رئيس التحرير: عادل صبري 12:50 مساءً | الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 م | 09 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

الطريق إلي الحرية!

الطريق إلي الحرية!

مقالات مختارة

الكاتب الليبي إبراهيم قويدر

الطريق إلي الحرية!

بقلم: د. إبراهيم قويدر 07 يناير 2014 10:57

لا أعرف من الذي أطلق مصطلح "الربيع العربي" علي ثورات وانتفاضات الشعوب العربية، ففي الوقت الذي يجزم به البعض بأنه أحد الكتاب الأمريكيين يرى آخرون أنه الإعلام الأمريكي، بينما يؤكد باحثون أن صحيفة الإندبندنت البريطانية أول من استخدم هذا المصطلح، ومع ذلك فإن المؤكد أن الذي أطلق هذه التسمية على الانتفاضات الشعبية العربية كان يدرك بشكل لا يدعو للشك أن هذه الشعوب تعاني من ظلم واضطهاد وحكام لا يراعون الله في شعوبهم، فنكلوا بهم ومارسوا العنف ضد مخالفيهم في الرأي والتوجه، بل إنهم نهبوا الأموال وعاثوا في الأرض في فسادًا، حتي وإن كانت لهم بعض الإنجازات؛ لكنها لا تقاس أبدًا بمقدرات هذه المجتمعات التي لو سخرت وفقًا لإدارة رشيدة مسالمة تحترم كرامة مواطنيها لكان الوضع المادي والمعنوي، الاجتماعي والاقتصادي، لهذه الشعوب أفضل حالاً بكل تأكيد.

من هنا فإن انتفاضة الشعوب العفوية غير المنظمة والتي كانت بحق نابعة من معاناة متعددة الأشكال ولكنها ليست متعددة المصدر، حيث كان مصدرها واحدًا، وهو الحاكم وأسرته وبطانته، ولذلك فقد ثار الناس لكي ينهوا هذا الظلم ويحققوا ما يتمنونه، كالذي خرج بسبب ما تلقاه هو أو أحد أفراد أسرته من تعذيب وسجن خرج ليحطم القيود ويحد من ظاهرة التعذيب، والسجن لأصحاب الرأي بدون محاكمات عادلة، إلى جانب من خرج أيضًا لشعوره بالظلم بسبب عدم تكافؤ الفرص وتهميشه هو أو منطقته، فخرج ليجسد دولة العدل والمساواة وعدم التهميش للفرد والجماعة والمنطقة.

 

إلى جانب ذلك خرج البعض من أجل فرصة للعيش في حياة كريمة وتوفير احتياجاته الضرورية وحقوقه في العمل الكريم والحياة بحدودها الدنيا التي تمكنه من السكن وتعليم أبنائه وتقديم الرعاية الصحية والاجتماعية له ولأفراد أسرته، كما خرج أصحاب الأخلاق والمنادون بالعدالة الاجتماعية من أجل مجتمع تتحقق فيه الرعاية والتكافل الاجتماعي للجميع.

 

ومن خرج ممن ينادون بالحرية وحق التعبير عن الرأي والمنادون بكرامة الإنسان والعدل والمساواة، أراد أن يرى مجتمعا يشعر فيه بكرامته ويعيش فيه بطمأنينة كاملة يحترم الآخرون وهم- بدورهم- يحترمونه، يمارس حريته الشخصية، ولا يمس حرية الآخرين.

 

من هذا المنطلق- وغيره ذلك من العوامل التي يطمح إليها الإنسان في المجتمعات العربية المنتفضة- في تصوري- جاءت تسمية الربيع العربي؛ لأن الربيع بالضرورة يعني الاعتدال في الجو والأزهار ورائحتها الجميلة، وهو أيضًا مرتبط تاريخيا عند الإنسان بالبهجة والسرور والحياة السعيدة من خلال الأجواء المصاحبة لفصل الربيع.

 

نعم كانت الأسر العربية في هذه الدول تطمح إلى أن تحقق الأمن والأمان وتنهي الغمة وتستقر في مدنها وقراها وتعمل علي تربية أبنائها تربية رشيدة لتنهض بالمجتمع من خلال تنشئة جيل يستطيع أن يبدع ويحافظ علي مكتسبات هذه الانتفاضات الشعبية.

 

وبطبيعة الحال، فإن هذه الآمال والطموحات في جميع أشكالها وتوجهاتها ستصطدم بصخرتين كبيرتين يجب التطرق إليهما:

 

الصخرة الأولي الصماء التي لا ترى ولا تسمع ولا يمكن التعامل معها في بعض الأحيان بالحسنى – للأسف- هي صخرة الانتقام بعد سقوط النظام، الانتقام من هذا الشعب الذي انتفض في هذه المدن والقرى التي ثارت بفعل ناسها الغيورين على الوطن، وهذا الانتقام يقوم به بعض ممن كانوا مستفيدين بشكل كبير من النظام الظالم السابق، فهم لا يرون فيه ظلمًا بل نظامًا مميزًا؛ لأنه أعطاهم- هم دون غيرهم- السلطة والثروة والسلاح، هؤلاء حتما لن تهدأ لهم بال إلا بعد أن يحققوا انتقامهم أو يصلوا إلي مرحلة من اليأس بأن التيار أصبح ضدهم وعليهم السكون والتعايش مع الوضع الجديد، وهذا حتمًا لا يتم إلا باستمرارية نضال الشعب الثائر لكي يحقق هو بذاته الإدارة الجيدة للدولة الحديثة التي استهدفها عند انتفاضته، والتي تحقق الأمن والأمان والحرية والعدل والمساواة وتكافؤ الفرص لكل الأفراد الذين يعيشون في هذا المجتمع.

 

أما الصخرة الثانية هي صخرة مؤدلجة- في حقيقتها، وتتمثل في المجموعات التي كانت تعارض النظام السابق، وقد تكون- في بعض الدول- أحزابًا أو حركات معارضة في الخارج، أو تنظيمات سرية في الداخل والخارج، وهؤلاء جزء منهم عاد إلى الوطن بعد هجرتهم التي كانت بسبب خوفهم من بطش النظام وآيضا ملاحقته لهم حتى في الخارج، ومنهم من كان على علاقة سرية بالنظام ويستلم منه أموالاً ومعونات".

 

والبعض الآخر، هم من كانوا يقبعون في سجون النظام وخرجوا قبل أو في أثناء الثورة، هؤلاء لا أقول استغلوا؛ ولكنهم قفزوا مع انتفاضة الشعب ليقودوا مسيرتها بدعوى نضالهم فيما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وللأسف معظم هؤلاء قد يكونون أصحاب خبرة في فن المعارضة وكشف المستور نتيجة عملهم المعارض ولكنهم بالتأكيد ليسوا رجال دولة، وأقصد برجال الدولة هنا: من تتوفر لديهم المعرفة والإلمام بشئون الدولة ودواليب العمل فيها ومؤسساتها وطبيعتها التي تختلف في الإدارة بين الدولة التونسية والمصرية والليبية واليمنية والسورية وغيرها، فرجل الدولة يحمل صفات ومميزات واحدة ولكنه يتبع أساليب مختلفة تختلف بطبيعة الإدارة في جانبها الرسمي والغير الرسمي.

 

هاتان الصخرتان التي اصطدمت بهما ثورات الربيع العربي حولت انتظار الناس فيهم للازدهار ورائحتها الفيحاء إلى أشواك نتج عنها جروح ومآسي وآلام مازالت مستمرة وفي تصوري ستستمر حتى نصل بفعل الشعب إلى زحزحة ودحرجة هذه الصخور من فوق صدر المواطن الحر الشريف الذي خرج وانتفض من أجل مبادئ تحقق له ربيعًا عربيًّا حقيقيًّا.

 

حان الوقت الآن لضرورة الإسراع في تنفيذ وتجسيد عوامل الاستقرار من خلال الخروج السريع من المراحل الانتقالية إلى المراحل التي تمثل الاستقرار وبناء الدولة وإعادة الإعمار، وهذا لن يتأتى إلا بالدستور وانتخاب الهيئات الدستورية اللازمة لإدارة شئون البلاد وأي من دول الربيع العربي التي ستحقق أولاً هذا علي أرض الواقع ستبدأ في إزاحة هذه الصخور واختيار من يتصفون بالكفاءة والأمانة لقيادة مركب البلاد بغض النظر عن انتماءاتهم السابقة؛ لأن الحقد الذي تعامل به أصحاب الصخرة الأولى والثانية، والروح الانتقامية يجب أن تنتهي من خلال مصالحة وطنية فاعلة تنتج عن روح صادقة في تحقيق الأمن والسلم الاجتماعي.

 

كاتب وسياسي ليبي

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان