رئيس التحرير: عادل صبري 10:17 مساءً | الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 م | 04 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

قرأت مشروع الدستور ولن أقول نعم

قرأت مشروع الدستور ولن أقول نعم

مقالات مختارة

إبراهيم العيسوى- أستاذ الاقتصاد بمعهد التخطيط القومي

قرأت مشروع الدستور ولن أقول نعم

إبراهيم العيسوى 28 ديسمبر 2013 13:05

من حق السيد عمرو موسى أن يزهو بمشروع الدستور الذى أنتجته لجنة الخمسين تحت رئاسته. فالوليد يتبدى لوالده أجمل المخلوقات حتى إذا لم يره أكثر الناس كذلك.

ولكن لا يجوز لرئيس الخمسين أن يصادر على حق من يقرأ مشروع الدستور بأنه حتماً سيقول نعم. وقد قرأت المشروع مرات عديدة، ولم أستطع أن أقول نعم، وذلك بالرغم من تنحيتى لعدد من الأمور جانباً. منها الاعتراض المبدئى على المشروع باعتباره فرعاً من أصل مرفوض وهو انقلاب 3 يوليو. ومنها أن الدساتير التى يراد لها الدوام لا توضع فى أجواء انقسام مجتمعى حاد ولا فى مناخ ملتهب يحض فيه قسم من المجتمع على كراهية قسم آخر، بل وعلى إقصائه سياسياً واستئصاله مادياً إذا أمكن.

 

فلنترك هذا جانباً، ولنصرف النظر أيضاً عمن يرون تأييد مشروع الدستور أياً كانت مثالبه، لاعتبارهم أن تأييد الفرع مترتب على تأييد الأصل وهو أحداث 30 يونيه ــ 3 يوليو، وأنه لا يجوز رفض المشروع لما فيه من «هنات»، على حد قول بعضهم، أو لما فيه من «سقطات» على حد قول بعض آخر منهم، أو لما شاب عملية إعداده من «عك» وفق ما ذكره أحد أقطاب لجنة الخمسين. فبدلاً من حث الناس على إمعان النظر فى المشروع والحكم له أو عليه، فإن هؤلاء يدفعون الناس دفعاً لقول «نعم» بدعوى دعم خريطة طريقهم والحيلولة دون عودة الإسلاميين للحكم والقضاء على الإرهاب وتحقيق الاستقرار. ولترهيب من قد يقول «لا»، وصف أحدهم ما أسماه «معسكر لا» بأنه يضم «الإخوان والمتأخونين وخوارج اليسار والقوى الثورية وعارضو أنفسهم فى سوق النخاسة»!

•••

دعنا من هذا كله، ودعنا من الديباجة الهزيلة ومن أخطاء اللغة والأسلوب فى صياغة مواد المشروع. ودعنا كذلك من تجاوز الخمسين لحدود المهمة التى كلفوا بها بمقتضى خريطة طريقهم، وهى «مراجعة التعديلات الدستورية المقترحة على الدستور الذى تم تعطيله مؤقتاً»؛ بما يعنى أن ما يُعطل مؤقتاً سيعود للعمل بعد تعديله، لا أن يحل محله كيانا جديدا قائما بذاته. ودعنا أيضاً من إيراد نصوص تتعلق بوظائف الدولة التى هى فى حكم البديهيات كالنص على التزام الدولة بحماية بحارها وشواطئها وبحيراتها وممراتها المائية (المادة 45)، وحماية نهر النيل (المادة 44)، وحماية قناة السويس وتنميتها وتنمية قطاع القناة (المادة 43 ــ مع أن تنمية قطاع القناة ليست من الحتميات، بل إنها قضية تخضع للحساب الاقتصادى وللأولويات التى قد تتغير من وقت لآخر). أضف إلى ذلك أن المشروع قد تزيّد كثيراً بإيراد نصوص مكانها الطبيعى هو السياسات القابلة للتغير، لا الدستور الذى يفترض فيه الثبات النسبى عبر الزمن.

 

إننى لا أدعو إلى ترك هذه الأمور جانباً لأنها أمور غير مهمة، وإنما لأن هناك ما هو أكثر منها أهمية وأشد خطراً. وحسبى أن أتناول أربعة منها لبيان أن مشروع الدستور جدير بالرفض.

 

أول هذه الأمور هو ذلك التناقض بين ما قررته المادة 97 من أنه «لا يحاكم شخص إلا أمام قاضيه الطبيعي» وبين ما قررته المادة 204 من جواز محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكرى. فبديهى أن القضاء العسكرى ليس القاضى الطبيعى للمدنيين. زد على ذلك أنه لا يستقيم أن توكل إلى المعتدى عليه، وهو القوات المسلحة فى حالة الجرائم المنصوص عليها فى المادة 204، مهمة محاكمة المدنيين المتهمين بالاعتداء على منشآتها ورجالها. إذ فى هذه الحالة تجمع القوات المسلحة بين صفتى الخصم والحكم. ويقدم المبررون للمادة 204 ــ ومنهم من كان من المعارضين الأشداء للمحاكمات العسكرية للمدنيين ــ حجة متهافتة، ألا وهى أن هذه المادة قد حصرت حالات محاكمة المدنيين عسكرياً حصراً دقيقاً على خلاف ما كان عليه الحال فى دستور 2012.

 

وهذه الحجة متهافتة لسببين: أولهما الاتساع الكبير لمفهوم المنشآت العسكرية التى قد يتعرض من يمسها أو يمس العاملين بها للمحاكمة العسكرية. فهو يشمل دور القوات المسلحة ونواديها التى تقام فيها الأفراح والليالى الملاح ويشمل المتاجر والشركات التابعة للقوات المسلحة بحسب تصريح لرئيس القضاء العسكرى. وهو ما يجعل المدنى الذى يتعامل مع مثل هذه الجهات معرضاَ للإحالة للقضاء العسكرى عندما يثور نزاع بينه وبين العاملين فيها. وثانيهما أن الأمر لا يتعلق بنوعية الجرائم التى يحال مرتكبها للقضاء العسكرى، وإنما هو أمر يتعلق بمبادئ عامة كمبدأ حق الإنسان فى المحاكمة أمام قاضيه الطبيعى ومبدأ عدم اجتماع صفتى الخصم والحكم فى شخص واحد.

•••

أما الأمر الثانى الموجب للاعتراض على مشروع الدستور فهو ما استوجبته المادة 234 من أن يكون تعيين وزير الدفاع بموافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، على أن يسرى هذا الشرط لدورتين رئاسيتين كاملتين، أى ثمانى سنوات. فهذا ابتكار دستورى غير مسبوق. إذ أنه يقيد حق رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أو حقهما معاً فى تشكيل الحكومة وفق المادة 146. وتبرير رئيس الخمسين لهذا القيد بضرورته لحماية تماسك الجيش ومؤسسات الدولة غير سائغ. فأين هذا التهديد لتماسك الجيش، وما شأن وزير الدفاع بحماية مؤسسات الدولة؟! وهل من المتصور عقلاً أن يجازف رئيس الدولة بتعيين وزير دفاع يهدد بشق صف الجيش وينذر بهدم مؤسسات الدولة؟! والحق أنه ما من مبرر حقيقى للمادتين 204 و234 وكذلك المادة 203 المتعلقة بالمعاملة الخاصة لموازنة القوات المسلحة سوى رغبة القوات المسلحة فى التمتع بوضع خاص يجعل منها دولة فوق الدولة، وعجز لجنة الخمسين الممثلة لقوى الانقلاب عن رفض هذه الرغبة لأنه سيعد نكراناً لجميل القوات المسلحة فى 3 يوليو.

•••

والأمر الثالث الذى يستوجب رفض مشروع الدستور يخص تجاهله لدور التخطيط فى إدارة شئون الاقتصاد والتنمية وإغفاله لمقتضيات الحساب الاقتصادى عند إعداد الموازنة العامة. فقد خلت المواد الخاصة بالمقومات الاقتصادية للدولة من ذكر التخطيط، مع أن أكثر ما ألزمت به هذه المواد الدولة من أهداف اقتصادية واجتماعية عامة ومن أمور تفصيلية كالنمو المتوازن جغرافياً وقطاعياً وبيئياً وضبط آليات السوق، لا يتيسر تحقيقه إلا بالتخطيط القومى الشامل. ولم يرد للتخطيط ذكر إلا فى المادة 25 المتعلقة بمحو الأمية والمادة 167 الخاصة بتنمية المناطق الحدودية والمحرومة، وفى المادة167 التى أدرجت إعداد مشروع الخطة العامة للدولة ضمن اختصاصات الحكومة. وإذا كان صحيحاً أن النص على أمر ما فى الدستور ليس ضماناً لتنفيذه، فمن المرجح أن إغفال ذكر أمر ما كالتخطيط ضمن المقومات الاقتصادية للدولة يكشف عن عدم الاعتداد بدوره أصلاً، ويشى بميل لم يعد مستتراً للحفاظ على اقتصاد السوق الحرة المفتوحة الذى رعاه نظام مبارك ولم يتعرض للتغيير خلال حكم الإخوان.

وفيما يتعلق بتجاهل الحساب الاقتصادى، أشير إلى المواد 18 و19 و21 و23 التى ألزمت الدولة بحدود دنيا للإنفاق الحكومى على أربعة بنود. فعلى الدولة أن تخصص نسبة من الإنفاق الحكومى لا تقل عن 3% من الناتج القومى الإجمالى للصحة، و4% للتعليم قبل الجامعى و2% للتعليم الجامعى و1% للبحث العلمى، على أن يتم التحرك نحو هذه الأهداف تدريجياً بحيث تكتمل فى موازنة 16/2017، طبقاً للمادة 238. إن مجموع هذه النسب هو 10% من الناتج القومى، وهو ما يعادل 30% من الإنفاق الحكومى. وبإضافة نصيب بندين لا يتوقع أن يطرأ عليهما أى انخفاض فى السنتين القادمتين ــ لاسيما أن إحداهما سنة استفتاء وانتخابات ــ وهما بند فوائد الدين العام (25%) وبند الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية (32%)، فلن يبقى لتمويل باقى الوزارات والهيئات والمصالح الحكومية سوى 13% من إجمالى الإنفاق الحكومى. وهو مبلغ ضئيل للغاية. وما من شك فى أن تحديد حصص نسبية للصحة والتعليم والبحث العلمى لا يجوز النزول عنها فى الموازنة سيضع الحكومة امام خيارين كلاهما سيئ: فإما الهبوط الشديد بمعدلات الإنفاق على غير هذه البنود ــ وهو ما سيشكل تهديداً خطيراً للنمو الاقتصادى والعدالة الاجتماعية، وإما تجاهل الالتزام الدستورى بنسب الإنفاق المحددة ــ وهو ما يعرض الموازنة العامة للطعن بعدم دستورية قانون إصدارها.

•••

ورابع الأمور التى لا يجوز معها قول «نعم» لمشروع الدستور هو أن المقدم للشعب ليس سوى وثيقة ناقصة. فقد عجز الخمسون عن التوافق على أربع مسائل جوهرية، وقرروا تفويض البت فيها لشخص واحد هو الرئيس المؤقت ــ أو بالأحرى من هو وراءه ــ وذلك بدعوى حيازته سلطة التشريع خلال الفترة الانتقالية. وهذا تقصير بالغ فى أمور من أخص واجبات الخمسين، وهى الأمور المتعلقة بتحديد النظام الذى ستجرى على أساسه انتخابات مجلس النواب (المادة 229)، وتحديد أى الانتخابات تكون له الأسبقية: الرئاسية أم التشريعية (المادة 230)، وتعيين طريقة تمثيل العمال والفلاحين وكذا تمثيل الشباب والمسيحيين وذوى الإعاقة والمصريين المقيمين فى الخارج فى مجلس النواب القادم (المادتان 243 و244). ومن الغريب أن يصف رئيس الخمسين صياغة المواد سالفة الذكر بأنها «جيدة للغاية». فهى فى الحقيقة ليست سوى حيلة قانونية مكشوفة للتهرب من مأزق عدم توافق الخمسين بشأن هذه الأمور الخطيرة. وهو ما ينفى الزعم بأننا أمام دستور توافقى. فالتوافق مفقود داخل اللجنة مثلما هو غائب خارجها. وهو ما يؤكد أيضاً أن مسار الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة مرهون بقرار فرد، لا بإرادة شعب.

فهل من أجل دستور كهذا ثارت الجماهير فى 25 يناير 2011؟!

**********************************
 

نقلا عن صحيفة الشروق

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان