رئيس التحرير: عادل صبري 05:35 صباحاً | الأحد 18 نوفمبر 2018 م | 09 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

المتاجرة بالشعب ..!!

المتاجرة بالشعب ..!!

29 ديسمبر 2013 09:31

الذي يحدث في مصر السلطة هو صراع على السلطة ولا شيء غيره حتى لو أقسم المتصارعون بكل يمين بأنهم يخدمون الشعب ويذوبون عشقًا فيه ويفدونه بأرواحهم.


منذ ثورة 25 يناير وسقوط مبارك والصراع في اليوم التالي لنجاح الثورة كان على السلطة ولم يكن الشعب في حسبان الجميع، فهذا الشعب هو وسيلة مثالية للمتاجرة به وبمعاناته وهو ستارة للاختباء ورائها وإخفاء الأهداف الحقيقية لهم وهو الاستحواذ على السلطة.

والذي يحدث بعد 3 يوليو هو استمرار للصراع على هذه السلطة متخذًا شكلًا واضحًا وسافرًا ودمويًا.

لا أحد يعمل للشعب، ولا أحد يفكر في الشعب، ولا أحد قلبه على الشعب، ولا أحد مخلص للشعب، ولا أحد يمكن تصديقه وهو يتحدث عن الشعب، لأن هذا الشعب عانى أيام مبارك، وعانى أيام المجلس العسكري، وعانى أيام مرسي، ويعاني اليوم في عهد خريطة المستقبل التي مر عليها 6 أشهر في إعداد دستور لا يختلف كثيرًا عن الدستور الذي تم تعطيله.

أكثر العناوين كذبًا وتدليسًا وسخرية عندما يُقال إن الشعب يريد كذا أو كذا، فالشعب لم ينصب أحدًا متحدثا باسمه، ولم يختر بعد من يحكمه ويمثله، إنما الذي يريد هو صاحب السلطة والسلطان في كل زمان، وهو يتمسح في الشعب حتى يمرر ما يريده، وحتى يبدو أنه مدعوم ومحبوب ومرغوب من الشعب رغم أنه منعزل ومعزول عنه.


إذا كان مرسي قد فاز في انتخابات الرئاسة بنسبة ضئيلة عن منافسه ثم تم عزله بعد عام واحد فقط وجاءت سلطة أخرى بالأمر الواقع وكانت لها شعبية واسعة بالخروج أيام 30 يونيو و3 و26 يوليو فإن شعبيتها اليوم وبعد ستة أشهر من إدارتها للبلاد تتراجع بشكل واضح وملموس، فهي فعلت ما فعلته تحت عنوان تحقيق آمال ورغبات وطموحات الشعب في حياة أفضل، لكنها لم تحقق له شيئًا، بل زادت حياته صعوبة وتفاقمت الأزمات، وأُضيفت إليها أزمات أخرى ، ولأنه لا أمل في الخروج منها في القريب العاجل فإن الشعب بدأ يفقد الثقة فيها، ويشيح بوجهه عنها.


أداء السلطة الحالية عاجز، كما كان أداء المجلس العسكري، ومن بعده سلطة الإخوان، وبالتالي لماذا كان ما جرى في 3 يوليو؟!.


اليوم باتت إجابة السؤال من الشارع وعلى لسان رجل الشارع وهي السلطة والحكم، وهم بالفعل استعادوا السلطة وفقدها الإخوان أسرع من البرق، وهم يقاتلون منذ طردهم منها لاستعادتها تحت عنوان استعادة الشرعية، وكل طرف في هذا الصراع المميت لمصر الدولة والشعب يستخدم أقصى ما لديه من أجل تلك السلطة، ولذلك ليس غريبًا أن تقرر سلطة الأمر الواقع أن الإخوان "جماعة إرهابية".

لكن هل بهذا التصنيف، وتلك التهمة الثقيلة، ستنتهي الأزمة، وستهدأ الأوضاع، وسيتمكن من يحكم في بسط سيطرته وإحكام قبضته على البلاد وتوفير الأمن والهدوء والاستقرار وخلق بيئة مناسبة لجذب الاستثمار وتنشيط السياحة ودفع الدماء في شرايين اقتصاد متدهور ورسم وهندسة الأوضاع كما يريد وكما يخطط لسنوات قادمة؟!.

أشك في ذلك لأن الصراع صار مفتوحًا، والأوضاع تسوء، وقد ثبت أن الأفكار والأيديولوجيات يصعب اقتلاعها من جذورها أو القضاء عليها بأي وسيلة، فالقاعدة مثلا ما زالت قائمة رغم أنها متهمة دوليا بالإرهاب وتواجه حربًا عالمية، والإخوان أنفسهم ما زالوا موجودين رغم الضربات العنيفة والقاصمة التي تعرضوا لها في كل العهود، والجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد ما زالا على قيد الحياة رغم الحرب ضدهما في تسعينيات القرن الماضي وخسائرهما الكبيرة، وهكذا كل الجماعات وكل الأفكار التي مر عليها آلاف السنين في الشرق وفي الغرب لم تمت نهائيًا ، كربلاء تزداد تجددًا كل يوم، وهكذا كل كربلاء سواء كانت عن حق أو باطل.

عندما أسمع في المترو سيدة مصرية تقول بصوت فيه توسل ورجاء لحد البكاء "ياخويا، يا مسلم، يامسيحي، أبوس إديك ورجلك، أديني ربع جنيه، أو نص جنيه عشان أعالج ابني" !.

وتقول أخرى "ساعدوني عشان ولادي بدون أكل وجعانين" !.

ومن غيرهما تسمع وترى الكثير من أصحاب الحاجات الصريح منها والمتعفف وهي ليست حالات فردية، بل هي ظاهرة تتسع في الفقر والحاجة والتسول دون خجل من أجل البقاء على قيد الحياة، فمن يستمع لأنات هؤلاء، ومن يطعمهم ويسقيهم، ومن يسد رمقهم ممن هم في السلطة اليوم، وممن كانوا فيها بالأمس، وكلهم يزعمون أنهم في خدمة هؤلاء فكيف يتركونهم هكذا يموتون جوعًا ومرضًا وهدرًا للكرامة الإنسانية؟!.

لا أحد يحن على المصريين المرضى، ولا المصريين الفقراء، ولا المصريين العرايا من دون ملبس أو مسكن، ولا المصريين العاطلين، ولا المصريين اليائسين من الحياة الكريمة، أو المحرومين من مجرد الحق في الحياة!.

هناك مظاهرات لا تتوقف تُطالب بما تسميه الشرعية، وهناك سلطة توجه آلاتها الأمنية والإعلامية الثقيلة لمواجهة تلك المظاهرات، و"التنظيم" الذي أسمته بالإرهابي، وفي ظل هذا الصراع القاتل على سلطة زائلة خرج منها مبارك بعد 30 عامًا أسوأ خروج لا أحد يلتفت للشعب، ولا أحد يعنيه ذلك الشعب، لتبقى مصر المتصارعة على السلطة في واد، ومصر الشعب في واد آخر، ويبقى الظلم الاجتماعي، وفقدان العدالة قائمًا دائمًا وأبدًا في بلد يحصل فيه السادة على كل شيء، ولا يحصل العامة على أي شيء.

كفى متاجرة بالشعب وبآلامه وبحاجاته، وكفى ابتزازا لهذا الشعب، وكفى نفاقًا رخيصًا ومفضوحًا له.

هذا الشعب ذكي لا يمكن استغفاله طويلا.
 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان