رئيس التحرير: عادل صبري 02:44 مساءً | الاثنين 20 أغسطس 2018 م | 08 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

الحرابة على الإخوان.. مناقشة لفتوى "واصل"

الحرابة على الإخوان.. مناقشة لفتوى واصل

مقالات مختارة

الدكتور مسعود صبرى

الحرابة على الإخوان.. مناقشة لفتوى "واصل"

د. مسعود صبري 07 يناير 2014 14:52

خرج علينا فضيلة الدكتور نصر فريد واصل المفتى الأسبق لجمهورية مصر العربية فى لقاء بقناة التحرير بعدد من الفتاوى، من أهمها: أنه كان يجب على الرئيس مرسى الاستجابة لعمل الاستفتاء، لأنه لم يأت بالإجماع، وأنه لو كان جاء بالإجماع لكان من حقه أن يرفض.

وأن الصراع على الحكم مثل الغالب والمغلوب، يعنى أن على شباب الإخوان أن يخوضوا الانتخابات من خلال الصناديق حتى يعود الإخوان مرة أخرى.

الفتوى الثانية: أن ما يقوم به شباب الإخوان مما أسماه أحداث العنف، لها حالتان:

 

الأولى: إن كان عالما بالحكم الشرعى وقتل متعمدا، فهو خارج عن الإسلام، لأنه يعرف الحكم وتعمد أن يرد حكم الله.

 

الثانية: إن كان جاهلا بالحكم يطبق عليه حد الحرابة المذكور فى قوله تعالى: {إِنّما جزاءُ الّذِين يُحارِبُون اللّه ورسُولهُ ويسْعوْن فِي الأرض فسادا أنْ يُقتّلُوا أوْ يُصلّبُوا أوْ تُقطّع أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أوْ يُنْفوْا مِن الأرض ذلِك لهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا ولهُمْ فِي الْآخِرةِ عذابٌ عظِيمٌ} [المائدة: 33]

وذكر أن الإخوان خرجوا للقتل والتخريب ولأجل الحصول على المال كما هو مشاهد!!

 

وذكر أن العقوبات الكبيرة تتعلق بـ(أمن الدولة) وهى تسمى فى الفقه (حق الله)، وهى نسبة مجازية تعبر عن جميع المجتمع، فإذا ثبتت العقوبة أصبحت أمرا لله لا يمكن العفو عنه ولا التنازل لا الحاكم ولا القاضي.

 

وأن هؤلاء لجهلهم –إن كانوا جاهلين بالحكم- لا يعفى عنهم، لأنهم يحاربون المجتمع، ويحاربون الله ورسوله، من أجل ذلك كانت العقوبة، ومنها: "أن ينفوا من الأرض":، ومعنى النفى من الأرض الحبس.

 

وأشار إلى أن الأصل فى الحرابة أن تكون خارج البنيان، وهناك رأى للإمام مالك يرى أن الحرابة تكون داخل البنيان.

 

وأنه لا يشترط فى الحرابة القتل، بل يمكن أن تكون بالعنف باليد، أو التخريب، أو غيره، فكل ذلك يدخل الحرابة، بغض النظر عن الشخص.

 

الفتوى الثالثة: أن ما من مظاهرات فى جامعة الأزهر من طلاب الأزهر لا تمثل الأزهر، بل فيهم مندسون، وخاصة، وحكم الحرابة ينطبق على الجميع، وأنه لا مانع من أن يفصل من الجامعة فصلا كاملا.. انتهى كلامه.

 

تحليل كلام المفتى الأسبق والتعقيب عليه

 

أما الفتوى الأولى: أن اتخاذ الرئيس مرسى قراره بعدم قبوله للاستفتاء عليه بعد سنة مخالف للشريعة؛ لأنه لم يأت بالإجماع، فإنى أسائل فضيلة المفتي: من هو الحاكم الذى يأتى الآن بالإجماع فى العالم كله؟ وفضيلة الشيخ يعرف معنى الإجماع، بمعنى أنه لا يكون هناك رفض له مطلقا، فيوافق عليه كل الناس؟؟

 

ثم إن رفض قرار الاستفتاء أو تأجيله يبقى أمرا نسبيا للحاكم أن يجتهد فيه، وفى قواعد الفقهاء: رأى الحاكم يرفع الخلاف.

 

وأما أن تداول السلطة كفرق الرياضة فيها غالب ومغلوب، هذا إذا كان عن طريق الانتخاب عبر الصناديق، أما أن يكون عن طريق الانقلاب العسكري؛ فلا يصح وصفه بهذا الأمر.

 

ولماذا لم ينتظر معارضو مرسى حتى انتهاء دورته بأربعة سنوات، حتى يكون التبادل من باب الغالب والمغلوب فى مباراة رياضية يا فضيلة الشيخ؟

 

أما عن الفتوى الثانية، وأن خروج شباب الإخوان ومؤيدى الشرعية إن كان عالما بالحكم وخرج فهو كافر، فهذا كلام منقوض؛ لأنه غير مسلم بولاية العسكر بانقلابه، وهو تأويل يكفى لعدم الحكم بالكفر، ولا حتى إقامة الحد؛ لأن فيه شبهة، وكما هو معلوم عند الفقهاء باتفاق أن الحدود تدرأ بالشبهات لحديث: “فادرءوا الحدود بالشبهات".

 

ومع افتراض ضعف موقف الإخوان ومؤيدى الشرعية وأنهم على باطل -وهذا غير مسلم به- فإن مجرد تأويلهم يمنع إقامة الحد عليهم، وهذا معلوم عند أهل العلم لا يعرف فيه مخالف.

 

ولكن الأغرب هو جهل الشيخ بالواقع الذى بنى عليه فتاويه، فتصريحه بأن الإخوان يخرجون لأجل الحصول على المال كما هو مشاهد!! أين هو المشاهد، وقد قامت سلطة الانقلاب بمصادرة أموال عدد كبير من الإخوان ومدارسهم، فهل يصح فقها أن نجعل المسروق منه سارقا، ومن اغتصب ماله غاصبا؟! ولهذا فقد أشار الإمام أحمد – رحمه الله- أنه من واجب المفتى أن يكون عالما بواقع الناس فى المسألة التى يفتى فيها.

 

وأما اعتبار الدكتور نصر فريد واصل أن ما يقوم به مؤيدو الشرعية من مظاهرات للمطالبة بالرئيس الذى انتخبته أغلبية الشعب بناء على قواعد الانتخابات التى تم التراضى عليها هى حرابة، فهو تفسير غريب شرعا، مما يوجب علينا تعريف الحرابة التى يتحدث عنها الدكتور نصر فريد واصل.

 

فالحرابة (أو قطع الطريق) فى اصطلاح الفقهاء هى البروز لأخذ مال، أو لقتل، أو لإرعاب على سبيل المجاهرة مكابرة، اعتمادا على القوة مع البعد عن الغوث (بدائع الصنائع 7 / 90 والمغنى 8 / 287).

 

والحرابة بخلاف البغى الذى هو الخروج عن طاعة إمام أهل العدل بتأويل غير مقطوع الفساد.

 

وفرق الإمام مالك بين الحرابة والبغى بقوله: البغى يكون بالخروج على تأويل - غير قطعى الفساد - والمحاربون خرجوا فسقا وخلوعا على غير تأويل (شرح الزرقانى على مختصر خليل 8 / 92 ط دار الفكر).

 

ونحن نسائل المفتي: هل خرج الإخوان ومؤيدو الشرعية بالسلاح على المدنيين لأخذ مال، أو لقتل، أو لإرعاب الناس وتخويفهم، أم أنهم خرجوا للمطالبة بما يرونه حقا شرعيا لهم؟؟

 

ومن الذى خرج على الناس بالسلاح والدبابات والطائرات والقنابل المسيلة للدموع، ولماذا الخوف منهم والسكوت عن جرائمهم فى مقام المفتى الذى من المفترض ألا يخاف فى الله لومة لائم؟

 

ثم إن المفتى الأسبق يعرف أن هناك شروطا للحرابة، يجب توافرها حتى يقام عليهم الحد، وهي:

 

أولا- أن يكون ملتزما بأحكام الإسلام، يعنى أن يكون مسلما أو ذميا.

 

ثانيا- أن يكون مكلفا. ولم يخبرنا المفتى الأسبق هل سيقام حد الحرابة على الصبيان والفتيات صغار السن لأنهم خرجوا على حكم العسكر المغتصب للسلطة أم لا؟

 

ثالثا- أن يكون ذكرا، وهو رأى الحنفية خلافا للجمهور، وعللوا ذلك أن ركن الحرابة هو الخروج على وجه المحاربة والمغالبة، ولا يتحقق ذلك فى النساء عادة. ولم يتكلم المفتى الأسبق عما فعلته سلطة الانقلاب من انتهاك لحرمات النساء، وقتلهن وتعذبيهن، وسجنهن، لكن الحديث عن الخروج على السلطة المغتصبة فى ظنه واجب شرعي؟؟ هل أوجب الله على المفتى وأمثاله أن يقوموا بهذا الكلام الذى يعلمون أن فيه خللا من الناحية الشرعية؟

 

رابعا- أن يكون معه سلاح، وثبت أن الأصل فى تلك المظاهرات أنه لم يكن معها سلاح، أو لم يخرجوا بالسلاح على الناس، فكيف يكون حدا للحرابة؟

 

خامسا- البعد عن العمران؛ لأن من فى العمران يمكن له أن يستغيث بغيره ليمنعه من قطاع الطرق.

 

سادسا- المجاهرة: وذلك بأن يأخذ قطاع الطريق المال جهرا، فإن أخذوه خفية، فهم سراق، وإن اختطفوا وهربوا فهم منتهبون، ولا قطع عليهم. وكل الناس يرى المظاهرات فى الشوارع ترفع شعار السلمية، وينقض عليهم جنود الجيش والشرطة ضربا بالرصاص الحى والخرطوش والقنابل المسيلة للدموع، فأين الحديث عن حرمة الدماء يا فضيلة المفتي؟

 

ثم إن المفتى الأسبق يرى حرمة الخروج على الحاكم، فلماذا لم يقل هذا فى خروج التيارات العلمانية والليبرالية والحزب الوطنى وأتباع الكنيسة وقت وجود حاكم شرعى منتخب؟ لماذا خرست الألسن، وتحجرت القلوب، وسكت العلماء الذين أخذ الله تعالى عليهم العهد: {لتُبيِّنُنّهُ لِلنّاسِ ولا تكْتُمُونهُ } [آل عمران: 187]؟

 

أيكون الخروج على الرئيس المنتخب جائزا ومن حق الناس أن تعترض؟ وحين يأتى أناس يسرقون السلطة ويسرقون إرادة غالبية الشعب يكون الخروج عنهم بقصد كفرا وخروجا عن الملة، وإن كان جهلا يقام عليهم حد الحرابة؟

 

وإنى أسائل السادة العلماء بحق الله تعالى ثم بالعلم الذى تعلمونه ويحاسبون عليه أمام الله تعالى، ما حكم السادة المفتين الذين يبيحون للمحاربين من سلطة الانقلاب قتل الناس والاعتداء عليهم، وتصوير ما يقوم به أنه من دين الله تعالى؟؟

 

آلله يأمر بقتل الناس؟؟ وتعذيبهم واعتقالهم ظلما؟

 

آلله يأمر باغتصاب أموال الناس بالباطل ومصادرتها ومصادرة أموال الجمعيات الخيرية ليفسح المجال للجمعية المسيحية فى المجتمع؟؟

آلله أمر باغتصاب الفتيات فى المعتقلات؟

 

آلله أمر بفصل الطلاب من جامعاتهم، والشيخ يرى أن هذا من الأمور المباحة؟!!

 

ولكن اللافت للنظر:

 

لماذا يخرج المفتى الأسبق الآن، وفى هذا التوقيت ليقول هذا الكلام؟؟

 

لماذا لم يخرج شيخ الأزهر أو المفتى السابق على جمعة، أو غيرهما؟؟

 

فى ظنى أن سلطة الانقلاب تبحث عن وجوه جديدة يكون لها شيء من المصداقية عند الناس، لأن الوجوه الأخرى قد ملها الناس، وعرفوا حقيقتهم، خاصة بعد التسريبات التى تتعلق بهم، فأرادوا إخراج وجه جديد، يظن الناس أنه كان مع الشرعية، خاصة أن له بعض المواقف المحمودة التى لا تنكر للرجل، وأنه خرج من الإفتاء ولم يجدد له كما كان معهودا..

 

وللأمانة أقول:

الدكتور نصر فريد واصل له مواقف محترمة، وله فتاوى طيبة، لكنه فى ذات الوقت له فتاوى محل نظر، خالف فيها جماهير الفقهاء المعاصرين، ومنها أنه فى زمن توليه منصب مفتى مصر خرجت كل الفتاوى الموجودة بسجلات دار الإفتاء المصرية بالقول بإباحة فوائد البنوك دون أن يحكى الخلاف فى مسألة واحدة، رغم أن الدكتور طنطاوى انقسم عهده إلى ثلاثة آراء: الأول القول بالحرمة والثانى بحكاية الخلاف والثالث بالإباحة. أما فى عهد الدكتور واصل فكل الفتاوى تبيح فوائد البنوك الربوية، وفى عهد الدكتور الطيب غلب عليه حكاية الخلاف بين الفقهاء، وفى عهد الدكتور على جمعة مكث فترة طويلة يحكى الخلاف، ثم خرجت فتوى بالإباحة.

 

كما أنه أباح التأمينات بغالب أنواعها، ومن فتاواه أنه يجوز للمرأة إن كان زوجها يدخن أن تطلب منه الطلاق، لأن التدخين – كما يرى الشيخ- شر من الخمر وأكثر ضررا منه.

 

وعلى كل، فإنه من باب إحسان الظن بالرجل، فقد لبس عليه، ونقل له كلام ممن يرى أنه يثق بهم مما خالف الواقع وظن أنه حقيقة وواقع، فبنى فتواه على ما سمع، ورغم كل هذا، فإن وجود التأويل عند من يرى هو أنهم خالفوا الشريعة لا يوجب عليهم إقامة حد الحرابة قولا واحدا، مما يجعل وضع تلك الفتوى فى باب الشذوذ عند العلماء، ومخالفة لما استقر عند أهل العلم وقبلهم قول الرسول عليه الصلاة والسلام" فادرؤوا الحدود بالشبهات".

 

وإنى لأبرأ بعالم مثل الدكتور نصر فريد واصل أن يختم له بمثل هذه الفتاوى، ولو سكت لكان أضعف الإيمان، وإنى أدعوه برحم العلم أن يراجع فتواه بناء على مراجعة الواقع، وأن يكتب لنا رأيه من جديد، وله فى السلف الصالح القدوة، فقد أخطأ العز ابن عبد السلام فى فتوى لشخص وليس لأمة، فأجر من ينادى فى شوارع مصر بتصحيح الفتوى وأنه أخطأ، لأنه لم يكن يعرف الشخص..

 

أستحلفك بالله الذى خلقك يا فضيلة المفتى أن تراجع نفسك فيما كتبت، وألا تفتن كثيرا من الناس بك، خشية أن تتحمل أوزارهم، خاصة أنه ليس رأيا شخصيا وإنما هى فتوى من عالم نكن التقدير والاحترام، غير أن هذا لا يمنعنا من أن نقول ما نراه صوابا عند الله.

 

جمع الله تعالى شمل مصر على الصلاح والتقوى، وأذل الظالمين بجبروته، وأعز الصالحين بفضله، وأعاد لأزهرنا الحبيب مكانته فى خدمة الإسلام.

 

موضوعات ذات صلة:

نصر فريد واصل: الجيش أخذ بقاعدة أخف الضررين فى عزل مرسى

عضو وفدى يطالب بتطبيق حد الحرابة على مؤيدى مرسى

فتاوى 2013.. الفقه خادم للسياسة!

السيسي.. جدل فقهى خارج الحدود 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان