ينهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه- ومن بعدهم أمته إلى يوم القيامة- عن الجلوس في الطرقات ، شفقة بهم ـلا يعطوا الطريق حقه فيؤزروا ، يريد أن يجنبهم ما يكون سببا في مؤاخذتهم وإثقال كاهلهم حتى أصروا هم فنبههم إلى أن يعطوا الطريق حقه إذن[7]، فعن سعيد الخدري رضي الله، عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إياكم والجلوس على الطرقات فقالوا: ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها قال: فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها قالوا: وما حق الطريق قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر" جاء في فتح الباري :

وقد اشتملت روايات الحديث على معنى علة النهي عن الجلوس في الطرق من التعرض للفتن بخطور النساء الشواب وخوف ما يلحق من النظر إليهن من ذلك إذ لم يمنع النساء من المرور في الشوارع لحوائجهن ومن التعرض لحقوق الله وللمسلمين مما لا يلزم الإنسان إذا كان في بيته وحيث لا ينفرد أو يشتغل بما يلزمه ومن رؤية المناكير وتعطيل المعارف فيجب على المسلم الأمر والنهي عند ذلك فإن ترك ذلك فقد تعرض للمعصية وكذا يتعرض لمن يمر عليه ويسلم عليه فإنه ربما كثر ذلك فيعجز عن الرد على كل مار ورده فرض فيأثم والمرء مأمور بأن لا يتعرض للفتن وإلزام نفسه ما لعله لا يقوى عليه فندبهم الشارع إلى ترك الجلوس حسما للمادة فلما ذكروا له ضرورتهم إلى ذلك لما فيه من المصالح من تعاهد بعضهم بعضا ومذاكرتهم في أمور الدين ومصالح الدنيا وترويح النفوس بالمحادثة في المباح دلهم على ما يزيل المفسدة من الأمور المذكورة[8]

 

لم يكتف صلى الله عليه وسلم بمواساة الفقير المحتاج أثناء حياته فقط، بل أوجب على نفسه أن يقضي دين المدين، يبريء به ذمته بين يدي الله، ويفتك به رقبته حتى لا يمنع دخول الجنة بسبب الديون التي استدانها، يقول صلى الله عليه وسلم :قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك دينا فعلى قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته[9].

 

حتى الدعوة المجابة التي أعطاها الله إياه، لم يقتنصها لنفسه، ولم يتعجلها في حاجاته ولا حاجات بيته، بل ادخرها لأمته، يستشفع بها لهم يوم لا يجدون الشفاعة، يقول مبينا ذلك صلى الله عليه وسلم : "لكل نبي دعوة، فأريد، إن شاء الله، أن أختبي دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة.[10]

 

في اليوم الذي يقول فيه الأنبياء والمرسلون : نفسي نفسي، يا رب سلم سلم، لا ينسى أمته،بل يكون سؤاله عنها، وطلبه لها، في الصحيحين من حديث أنس بن مالك، قال: حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم، قال:

إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض، فيأتون آدم فيقولون: اشفع لنا إلى ربك فيقول: لست لها ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن؛ فيأتون إبراهيم، فيقول: لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله؛ فيأتون موسى فيقول: لست لها ولكن [ص:49] عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته؛ فيأتون عيسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ فيأتوني فأقول: أنا لها، فأستأذن على ربي فيؤذن لي، ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا، فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع؛ فأقول: يا رب أمتي، أمتي، فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا؛ فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع؛ فأقول: يا رب أمتي، أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان؛ فأنطلق فأفعل؛ ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا؛ فيقال يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع؛ فأقول يا رب أمتي، أمتي فيقال انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجه من النار؛ فأنطلق فأفعل ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا؛ فيقال يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع؛ فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، فيقول وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله[11]

 

وعبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي صلى الله عليه وسلم: تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: {رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني} [إبراهيم: 36] الآية، وقال عيسى عليه السلام: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 118] ، فرفع يديه وقال: «اللهم أمتي أمتي» ، وبكى، فقال الله عز وجل: «يا جبريل اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك؟» فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام، فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، وهو أعلم، فقال الله: " يا جبريل، اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوءك "[12]

 

تفكر في الجوائح التي تجتاح الأمم والشعوب، فوجدها في المجاعات العامة، والطوفان المغرق، والتفرق الممزق، فدعا ربه أن ينجي أمته منها ، فروى مسلم  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يوم من العالية ، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية ، دخل فركع فيه ركعتين . وصلينا معه . ودعا ربه طويلا . ثم انصرف إلينا . فقال صلى الله عليه وسلم "سألت ربي ثلاثا . فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة . سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها . وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها . وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها). [13]

 

لم ينس صلى الله عليه وسلم أصحاب اللهجات من غير قريش، فلم يقبل أن يتعنوا في قراءة القرآن بلهجة قريش التي لا يحسنونها، فسأل ربه أن ينزل القرآن بلهجاتهم؛روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أضاة بني غفار . قال فأتاه جبريل عليه السلام . فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف . فقال "أسأل الله معافاته ومغفرته . وإن أمتي لا تطيق ذلك" . ثم أتاه الثانية . فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين . فقال "أسأل الله معافاته ومغفرته . وإن أمتي لا تطيق ذلك" . ثم جاءه الثالثة فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف . فقال "أسأل الله معافاته ومغفرته . وإن أمتي لا تطيق ذلك" . ثم جاءه الرابعة فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف . فأيما حرف قرءوا عليه ، فقد أصابوا .

 

وإذا كان من كمال رأفة الأبوين إيصاؤهما بأولادهما ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى أمته وحذرها من الإساءة للمرأة واليتيم، فعليهما يستأسد الجبان، فروى أحمد وغيره من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة[14]

 

روبط ذات صلة:

 

فيديو.. "جد الحسن" أغنية جديدة بمناسبة المولد النبوي

"سلام يا رسول الله" احتفالية بالمولد النبوي

فرقة التراتيل والألحان القبطية تحتفل بالمولد النبوي الشريف

"ثقافة القرية" تحتفل بالمولد النبوي الشريف

 

 

[1] - رواه الشيخان من حديث أنس، اللؤلؤ والمرجان (1/9)

[2] - انظر فتح الباري ( 1/60)

[3] - متفق عليه من حديث أبي هريرة ، اللؤلؤ والمرجان (3/93)

[4] - رواه أبو داود ، وصححه الألباني (5/1118)

[5] - رواه مسلم (2/975)

[6] - رواه الشيخان ، اللؤلؤ والمرجان (1 / 140)

[7] - اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (3 / 43)

 

[8] - فتح الباري (11/11)

[9] - اللؤلؤ والمرجان (2 / 160)

 

[10] - اللؤلؤ والمرجان (1 / 51)

 

[11] - اللؤلؤ والمرجان (1 / 48)

[12] - صحيح مسلم (1 / 191)

[13] - رواه مسلم .

 

[14] - سلسلة الأحاديث الصحيحة (3 / 12)

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان