رئيس التحرير: عادل صبري 05:22 مساءً | الأربعاء 19 ديسمبر 2018 م | 10 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

ثورات الإسلاميين العرب!

ثورات الإسلاميين العرب!

بقلم: ثريا عاصي 09 يناير 2014 11:25

كان مخيّم اللاجئين الفلسطينيين هو المدخل الوحيد إلى القضية الفلسطينية، وكانت «العودة» عنوانا وحيدا لبرامج الحركات والأحزاب السياسية فى بلاد الشام والعراق ومصر على اختلاف مشاربها ومناهجها!

وكان النقاش سورياليا عن الأخطاء والخيانات التى مكنت المستعمرين الإسرائيليين من إنشاء دولتهم على 78% من أرض فلسطين وإفراغها من جزء كبير من سكانها الأصليين!
ولكن ما قبل هزيمة حزيران 1967 ليس كما بعدها.

ضاعت البوصلة وغشيت الرؤية، تعددت المداخل وتبدلت العناوين، ضمرت الحركات والأحزاب السياسية وانمحت برامجها تحت نعال أنظمة الحكم التى أنكرت أسباب عجزها وقصورها عن تفادى الهزيمة. وكأن شيئا لم يتغير ويتبدل منذ 1948، حيث كان التصدى لقوات المستعمرين الإسرائيليين، وبالتالى اجتناب النكبة مستحيلا.

ذلك ليس لأن مقاومة المستعمر غير ممكنة، ولكن لأن الغموض ما يزال يكتنف تجلياته. كأن هويته مجهولة ومواقعه مخفية وخططه مكتومة القصد.

ما يزيد الطين بلة أن الذهنية السلفية ليست حكرا على من يتلفّعون بالدين رياء أو إخلاصا، وإنما هى متأصلة أيضا فى مجال النشاطات الاجتماعية والسياسية. هذا لم يسمح طبعا، باستنباط الوسائل والأساليب الملائمة، ليس فقط لكفاح المستعمر ولكن لفهم طبيعة الاستعمار والمناخات التى تهيئ الظروف اللازمة لتمدد نفوذه وتقويته.

خذ إليك القضية الفلسطينية. احتل المستعمرون البريطانيون فلسطين سنة 1917، وكان وعد بلفور بإنشاء وطن قومى لليهود على أرضها من صلب الخطة التى توكلوا بتطبيقها. من البديهى أنه لولا الاستعمار البريطانى لما وقعت النكبة. يستتبع ذلك أن المستعمرين الإسرائيليين ورثوا فلسطين عن المستعمرين البريطانيين الذين مهدوا لهم الطريق وأنشأوا لهم دولة.

يبنى على هذا أن هؤلاء الأخيرين ليسوا وسطاء أو حلفاء، بل هم أعداء يتحملون المسؤولية عن «الجريمة ضد الإنسانية» التى ارتكبت فى فلسطين سنة 1948 وها هى تتكرر منذ ثلاث سنوات تحت مسميات مزيفة وحجج واهية. فالمستعمرون لا يأتون بالحرية والديموقراطية ودين الحق.

بالرجوع إلى المسألة الفلسطينية، من المرجح كما لمّحنا أعلاه أن مخيم اللاجئين لم يعد المدخل الوحيد إليها. صار للمسألة الفلسطينية بوابات خارج المخيمات. توجد واحدة منها فى رام الله حيث السلطة الفلسطينية التى تدير بعض «المحميات» فى الضفة الغربية تحت ظل قانون الفصل العنصرى «الأبارتهايد»، الإسرائيلي.

لا شك فى أن هناك بوابة ثانية فى مشيخة قطر، تفضى بالقطع إلى فراغ. نذكر هنا، لعل الذكرى تنفع، أن بوابة قطاع غزة مغلقة بأمر من المستعمرين الإسرائيليين. أما بوابات فلسطين فى مخيمات سوريا ولبنان فلقد سدها الإسلاميون بجدران عالية وأجبروا اللاجئين على إخلاء هذه المخيمات من منافذ المطابخ.. فى إطار سياسة، من المحتمل أنها مبرمجة مسبقا، الغاية منها هدم هذه المخيمات وتذويب اللاجئين الفلسطينيين، فى البيئة التى لجأوا إليها!

لم يكن المخيم مكانا تجمّع فيه عشوائيا الفلسطينيون الذين طردهم المستعمرون الإسرائيليون، بل كان صورة عن منطقة من المناطق الفلسطينية. بمعنى أن المخيم كان يضم سكان بلدة أو مدينة فلسطينية وجوارها، اضطرهم المستعمرون بالوسائل الإرهابية المعروفة إلى النزوح معا، فأقاموا فى نفس المخيم وحافظوا إلى حد ما، على النسيج الاجتماعى الذى كان يلفّهم وعلى الذاكرة أيضا.

مجمل القول أن المخيّم كان كمثل المجسّم، لذاكرة، لمنطقة أو جهة من جهات الأرض الفلسطينية المحتلة. طبيعى أن يحاول المستعمرون من دون هوادة، طمس رمزية مخيم اللاجئين وقطع العلاقة العضوية الموجودة بينه وبين فلسطين. فهما من آثار جريمتهم.

الغريب أن المخيم صار فى زمان «الهزيمة والاعتدال والتطبيع والاستهتار وفقدان الاحتشام والحياء» مصدر قلق ليس فقط للمستعمرين الإسرائيليين، ولكن لأنظمة الحكم العربية أيضا، بالإضافة إلى منظمة التحرير الفلسطينية. منذ أن أدارت هذه الأخيرة ظهرها للجماهير العربية وحركاتها التقدمية لتحاكى نظام الحكم العربى التقليدي، الذى كان لا يختلف من قطر إلى آخر إلا بالشكل والاسم.

أكتفى من هذا الاستطراد، فأنا لست بصدده لأقول إن من غير المستبعد أن تكون الغاية من الغزوات التى تتعرض لها بلاد الشام، ليس فقط إسقاط الكيانات الوطنية، وتجزئة البلاد على قاعدة الانتماء الطائفى والمذهبي، والعرقى إذا لزم الأمر، وإنما الهدف أيضا هو هدم مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ومحو آثار الجريمة الاستعمارية الإسرائيلية ضد الإنسانية.

من البديهى فى هذا السياق أن من المفترض أن متغيرات كثيرة دخلت البنية الاجتماعية لكل مخيم من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وفى لبنان بوجه خاص، نتيجة وجود فصائل المقاومة الفلسطينية، وللحروب والمعارك و«الثورات»، التى اشتركت فيها هذه الأخيرة، انطلاقا من المخيمات أو فى المناطق المحيطة بها.

يمكن القول بأن خمسة مخيمات للاجئين الفلسطينيين فى لبنان على الأقل، تم محوها كليا أو جزئيا ابتداء من مخيم النبطية الذى أزيل بالكامل، وانتهاء بمخيم نهار البارد الذى كان مسرحا لمواجهة طويلة ودامية ومدمرة بين فرع من فروع الوهابية الجهادية من جهة، وبين الجيش اللبنانى من جهة ثانية، مرورا بمخيمى صبرا وشاتيلا اللذين اقترفت فيهما يد الإجرام الإسرائيلية آخر أكبر مجازرها!

لن يتسع المجال هنا لإيفاء البحث فى هذا الموضوع. ولكن يمكننا الإشارة، من دون حرج إلى أنه تأوى إلى مخيم اللاجئين الفلسطينيين فى عين الحلوة ـــ صيدا، جماعات إسلامية جهادية ذاعت شهرتها، أثناء حرب نهر البارد وخلال المواجهة مع أنصار الشيخ الصيداوى الفارّ أحمد الأسير، ثم بمناسبة الهجوم على السفارة الإيرانية فى بيروت، وبعد ذلك بخصوص السيارة التى استخدمت لاغتيال الوزير محمد شطح، وأخيرا يبدو أن المخيم كان محطة للإرهابى الوهابى ماجد الماجد مسؤول «كتائب عبد الله عزام» التى أعلنت الحرب على حزب الله فى لبنان.

أما فى الأزمة السورية، فما من شك فى أن فصائل فلسطينية تشارك فى القتال الدائر هناك، انطلاقا من مخيم اليرموك فى دمشق، ومخيم الرمل فى اللاذقية، كما تناهى إلى العلم. بالإضافة إلى هذا كله، تشير الدلائل والتصريحات إلى وجود أزمة وربما اصطدامات مسلحة فى سيناء، بين الجيش المصرى من جهة وحركة حماس من جهة ثانية. ألا يحق لنا من بعدُ أن نقول إن أخشى ما يخشى هو أن تمحو ثورات الإسلاميين ذاكرة اللاجئين الفلسطينيين وتشتّت شملهم.

نقلا عن جريدة الأخبار اللبنانية

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان