رئيس التحرير: عادل صبري 06:52 صباحاً | الخميس 16 أغسطس 2018 م | 04 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

إسراطين.. مرة أخري!

إسراطين.. مرة أخري!

مقالات مختارة

الكاتب كمال خاف الطويل

إسراطين.. مرة أخري!

بقلم: كمال خاف الطويل 11 يناير 2014 08:26

يكثر بين الفينة والأخرى الحديث عن انسداد السبل أمام خاتمة للصراع العربي ـ الصهيوني، سوى في قيام الدولة الواحدة على كامل أرض فلسطين.

والحق أن العنوان خلاّب، لكن الأهم هو أن قضية من هذا الوزن تحتاج لتأنٍ في التناول ورويّة في الطرح يتيحان تفحّص مدخلاتها ومخرجاتها بما تستحقّه من تبصّر وأناة.

 

لنتفق أولاً على انضواء عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم الأصلية في فلسطين ـ 48 ضمن لوازم أصحاب الطرح، ذلك أن ما دون ذلك تعريفاَ هو «حل دولتين» منضافٌ على تحسين شروط حياة فلسطينيي 48 داخل «دولة إسرائيل» .
نمضي، بافتراض أن الأمر كذلك، إلى تشريح عناصر المسألة واحدة واحدة، بالقول:
1. إن الافتراض الذي يقوم عليه الطرح، بيقينٍ لافت، هو استحالة إخراج الاحتلال الإسرائيلي من الضفة الغربية لفرط ما زُرع فيها من مستوطنات ومستوطنين، ولهول ما قُضم منها من أرض وما نُصب من جدار ممزق، وعُبّد من طرق سكّينية، ولعظم ما تصرّ عليه إسرائيل من تحكّم بالماء والسماء.
2. إن حل الدولة الواحدة، على عسرته، أقدر ـ في المقابل - على التحقق لتوفّره على مزيّة إحراج الغرب وتأليب أنظمة العرب والمسلمين نصرة له وزرع بذور الفتنة داخل المجتمع الإسرائيلي بدواعي عقلانية الطرح وإنسانيته ورونقه، وتلواً فكل ما يلزمه هو وقت وإصرار وتراكم خبرة.
3. والحال أن أول عورات الطرح هو إغفاله مصيرية العلاقة بين مشروع كوني هيمني ومشروع وظيفي إقليمي، وجدليتها.
ليست إسرائيل، في الحساب الأخير، إلا الامتداد المتقدم للغرب الأطلسي والفاصل بين آسيا وأفريقيا العربيتين، ومشروعٌ ثبتت قدرته على النجاة العام 48، وعلى النفع العام 56، وعلى العطاء عالي المردود العام 67، وعلى تسليم البضاعة العام 77 (أنور السادات وكامبه)، وعلى الإجهاض العام 81، وعلى العقاب والتطويع العام 82، وعلى اختراق القلعة 93 .
والحاصل أن الولايات المتــحدة حــاولت مـرتين - في 91 و2003 - أن تزيل من وجهــه كل عقــبة إقليــمية ذات شأن، سعياً وراء تمكينه ليضــحي الوكــيل الإمبراطوري بامتياز في إقليم يمتد من المتوسط لقزويــن ومــن إسكــندرون إلى عصب، لكنــه، ومنــذ العام 82، دخل في دائرة معيبة من الفشل الذي يلد فشلاً، وتناقص مردوده لحد القصور السياسي والميداني خلال سنوات ثلاث، 06 - 09، عن أداء ما كلّف به من مهام قصفِ عمر مقاومات الشام، بل وصل به الحال لحدّ من الهلع والخوف من المحيط، بل والخوف من الخوف نفسه أحياناً، يقارب الهذيان لا سيّما وهو يرقب بكل حواسّه تعاظم القوة الإيرانية في الشرق القريب.
4. يتأتى من هذه العورة الناتئة أن صاحب مشروع الهيمنة الكوني يجد رويداً في تبنّيه لربيبه الوظيفي الإقليمي وصفة خسارة متنامية في الإقليم ومحيطه وما خلفهما، فإذا أضفنا للحساب حقيقة أن الكبير ذاته دخل في نفق التراجع ولن يخرج منه إلا بالتواضع وتقصير الخطوط وستر مواضع الانكشاف واسترضاء البعض ومهادنة البعض الآخر.. إذاً، نحن أمام مشهدٍ سيضطر معه هذا الكبير الى تراضٍ مع ممانعيه في الإقليم، يتأتى بالضرورة على حساب الربيب الوظيفي الفاشل.
ودرءاً لأي تزيّد فما أعنيه هو تراجع المؤسسة الحاكمة في واشنطن عن مقاصدها في السيطرة على الإقليم دونما التفريط في الكيان الإسرائيلي ذاته، ومعطوفــاً عــلى عــدم توفّر معســكر الممانعــة على شرائط قوة تفيض عن منسوب التراجع الأميركي هذا... أي، باختصار، عدم قدرتها على أكثر من استخلاص 67.
5. مع توازن القوى والمصالح هذا تصبح استعادة كامل أراضي 67 أمراً ممكن التحقق، لن تعيقه عقبات الجدار والاستيطان والمصادرة والضم والقضم، بل ويتزاوج مع تلك الاستعادة النأي عن أي مسٍ بملف 48، لا جزءاً ولا كلاً.
ذات التوازن هذا لا يسمح في المدى المستشف (8 ـ 15 سنة) بتجاوز إمكانية 67 إلى ما هو أبعد، حتى بافتراض ترنح الغرب الأطلسي وسوء أحواله.
انه يتيح للممانعة الثبات على سقف هدنة عقد ونصف من السنين، وهي التي لها اتفاقات أبرمت العام 49، ثم ذوت مع هزيمة 67 وإن بقيت على الورق في انتظار غودو.
6. إذا كانت إزالة آثار عدوان 67 تحتاج لكل هذا العناء فكيف هو بالله مطلب الدولة الواحدة، وهو الذي يتطلب تصفية صهيونية الكيان الإسرائيلي، وتذويب الغلبة السكانية اليهودية على أرض فلسطين لحد أقصى هو الثلث، عبر إعادة اللاجئين لديارهم.
ثم أن المسألة ليست في الإقناع... لا للخصم ولا لرعاته ولا «للرأي العام الدولي»، بل في فرض ضرورة التسليم بما نريد على من يقاتلوننا دونه.
7. ليس هناك من تشابه محكم مع الوضع العنصري في جنوب أفريقيا الذي امتد لنهاية الثمانينات... لم يكن هناك من تهجير لسكان البلاد الأصليين وإنما حلول أقلية بيضاء بينهم، بل فوقهم، واستلابها للسلطة والثروة دونما إحلال وإجلاء.. أي هو استيطان موازٍ لا مقتلِع. ثم أن السود حافظوا على أغلبيتهم طوال الوقت ولم تتغير بلدهم من أفريقية لسواها، فضلاً عن أن مثال إيرلندا لا علاقة له البتة بظروف فلسطين.
8. ثم لنتبصّر بماهيّة الدولة الواحدة... إذا اتفقنا على أن إسرائيل هي مشروع وظيفي فمن ثمّ يحتاج أصحاب الدولة الواحدة للحديث عن ضرورة هزيمة هذا المشروع مدخلاً لها ومرساة. هو مشروع مقابل مشروع أليس كذلك؟ ما هو مشروعهم البديل والفائز؟ أدولة فاقدة الهوية، هي خليط من عربية وصهيونية كما يتبدى، أو في أقلّه غير عربية؟
هذا ليس بمشروع ولا بتسوية. التسوية هي وضع تراضٍ مؤقت وموقوت مدعاته عدم قدرة طرف، لأمد يطول أو يقصر، على غلب الآخر بالحسم. ذلك بالتحديد ما قصدته بالهدنة وإحياء اتفاقاتها.
هي بالضرورة انتقالية الطابع، إذ لا تتسع فلسطين ـ والأحرى «الشام» ـ لمشروعين عربي وصهيوني.
للدولة الواحدة في فلسطين عمادان لا تقوم إلا بهما ومعاً: العودة والعروبة ... وبالتأكيد لا يتطلّب ذلك قسر الأشكناز والصابرا - أشكنازية الأصول - على الرحيل أبداً، وإنما يشترط هوية عربية واضحة المعالم لدولة فلسطين، حالُها حال أترابها العربيات.
لا يضير ذلك أن يكون بين مواطنيها خمسة ملايين يهودي ـ بافتراض بقاء الجميـع ـ فأكــثر من نصــفهم هم عرب، على أي الأحوال، زُيّف وعيهم وجُيّرت أهواؤهم.
هنا نحن أمام مشروع عربي يصفّي خصمه الصهيوني ويقوم على أنقاضه. مشروع كهذا ليس في مقدور الأمة العربية في مدى عمر جيل، لاستلزامه أحد أمرين: وحدة عربية، أو انكفاء أميركا كونياً أمام واقع إخفاق مشروع هيمنتها برمّته.
في المقابل فاستخلاص 67 مع هدنةٍ يستلزم تخلّي الولايات المتحدة عن توكيل إسرائيل في الإقليم كلب حراسة إمبراطوري، لفداحة عبئه المتراكم على صاحبه.
حينها يسقط الجدار وتُخلى المستوطنات وتنسحب القوات في شهور.
وللتبيان، فما أتحدث عنه ليس هو «حل الدولتين»، كما هو متعارف عليه من تضمّنه لصلح واعتراف وتطبيع وتصفية لملف 48. على وجه الاطلاق.
لكنه في الحين ذاته يتيح نشوء دولة مستقلة على أرض 67 ـ فلسطين ليس بينها وبين إسرائيل سوى اتفاق الهدنة، الذي ورثته من الأردن، بل ونصب عينيها فك أي ارتباط اقتصادي ومعاشي لها بإسرائيل جملة وتفصيلاً. مع احتمال أن تكون الدولة إياها جزءاً من فيدرالية عربية محيطة تضم مصر وسوريا والأردن، أو أي واحد أو اثنين منهم.
9. يغلب على نمط الحديث عن الدولة الواحدة التلفيق سعياً وراء التوفيق، وبين ماذا ومَن؟ بين عودة وهوية ملتبسة!
والطريف أن بعضهم يحاجج بالقول إن التسوية المؤقتة (تحرير 67 وهدنة 15 سنة) ستؤبِّد المؤقّت.
غاب عنهم أن ألمانيا توحّدت وتشيكوسلوفاكيا انشطرت ويوغوسلافيا تشظّت وبلجيكا تحبل بمولود الانقسام والاتحاد السوفياتي تلاشى وتكساس تلوّح بالانفصال وباكستان انقسمت والآن تتلوث باحتمال الانفلاق.
تحرير 67 مع هدنةٍ خطوةٌ أساس على طريق دولة عربية في كل فلسطين يعيش فيها، مواطنون متساوون، المسلمون والمسيحيون واليهـود من دون حيف ولا ضيم، بل ومـع حقوق ثقافية خاصة لليهود، كوضع انتقالي.
10. من عجبٍ التلويح بالوطن البديل في شرق الأردن كأحد مخاطر النأي عن خيار الدولة الواحدة وفي ضوء «استحالة» حل الدولتين.
هل لعاقل أن يتفكّر في احتمالية دولة فلسطينية على شرق الأردن تواجه اسرائيل على طول 650 كم، حتى ولو قيّدت بخمسين معاهدة سلام؟
11. والحال أن حديث البعض عن قومية يهودية أو إسرائيلية وكأنها قدرٌ مقدور يغفل أن إسرائيل هي حاضنة تخليق قوميةٍ تغلّف المشروع الوظيفي كالتامور، من ثمّ فلا مناص من تفكيك عملية التخليق تلك عبر هزيمة المشروع.
تحرير 67 + هدنة هي مقدمة هزيمته، ودولة عربية في فلسطين كلها هي خاتمتها.

نقلاً عن السفير اللبنانية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان