رئيس التحرير: عادل صبري 12:54 صباحاً | الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م | 05 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

تأمّلات في الأخونة والبردعة

تأمّلات في الأخونة والبردعة

بقلم: ثابت عيد 30 ديسمبر 2013 10:47

لفظ «الأخونة» مشتقّ من «الإخوان المسلمين»، ولفظ «البردعة» من البرادعي، ولفظ «الأنقذة» من «جبهة الإنقاذ» المزعومة، ولفظ «الأهودة» من التّهويد.


وقد شاعَ استخدام لفظ «الأخونة» في مصر مؤخّرًا، بعدَ نجاحِ «الإخوان المسلمين» في الانتخابات البرلمانيّة، وفوز الرّئيس محمّد مرسي بانتخابات الرّئاسة.


ويُلاحظ أنّ هذا اللّفظ يُوظّفُ من أجل ترهيب النّاس من «الإخوان»، وترويعهم من وصولهم إلى الحكم، وإثارة الرّعب في قلوب العباد من «هذه المخلوقات الغريبة». فلا يكفّ خصوم «الإخوان» عن الشّكوى والصّياح والتّرويع من «أخونة» الجيش، و«أخونة» الشّرطة، و«أخونة» الأوقاف، و«أخونة» مفاصل الدّولة، و«أخونة» الاقتصاد، و«أخونة» الإعلام، و«أخونة» التّعليم، وربّما «أخونة» الهواء أيضًا. والهدف واضح جليّ هو إثارة الذّعر والرّعب في قلوب النّاس، وعامّة الشّعب، من كلّ ما له علاقة بـ «الإخوان المسلمين». تذكّرني هذه الحملة الشّعواء ضدّ «الإخوان المسلمين» بالحملات الصّهيونيّة ضدّ «بن لادن» بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م. فالهدف لم يكن بن لادن، ولا «القاعدة»، بل كان الإسلام والمسلمينَ أنفسهم. ولم يجد بنو صهيون أفضل من بن لادن رمزًا للإسلام في ذلك الوقت. فمهاجمة أصحاب ديانة سماويّة عظيمة يتمّ هنا من خلال مهاجمة شخص، ورمز، وتنظيم ينتمي إلى هذه الدّيانة. والنّتيجة مدمّرة، حيث صار النّاس في كلّ مكان في العالم يعتقدون أنّ المسلمينَ جميعًا إرهابيّون، وأنّ الإسلام هو فقط الإسلام الّذي يقدّمه بن لادن دون غيره، وأنّ العرب والمسلمينَ شعوبٌ متخلّفة لا تستحقّ الحياة، بل ينبغي تقديم الشّكر والامتنان لكلّ من يقوم بتقتيلهم، وتخليص الإنسانيّة من شرورهم. هذه هي الرّسالة الّتي بعثوها إلى العالم، والهدف الّذي سعوا إلى تحقيقه. وَصمُ العربِ والمسلمينَ بالإرهاب، يمهّدُ الطّريقَ لسحقهم، ويُسهّل عمليّة اغتيالهم، ويُبرّر احتلال أرضهم، ويسوّغ نهب ثرواتهم، ويُهَوَّنُ قمعهم. إنّها استراتيجيّة شيطانيّة محكمة. وبعد.

لَقَدْ صَارَ الإعلامُ في عصرِنَا هذَا وسيلةً فتّاكةً مدمّرةً، تُوظّفُ لتلطيخِ شعوبٍ، وتشويهِ دياناتٍ، وطعنِ شخصيّاتٍ، أَو لتزويرِ الحقائقِ، ونفخِ شخصّياتٍ معيّنةٍ، وتضليلِ الرّأيِ العامِّ. الإعلامُ صار بوسعه إضفاء القدسيّة على الوضعاء، أو شيطنة الشّرفاء. أتذكّر ما أورده هنري كيسنجر عن السّادات في مذكّراته. فقد تأثّر كيسنجر واليهود جدًّا بزيارة السّاداتِ القدسَ، وتلقت وسائل الإعلام الصّهيونيّة توجيهات بالنّفخ في صورة السّادات، وتقديمه للنّاس على أنّه وحيد زمانه، وفريد عصره. والإعلام يستخدم وسائل ملتوية قذرة لتضليل الرّأي العامّ، وتعبئته لقضايا معيّنة، أو شحنه ضدّ قضايا أخرى. وهذا يذكّرني بنظريّة المدح والذّمّ في عصر الجاحظ. فقد أدرك الأدباء مبكّرًا أنّ المديح يقتضي التّغاضي عن المساوئ، كما أنّ الذّم يقتضي التّغاضي عن المحاسن. فعندما أراد الجاحظ مدح السّود في عصره، لم يذكر معاناتهم مع الرّقّ والعبوديّة، ولم يتحدّث عن أحوالهم المزرية، بل أسهب في الحديث عن تميّزيهم في الرّقص، وعبقريّتهم في الغناء. وفعل الجاحظ الشّيء نفسه عندما أراد امتداح العرب في صدر الإسلام، حيث لم يذكر أنّهم لم يشتغلوا بالفسلفة، ولا اهتمّوا بالعلوم، بل اكتفى بمدح سرعة بديهتهم. والألقاب تستخدم بصفة عامّة إمّا للمدح أو الذّم. فالجاحظ يشير مثلًا إلى إعجاب النّاس في عصره بعبقريّة أبي حنيفة، وسرعة بديهته الّتي جعلت بعضهم يُطلق عليه لقب «شيطان». وكثيرًا ما تصدمنا ألقاب «أصحاب السّوابق» في مصر الّتي غالبًا ما تشير إلى إمعانهم في الإجرام. ويُقال إنّ الاسم قد يستخدم أحيانًا لدرء الحسد، حيث تحكي كتب التّاريخ عن حالات كانوا يسمّون فيها الحسناء «القبيحة»، خوفًا من الحسد. وفي الدّيكتاتوريّات العسكريّة تتحوّل ألقاب الضّباط إلى أسلحة ترهيب وترويع للشّعب. فلقب «اللّواء» يختلف مدلوله ومعناه في دولة ديمقراطيّة حديثة عن مدلوله في ديكتاتوريّة عسكريّة مقيتة. الجيش في الدّول المتقدّمة هو طبقة من طبقات المجتمع المختلفة، يقوم بعمله، كما يقوم الآخرون بعملهم. أمّا في الدّيكتاتوريّات العسكريّة، فليس هناك إلّا العسكر والشّرطة، وليس هناك إلّا قمع الشّعب وترويعه. وبعد.

يَستخدِمُ لفظَ «الأخونةِ» اليومَ في مِصرَ مِنَ المضلّلينَ، الانتهازيّينَ، المخرّبينَ. وهم جميعًا لا يريدون لمصر إلّا الخراب، والسّقوط، والضّياع. والدّليل واضح وضوح الشّمس. فبعد نجاح شعب مصر العظيم في إسقاط الطّاغية مبارك، كان هناك إجماع شعبيّ على التّحوّل إلى ديمقراطيّة حقيقيّة، بعد قرون من الاستبداد، والاستعمار، والنّهب. لكن ما كاد الإسلاميّونَ يفوزون بالانتخابات، حتّى سارع أعداء البلاد والعباد إلى مهاجمتهم. وقد جعلتْ هذه المجموعاتُ التّخريبيّةُ من مصرَ أضحوكةً أمام دول العالم المتقدّم. فهذا الّذي يمارسه هؤلاء المخرّبون ليس له أي علاقة بالدّيمقراطيّة الحقيقيّة، بل هي ديمقراطيّة زائفة، ديمقراطيّة فلكوريّة ساذجة، ديمقراطيّة الهمج. فلم يحدث أن فاز شخص بانتخابات الرّئاسة، وطالبته المعارضة بالاستقالة من حزبه الّذي ينتمي إليه، ويدعمه. ولا تجري الدّول المتقدّمة انتخابات برلمانيّة بقوانين مشكوك فيها، وملغّمة عن قصد، من أجل حلّ البرلمان والتّخلّص منه، أينما شاءت السّلطة التّنفيذيّة، مثلما حدث في مصر أثناء فترة حكم «المجلس العسكريّ»، وقبل ذلك. ولا يحدث في أي دولة متقدّمة أن يتمّ انتخاب رئيس للبلاد، تقوم المعارضة بمهاجمته ليل نهار، وتطالب بإسقاطه، وتتجاهل إرادة غالبيّة الشّعب. هذه ليست ديمقراطيّة. عندما انهزم المدعو حمدين صباحي في الانتخابات الرّئاسيّة أمام الرّئيس مرسي، لم يتقبّل قواعد الدّيمقراطيّة، بل سارع يطالب إلى عقد انتخابات رئاسيّة جديدة!! ويبدو أنّ مثل هؤلاء النّاس لا يريدون لمصر أيّ استقرار على الإطلاق، بل يسعون لتخريبها من خلال المظاهرات شبه اليوميّة، وتحريض الشّعب على التّظاهر ضدّ الرّئيس الشّرعي لمصر، وتقديم مطالب لا علاقة لها بقواعد الدّيمقراطيّة الصّحيحة الّتي تطبّقها الدّول المتقدّمة. فقادة الجبهة يريدون عقد انتخابات يوميّة، حتّى يفوزوا بها، وهم يريدون الشّعب أن يبقى في حالة تظاهر يوميّ، حتّى يتمّ تخريب اقتصاد مصر، وينهار كلّ شيء فيها.. يقينًا هم يستغلّون تفشّي الجهل والسّذاجة في قطاعات واسعة من الشّعب المصريّ. فيقولون مثلًا إنّ حالة مصر «استثنائيّة»، وبالتّالي لابدّ من إلغاء الدّستور، وعمل انتخابات مبكّرة، وتشكيل حكومة إنقاذ جديدة، إلى آخر هذه المطالب السّخيفة جدًّا. بأيّ حقّ يطالبون بكلّ هذه المطالب؟ إنّهم يريدون اختراع شكل جديد من الدّيمقراطيّة، ديمقراطيّتهم مختلفة عن جميع ما عرفته البشريّة من ديمقراطيّات حتّى الآن. هي ديمقراطيّة يستطيع المهزوم فيها أن يحكم المنتصر، ويمكن للأقليّة أن تفرض شروطها على الأغلبيّة، ويجوز من خلالها لحفنة أشخاص أن يحدّدوا مستقبل تسعين مليون مصري. هذه هي ديمقراطيّة المخرّبين الّذين يقومون بتخريب مصر منذ سنتين بطريقة ميكيافيليّة ممنهجة، وخطّة شيطانيّة مدمّرة. وبعد.


أَمَّا لَفْظُ «البردعةِ»، فَقَدْ يكونُ جديدًا على القارئ الكريم. لكنّه مشتقّ من اسم «البرادعي». و«البرادعي» هو اسمٌ مشتقّ بدوره من صانع البردعة، وهي ثوب يوضع على ظهر الحمار أو البغل ليركب عليه. «البرادعي» هو إذن صانع بردعة الحمار، و«العربجي» هو من يعمل على عربة بحمار. والمقصود بلفظ «البردعة» هنا هو نشر فكر «البرادعي»، مثلما يقصدون من لفظ «الأخونة» نشر الفكر الإخوانيّ. وأستغفرُ اللّهَ إن كانت هذه المهن والألقاب تذكّرني بقصّة السّادات مع المخلوع، حين قال وأقرّ إنّه يحتاج إلى «حمار» في منصب نائب رئيس الجمهوريّة، حتّى يُنفّذ الأوامر بدون اعتراضات! يقينًا محاولة فهم أصل الاسم، لا يعني السّعي إلى تشويه حامله، حاشا اللّه. لكن يهمني، أيّها القارئ الكريم، أن أتوقّف وهلة قصيرة عند موضوع الأسماء، وعلاقة الأبناء بالآباء. وبعد.
فَقَدِ ارتبطتُ قبلَ سنواتٍ طويلةٍ بعلاقةِ صداقةٍ مَعَ ابنِ أحدِ شيوخِ الأزهرِ الأسبقين. لفت نظري حرصه على الكتابة والإبداع. لكنّه كان دائم الشّكوى بأنّه يواجه صعوبات جمّة، كلّما حاول الكتابة. قلت له إنّ الجاحظ قد جعل المعاناة والمكابدة شرطًا للإبداع. فكان يتذكّر أباه العالم المبدع، ويقول بحسرة: «يخلق من ظهر العالم جاهلًا»!! أذكر هذه الحكاية لأؤكّد قول الشّاعر: «ليس الفتى من قال كان أبي - بل الفتى من قال ها أنا ذا». فكون شخص يحمل اسم مرتبط بالحمير والبغال، لا يعني بالضّرورة أن تكون هناك علاقة أبديّة حميمة بينه وبين الحمير والبغال، حاشا اللّه، وبعد.


عَالَمُ الأسماءِ مثيرٌ للعجبِ والدّهشةِ حَقًّا. فكثيرًا ما تعجّبت من الأشكال المتباينة للاسم الواحد في اللّغات المختلفة. فنحن نقول «يوسف»، في حين يقول الأسبان على الاسم نفسه: «خوسيه». واسم يوسف بالمناسبة «مأخوذ عن اللّغة العبريّة بمعنى: هو اللّه سيمنح ويضاعف». ونحن لا نؤنّث الكثير من الأسماء، فنقول مثلًا: «يوسف»، ولا نقول: «يوسفة»، في حين يؤنس الأسبان والإيطاليّون هذا الاسم. ويقول الإنجليز: «بيتر»، ويقول الأسبان: «بيدرو». وأتذكّر أنّ سائقي الأسبانيّ اتّصل بي قبل سنتين، قائلًا: «آلو. أنا بيتر»!! فقلت له: «أنتَ بيدرو، وليس بيتر»!! والمشترك بين ثقافات العالم ولغاته هو إطلاق الأسماء حسب الحرف أو المهن. فنحن نقول: «الحدّاد»، ويقابله في الألمانيّة «شميدت». ونقول «الطّحّان»، من طحن الحبّ، ويقابله في الألمانيّة: «مويلّر». ونقول: «الفلّاح»، ويقول الألمان: «باور». ونقول: «الخيّاط»، ويقول الألمان: «شنايدر». كما أنّ اسم «شرودر»، مستشار ألمانيا الاتّحاديّة السّابق، يعني باللّهجة الألمانيّة الشّماليّة «ترزي» أو «خيّاط». ونقول «الإسكافي»، أي صانع الأحذية، ويقابله بالألمانيّة «شوماخر»، وبالأسبانيّة «سباتيرو»، وهو رئيس وزراء أسبانيا السّابق. واسم «بينديكت» باللّاتينيّة، يقابله «مبارك» بالعربيّة. واسم «نور» بالعربيّة، يقابله «لوتس» بالأسبانيّة والبرتغاليّة - وهناك ساحل أسبانيّ على المحيط الأطلنطي اسمه «كوستا دي لا لوتس» أي: «ساحل النّور». وكانت صديقتي أنّا ماري شيمل، عميدة الاستشراق الألمانيّ، قد اهتمّت بالأسماء الإسلاميّة، وتركت لنا كتابًا مهمًّا عنها. وقد حكت لي في أحد حواراتنا أنّ مسلمي شبه القارّة الهنديّة الّذين لا يتقنون اللّغة العربيّة، تعوّدوا على اختيار أسماء مواليدهم، بتغميض أعينهم، ثمّ فتح القرآن الكريم، ووضع أصبعهم على أحد آياته أو كلماته، ثمّ يفتحون أعينهم، ويتّخذون من الكلمة، أو الآية، الّتي يجدونها، اسمًا للمولود الجديد!! وهذا هو السّبب في وجود أسماء غريبة بين مسلمي الهند، حيث أنّ هناك بنتًا اسمها: «يا أيّها الذّين»!! وهكذا، وبعد.

مِنَ المؤسفِ لَهُ حقًّا أن نرى حملةً شعواءَ على أفرادِ جماعةٍ من مسلمي الشّعب المصريّ، تعرّض أعضاؤها لأشدّ أنواع التّعذيب، والقهر، والقمع، عقودًا طويلة، وهي جماعة «الإخوان المسلمون». ويؤسفني أكثر أنّ أقولَ إنّ بني صهيون هم من يقف وراء هذه الحملة الشّرسة ضدّ الإخوان المسلمين.

ليس هدفي وقصدي من هذا الكلام هو تجريح اليهود، أو مهاجمتهم لمجرّد أنّهم يهود، حاشا اللّه. هذا برغم أنّ هذه هي الثّقافة الشّائعة في عالمنا العربيّ منذ عقود. لَيْسَ يجوزُ لنا شتمُ اليهودِ، لمجرّد كونهم يهودًا. كما لا يجوزُ لليهودِ أن يشتموا العربَ، لمجرّدِ كونهم عَربًا. صحيحٌ أنّ العداءَ بينَ العربِ واليهودِ قد صارَ للأسفِ متأصّلًا دفينًا، بحيث أصبح من الصّعب على المرء أن يتصوّر يومًا يتحوّل فيه الأعداء إلى أصدقاء، والخصوم إلى شركاء. أحداث تاريخيّة متعاقبة، وتطوّرات حضاريّة متتالية، ومواقف دينيّة متراكمة، أوصلتنا إلى ما نعانيه اليوم من أحقاد، وصراعات، وحروب، وسفك دماء، ومؤامرات. هذا برغم أنّنا نعيش على كوكب واحد، وننتمي إلى جنس بشريّ واحد، ولدينا الكثير من القيم المشتركة الجامعة.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان