رئيس التحرير: عادل صبري 02:44 مساءً | الخميس 20 سبتمبر 2018 م | 09 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

أيام لبنان الصعبة!

أيام لبنان الصعبة!

مقالات مختارة

الكاتب حبيب فياض

أيام لبنان الصعبة!

حبيب فياض 28 ديسمبر 2013 09:27

ليس من قبيل المبالغة والتهويل القول بأن العام المقبل سيكون أكثر صعوبة على لبنان رغم المساوئ والصعوبات التى شهدها اللبنانيون فى العام الحالي. هى رؤية شبه إجماعية للمشهد اللبنانى وتكاد تلامس الحقيقة والواقع المحتوم. هذا اللهم إلا إذا شمل الله هذا البلد برحمة خاصة منه.

 

عند اللبنانيين، أصبح الخوف من المستقبل والسؤال عن المصير لازمة لا تفارق التفكير. كما لم يعُد توقع الافضل يقترب من مخيلة الناس، وبات الحدّ من كارثية المستقبل هو الأمنية السائدة لديهم على بوابة العام الجديد.

 

هذه السوداوية المستشرية يمكن خلع التواريخ عنها وعدم حصرها بالعام المقبل بل تعميمها على الأعوام المقبلة، أيضا كما كانت فى الأعوام الماضية. هذا على الأقل ما كشفته الأحداث بمساراتها التصعيدية وأزماتها المتتالية فى الواقع اللبنانى المأزوم منذ العام 2005 الى الان. والحاصل أن لا شيء يدفع اللبنانيين إلى التفاؤل.

 

وليس ثمة ما يشجعهم على انتظار فرصة حل أو ترقب فسحة أمل. بينما ما ينتظرهم عصى على الإحصاء ولا يمكن سرده إلا على سبيل المثال لا الحصر.
ففى لبنان، القطيعة بين المتخاصمين تحكم المواقف ولا طاولة للحوار يجتمعون حولها.

 

الخطاب العدائى متصاعد ولا يحتفظ بأى من خطوط العودة. الانسياق الغريزى يؤبد الاصطفافات القائمة ويهدد الصيغة الميثاقية والعيش المشترك. الاحتقان فى الشارع سيد الموقف ويعبر عن نفسه بين حين وآخر بجرعات مرتفعة من العنف والعدوانية. الكراهيات المنفلتة من كل قيد إنما تحكم نظرة كل فريق الى الآخر وهى تتعاظم مصحوبة بما تيسّر من سجالات وصدامات. يرافق ذلك كله تسيّد الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل وارتفاع معدل الجريمة واستشراء الفساد فى المؤسسات وبين المسؤولين، هذا عدا عن الكساد الاقتصادى وتصاعد الدين العام وجمود فى السياحة ووجود ما يقارب المليون لاجئ سورى على الأراضى اللبنانية.

 

وفى لبنان أيضا، رئيس الجمهورية الحالى دوره شكلي، حيث يجب أن يقوم بمهامه، وفاعل حيث يريد التخندق مع فريق ضد آخر. خروج الرئيس من خانة الوسطية التى يقتضيها موقع الرئاسة فاقم الأوضاع سوءا وقطع الطريق على التمديد فيما لا ضمانات بالتوافق على رئيس جديد. والنتيجة هى أن موقع الرئاسة مرشح لفراغ مستجد أو لأزمة داخلية جديدة.

الحكومة المستقيلة والقائمة لا تستطيع القيام بمهامها الراهنة أو ملء الفراغ المحتمل، بينما لا حكومة مرتقبة تضم الجميع، وأى حكومة أخرى تحت ضغط «الأمر الواقع» هى مشروع صدام وفتنة. أما المجلس النيابى ففى حال شلل «مطلوب» تأكيدا على انعدام الحياة التشريعية وتسهيلا لتحويل لبنان الى ساحة سائبة عملا بأجندات إقليمية. هذا من دون إغفال أن الجيش الوطني، رمز وحدة البلاد، مستهدف وعرضة للاستنزاف.

لم يعد خافيا أن ثمة قرارا إقليميا بعرقنة لبنان. المشهد الانتحارى التكفيرى انتقل من الجوار الى الداخل اللبناني. القائمون عليه لم ينجحوا فى تعميمه على الطريقة العراقية، لكن مخاطر تصاعد أعمال العنف لا تزال قائمة. «القاعدة» ومشتقاتها اتخذت من لبنان موطن إقامة جهادية ولم يعد مجرد معبر لنصرة «الثوار» فى سوريا. وبالتالى لا شيء يمنع تكرار التفجيرات التى شهدتها أكثر من منطقة فى لبنان ولكن بوتيرة مكثفة وعلى نطاق أوسع.

الأمر لا يتوقف على نيات الفاعلين بل على قدراتهم، فيما خطوط دعمهم وامداداتهم متواصلة بلا انقطاع من قبل أطراف إقليمية فاعلة وقادرة. ويكفى الوضع خطورة أن يكون الظن بالسعودية فى استهداف السفارة الإيرانية فى بيروت.

هذا يعنى أن الدولة السنية الأولى تستهدف إيران الشيعية. وذلك فى بيروت بغية تحويل لبنان الى ساحة تصفية حسابات إقليمية. والمفارقة أن الانتحاريين أحدهما فلسطينى من المفترض أن تكون وجهته النضالية فلسطين، والآخر لبنانى لا يجب أن يصل به الأمر مهما تكن الأسباب الى حد تفجير نفسه لقتل لبنانيين وإيرانيين.

إن ذلك يفتح الباب واسعا للسؤال عن حجم الكراهية التى تدفع بهما الى تفجير نفسيهما. ذلك أن التكفيرى لا يذهب الى عملية انتحارية على خلفية الوعود الأخروية فحسب، بل للامر صلة بشحن عقائدى سياسى يقوم على صناعة الكراهية التى باتت عنصرا محركا للحياة السياسية فى لبنان.

البعض ما زال يراهن على الخارج لإخراج لبنان من عنق الزجاجة. صحيح أن الخارج شرط لازم للحل فى الداخل، لكنه لم يعد يكفى من دون بيئة وفاق محلية. ذلك أن الأزمة اللبنانية هى اليوم أكثر من أى وقت مضى حصيلة أسباب بنيوية داخلية الى جانبالمسببات الخارجية.

وإذا كان الواقع اللبنانى يتحرك على إيقاع الازمة السورية، فإن الرهان على حلّ قريب لهذه الأزمة كمدخل الى عودة الوفاق والاستقرار الى لبنان إنما هو ضرب من الوهم..

هذا البعض قد غاب عن ذهنه أن الخارج أصبح مختلفا ولم يعُد كما كان. فالحل فى لبنان يحتاج الى توافق اميركى إيراني، وسعودى إيراني، وسعودى سوري، إضافة الى توافق لبنانى آذارى آذاري. فوق ذلك، لبنان لم يعد اولوية فى الحسابات الأميركية. فيما الرياض استبدلت سياستها «العاقلة» بالتعامل مع الشأن اللبنانى بسياسة تصفية الحسابات مع إيران و«حزب الله» وسوريا.

هذا كله، من دون إغفال الدور الإسرائيلى لإبقاء لبنان ساحة اضطراب وفوضى، ومن دون استبعاد الخطر الإسرائيلى القائم دوما، والذى قد يتخذ من لبنان مدخلا للانقلاب على الأجواء الوفاقية بين إيران والغرب. إذ من المرجّح أن إسرائيل تتبع سياسة مراكمة الذرائع وصولا الى لحظة عدوانية حاسمة قد تجدها ضرورية على الجبهة اللبنانية.

فى لبنان، بات وداع عام واستقبال آخر مناسبة لتوقع المزيد من التوتر والفوضى والأزمات. وأصبحت الأعوام، لدى اللبنانيين، ظرفا زمنيا لمراكمة الأزمات كما ونوعا. فالقاعدة التى باتت تحكم مسار الحياة العامة فى لبنان هى أن اليوم أسوأ من الأمس. وسيكون من حسن الحظ أن اقتصر الأمر غدا، على تشابهٍ مع اليوم.

نقلا عن جريدة السفير اللبنانية

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان