رئيس التحرير: عادل صبري 10:09 صباحاً | الأحد 19 أغسطس 2018 م | 07 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية
بالعربى التركي!

مقالات مختارة

الكاتب التونسى محمد الحمّار

بالعربى التركي!

بقلم: محمد الحمّار 06 يناير 2014 09:27

من المفترض أن تكون هنالك دواعٍ للتفاؤل ولاسترداد الثقة بالنفس من طرف الشعب التونسى وسائر شعوب "الربيع العربي". يأتى ذلك كنتيجة لفشل النموذج التركى فى مصر، ووأدُه فى المهد فى سوريا وتبعثر أوراقه فى ليبيا واستنكاف الجزائر عنه وذوبانه التدريجى فى تونس فى هذه الآونة، بل وكنتيجة لذوبان النموذج فى البلد المصدر له بالذات.

لكن التفاؤل والثقة بالنفس لا يعنيان شيئا إذا لم يكونا مرفوقين ومسنودين بالرغبة فى إنجاز العمل الإصلاحى ومن ثمة تولى تنفيذ الإصلاح.

 

فى هذا السياق فإن الأهم هو معرفة ما هى النقيصة التى تتصف بها تركيا حتى يتم اختيارها كل مرة لتكون ألعوبة فى يد القوى العظمى وتُروض لتصبح نموذجا للبلدان العربية، لكنه نموذج سريالى غير قابل للاستنبات، وحتى تتسرب عدوى اتباع النموذج مصحوبة بعدوى فشل النموذج إلى هذه البلدان.

 

اللافت فى هذا الخصوص وقبل معرفة النقيصة - بل وهو مؤشر على وجود النقيصة – هو أن تركيا تنمذجت مرة علمانيا على إثر سقوط الإمبراطورية العثمانية بُعيد الحرب العالمية الأولى، ومرة إسلاميا وذلك ابتداء من أواسط السنوات الألفين (انظر مقالا هاما بعنوان " مخاطر نمذجة تركيا علمانيا ثم إسلاميا" للكاتب الكردى آزاد أحمد علي، منشور على موقع "الحوار المتمدن بتاريخ 15-9-2007) وكانت فى كل مرة مُذعنة لإرادة صنّاع القرار فى الغرب قبل أن يحاكى نموذجها فى مرحلة أولى من طرف العرب ثم يؤول فى مرحلة ثانية إلى فشله فى داخل هذا البلد وفى البلدان الناسخة لنموذجه.

 

فى طريقنا إلى إزاحة الستار عن النقيصة فى المجتمع التركى نلاحظ أن النموذج الذى صُنع من تركيا هو من الصنف الذى تعرّفه المقولة الشعبية بأنه المُركّب الذى لا يركب. وهو لا يركب - أى ليس قابلا للاستنساخ - لأنّ مقوماته ليست قادرة على مقاومة القوة الذاتية التى يتمتع بها المجتمعان العربى والإسلامى (التركى فى المقام الأول بوصفه مصدر النسخة المزمع تمريرها، ثم العربى بوصفه المرشح لاستنساخ النموذج التركي) والتى تتجسد فى استيقاظ المضادات الحيوية للإسلام الصحيح المختزن أى الخالى من المنشطات والمخدرات الإيديولوجية، ولو كانت هذه الأخيرة مقدمة على أنها من صلب الإسلام. فهذان المجتمعان، بقدرة قادر، يميّزان جيّدا بين ما هو إسلامى حقا وما هو إسلامى متكلف.

 

كانت هذه الواجهة الأولى للنقيصة، علما وأنّها تستبطِن مفارقة لا محالة: بقدر ما يتهاون المجتمع العربى الإسلامى فى الحفاظ على الوازع الدينى فى وضع استخدامٍ طبيعى مانحا بذلك الفرصة للشر بأن يتسلل داخل أنسجته، يكون سريع التدارك أمام التحديات الخارجية.

 

أما الجزء الثانى من العاهة المرضية التى تركت المجتمع العربى الإسلامى شفافا أو بالأحرى عاريا أمام محاولات التطويع والتنميط والترويض من طرف جهات أجنبية نافذة ومن ثمة تجعل منه مجتمعا قابلا للغزو الخارجى بأصنافه المختلفة فهو ضعف اللغة الوطنية، التركية والعربية فى قضية الحال، وعدم تجاوبها فى الوقت المناسب مع مجريات الأحداث المهددة لكيان المجتمع (المجتمع النموذج والمجتمع المستنسِخ منه على حدٍّ سواء).

 

من هذا المنظور نعاين أن لا لغة البلد النموذج ولا لغة البلدان المبرمجة على استيراد النموذج توجد فى أسعد حالاتها. كيف ذلك؟

 

إنّ اللغة التركية قد مرت بمرحلة التتريك على يد كمال أتاتورك وفقدت تبعا للتحويل الجذرى الذى لحق مقومات المناعة والسلامة التى كانت تحمى المجتمع بوصفه كيانا ذا هوية عثمانية عربية إسلامية من كل غزو هوياتي.ومن تبعات هذا الغزو فى مجال القابلية للتماهى مع أشكال الاستعمار المختلفة، ثقافية كانت أم إيديولوجية، مثلما هو الحال بخصوص قضية الحال، أم سياسية مباشرة (مثلما هو الشأن بالعراق لكن فى علاقة المجتمع العراقى باللغة العربية هذه المرة ) أم عسكرية مباشرة مثلما حصل فى ليبيا، أو عسكرية غير مباشرة (ما يسمى بالحروب الناعمة) مثلما جُرّب ولم يفلح فى سوريا.

 

كما أن اللغة العربية تعانى من مشكلات، مع أنها مغايرة شكلا لتلك التى تعانى منها اللغة التركية لكنها تتماهى معها من حيث المضمون: كلتا اللغتين انفصلت عن روحها، إلا وهو الإسلام، وبقيت جثة هامدة. وهل الجثة بقادرة على مصارعة الدابة (الامبريالية) المفترسة؟

 

ما نخلص إليه هو حالة العزلة التى يوجد فيها كلٌّ من الإسلام واللغة (إنْ العربية أم التركية أم الكردية أم الأمازيغية أم الأردية أم الفارسية أم غيرها) فى البلاد العربية الإسلامية عموما. ومن المضحكات المبكيات أن كُلا من هذين المكونين الاثنين الأهم فى مجال الهوية بقى يتصرف على حِدة أى بمعزل عن الطرف الآخر، دون راعٍ ودون رقيب يحرص على جمع شتاتهما عملا بالمعنى الأصلى للآية الكريمة "إِنا أنزلْناهُ قُرْآنا عربِيا لعلكُمْ تعْقِلُون" (يوسف:2) أى عملا بضرورة تلازم العاملين القرآني/الدينى من جهة واللغوى (مهما كانت اللغة) من جهة أخرى بوصف هذا التلازم شرطا لتحقيق فهم النص عبر الواقع وفهم الواقع عبر النص، وبالتالى شرطا لتحقيق التطبيق "العقلاني" ("لعلكم تعقلون- الآية) للإسلام وذلك بالاتساق مع الفهم.

 

فى ضوء هذا يحق التساؤل أن لم تكن مشكلة الهوية، فى تركيا وخاصة فى الوطن العربي، رهنا بمزاوجة المُكوّنين الاثنين لها، وإن لم يكن أنجع سبيل هو السبيل المعرفى عوضا عن ترك موضوع الهوية هو أيضا فريسة، لا فى متناول القوى الخارجية مباشرة بل الأدهى والأمرّ فى متناول المفترس المحلي، إلا وهو جسم السياسة والسياسيين، والذى كشر عن أنيابة فى السنوات الأخيرة فبرز بامتياز وبكل المقاييس جزءا من المشكلة بينما هو يعرض خدماته، بكل فخر واعتزاز، بل بكل غرور واعتداد، على أنه الحل بعينه. فليرحم هذا الجسمُ الفانى من فى الأرض يرحمه من فى السماء.

 

نقلا عن صحيفة حقائق أون لاين التونسية

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان