رئيس التحرير: عادل صبري 12:29 صباحاً | الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م | 11 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

مصير الثورات العربية!

مصير الثورات العربية!

مقالات مختارة

إبراهيم قويدر

مصير الثورات العربية!

بقلم: د. إبراهيم قويدر 30 ديسمبر 2013 14:43

من الأهمية بمكان التطرق لهذا الموضوع الذي يغيب كثيرًا عن مفاهيم السياسة العربية، خاصة عندما تحدث انتفاضات وثورات، حيث نجد الخلط بشكل كبير حول من كانوا يعملون في النظام الذي انتفض الشعب أو مجموعة منه ضده، وقد سبق لي أن تناولت هذا الموضوع في مقال بعنوان "عملوا مع النظام ولم يهتفوا للفاتح".

ولعل من المفيد في هذا الوقت أن نحدد مجموعة من المعايير المعروفة في العديد من المجتمعات المتحضرة، والتي غابت إلي حد كبير عن مجتمعاتنا، إلا القلة القليلة من المتفهمين لها، وهم يستطيعون التمييز بين رجال النظام ورجال الدولة، ولعله من المفيد أن أوضح ذلك كما قلت، حتى وإن جاء ذلك متأخرًا.

 

إن في كل نظام يدير البلاد رجالاً ينتمون إليه أيديولوجيا في الدول الحديثة، وارتباطهم كرجال للنظام يكون من خلال انتمائهم للحزب الذي فاز في الانتخابات وفقًا لبرنامجه الانتخابي وأيديولوجيته المعروفة مسبقًا منذ تأسيسه، وتجد رجال النظام في مثل هذه الحالات مرتبطين بحزبهم وتدرجوا في مواقعه القيادية المختلفة، وبالتالي عندما يفوز الحزب ويحكم البلاد يكونون هم رجاله الأوفياء لتنفيذ برنامجه وأهدافه، كما يقود البعض منهم الأجهزة السياسية المهمة وبعض الوزارات السيادية، ولكنهم دائمًا في الوزارات والأجهزة التنفيذية يستقطبون المتخصصين سواء من حزبهم أو من خارجه ويقلدونهم هذه الوزارات والهيئات ليضمنوا تنفيذًا جيدًا فيما يقدمه الحزب من خدمات تنفيذية للمواطن، بما ينعكس حتمًا علي نجاح حزبهم خلال فترة توليه إدارة الدولة.

 

من هنا ظهر ما يسمي بـ"التكنوقراط" الذين لديهم العلم والدراية في تخصصاتهم، وليس لهم أية ميول أو مواقف أو أجندات سياسية حزبية ينتمون إليها، وغالبًا ما يرجع لهم كحل مقبول عند وجود بعض الأزمات في تشكيل الحكومات وعدم فوز أحد الأحزاب بالأغلبية التي تمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده.

 

إذن، لا خلاف إطلاقًا في أن لا توجد حكومة- في أي دولة في العالم- كل أعضائها مؤدلجين بأفكار وتوجهات الحزب الحاكم، بل نجد فيها نسبة من المتخصصين، وهذه النسبة تختلف من دولة لأخرى.

 

وانعكاسًا لهذه الرؤية على المجتمع الليبي وبعض المجتمعات العربية الأخرى نجد أنه كان في ليبيا نظام القذافي منذ بدايته يعتمد بصورة كبيرة على المتخصصين والتكنوقراط؛ لأنه في بدايته كان كل رجال النظام من العسكر، ورغم ذلك منح بعضهم بعض الوزارات والمواقع المهمة مثل الخارجية والدفاع والداخلية والأمن وبعض المواقع الأخرى؛ ولكن بقية القطاعات الأخرى مثل الصحة والتعليم والعمل والاقتصاد والإسكان.. إلخ، وكان معظم القياديين فيها من المؤهلين الليبيين، ولكن أعطيت أولوية لمن كانوا ينتمون للتيار القومي في ذلك الوقت.

 

بعد ذلك بدأ التفكير عند انقلاب القذافي على مجلس قيادة الثورة وإحلال فكرته سلطة الشعب محلهم؛ ((لأنهم كانوا مصرّين علي أن يكون هناك دستور وبرلمان منتخب وانتخابات رئاسية، وفق ما سمعته من أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين تركوه مبكرًا من السبعينات))، وبرزت بعد ذلك فكرة إنشاء اللجان الثورية،

 

التي أصبحت هي الحزب الحاكم بمعني الكلمة، ووجد النظام نفسه أمام أمر مهم، وهو أن هؤلاء الثوريين الجدد يجب تأهيلهم ليستطيعوا بذلك تقليص عدد المتخصصين التكنوقراط الذين كانوا يديرون في نهاية السبعينات- إلى حد كبير- ليستولوا على أكثر من ثلاثة أرباع أجهزة الدولة التنفيذية، وإلي أن تم ذلك استمر النظام بلجانه الثورية بالاستعانة بأعداد من المتخصصين الذين وجد نفسه مضطرًّا للاستعانة بهم،وذلك لفهمهم وإدراكهم بأمور الإدارة والتخصصات الفنية فكان منهم رؤساء وزراء، وكان منهم وزراء كثيرون في تخصصات مختلفة حتى منتصف التسعينات، وهنا بدأت عودة أعداد من الثوريين من دراساتهم وبرامجهم التأهيلية من الخارج أو في الداخل بتدرجهم في الوظائف وأصبح لهم الأولية في الاختيار في هذه المواقع حيث كانت لا تقع مفاضلة إذا وجد مهندس تخطيط من اللجان الثورية، حتى وإن كان حديث التخرج مع مهندس تخطيط "تكنوقراط" إلا إذا كان هذا التكنوقراط من الأهمية بمكان الدفع به لاعتبارات جهوية أو قبلية، وللأسف في بعض الأحيان تلعب النساء دورًا كبيرًا في هذا الاختيار!

 

إن ما يحدث في ليبيا يحدث في مصر، فكوادر الحزب الوطني لهم الأولوية وكوادر الإخوان بعد مبارك لهم الأولوية، وكوادر التجمع الدستوري في تونس لهم الأولوية، وهكذا في كل الدول العربية، ودول العالم الثالث كلها تسير بنفس العقلية والتوجه.

 

وخلاصة القول، أن هناك رجال نظام، وهناك رجال دولة يعملون في النظام، والفارق بينهم شاسع وكبير، فرجال النظام في ليبيا كانت دائرة ارتباطهم بالقذافي ارتباطًا روحيًّا، ولا يمكن أن يتحملوا أي نقد، حتى عندما يخطئ في أبسط الأمور يجدون له الأعذار ويدافعون عنه باستماتة، بل منهم من يقدم نفسه وأسرته فداء للقائد حتى وإن تنازل عن السلوكيات الأخلاقية التي عرف بها المجتمع الليبي البدوي الأصيل.

 

وفي دائرة أقل من هؤلاء، فهناك رجال نظام يقعون في الدائرة الثانية، وهم النفعيون الذين طالما كان القذافي وأعوانه راضيين عنهم يعملون وينفذون الأوامر ويستفيدون منه لمصالحهم الشخصية، وإذا تغيرت مواقعهم يتذبذبون في مواقفهم، ولكنهم سريعًا ما يعودون؛ لأن مكتب اللجان الثورية كان منتبهًا لهذا الأمر، فيكلفهم في سفارة أو شركة استثمارية في الخارج، والمهم أن هؤلاء هم أيضا رجال نظام، وهم الأخطر لأنهم بانتهاء النظام فقدوا المال والسلطة وأصبحوا لا شيء، وهم ليس لهم مبدأ ثابت، وبالتالي تجد العديد منهم انخرط في ركب الإدارة الجديدة بأي شكل من الأشكال.

 

الجانب الآخر وهم رجال عملوا في إدارات الدولة العليا، ولم ينتسبوا إلي اللجان الثورية، وتم اختيارهم لشغل بعض المناصب لعدة أسباب أولها الكفاءة، وثانيها البعض الآخر التوزيع القبلي أو الجهوي، وثالثها المنزلة الاجتماعية.

 

وهؤلاء يعملون في إدارة أجهزتهم غالبًا باقتدار ولا يخرجون من مواقعهم إلا في حالة تعارض مواقفهم القانونية أو الفنية مع رغبات أصحاب الدائرة الأولى من رجال النظام وأبناء القذافي فيما بعد، وكان عدد هؤلاء كبير- كما أشرنا- في السبعينات والثمانينات، ثم بدأ الأمر يقل تدريجيًّا حتى أصبحوا يعدون علي الأصابع في آخر سنوات النظام القذافي.

 

بعد ثورة فبراير لم يعِ المعارضون الذين كانوا في الخارج ورجعوا إلى هذه الحقيقة رغم قبولهم برئيس المجلس الانتقالي وهو مثال لرجال الدولة، ومحمود جبريل رئيس المكتب التنفيذي، وعلي العيساوي وعبد الرحمن شلقم؛ ولكنهم فور انتخابهم في المؤتمر الوطني لم يستوعبوا- لا هم ولا شباب الثورة- هذه الحقيقة، ولم يفرقوا بين رجال الدولة في ليبيا ورجال النظام، ووضعوا الاثنين في سلة واحدة، وهم ليسوا بذوي خبرة في إدارة الدولة ما أدى إلي ما نحن فيه الآن، وهنا يجب ألا يذهب التفكير إلي أنني أريد أن يكون رجال الدولة في نظام القذافي في مواقع السلطة، ولكن يكونون قريبين من إدارات الدولة التي يترأسها مسئولون لا يفقهون مفاتيح ودهاليز الإدارة في الدولة الليبية العميقة.

 

إن تونس الوحيدة التي حاولت أن تفرق بين رجال الدولة ورجال النظام؛ ولكنها ما زالت تحتاج إلى مواءمة جيدة يقود فيها الشباب المتخصص الجديد الإدارة، ويكون رجال الدولة حسب الحاجة مستشارين معهم.

 

وأخلص في مقالي بأنه يجب علينا أن نفرق بين رجال النظام ورجال الدولة، لأن رجال النظام ولاؤهم للحاكم، فردًا كان أو جماعة، ورجال الدولة ولاؤهم للوطن.

 

كاتب ومفكر ليبي

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان