رئيس التحرير: عادل صبري 03:09 مساءً | الخميس 20 سبتمبر 2018 م | 09 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

زيارة إلى مدينة الرصاص!

زيارة إلى مدينة الرصاص!

مقالات مختارة

أحمودة خليفة

زيارة إلى مدينة الرصاص!

بقلم: د. أحمودة خليفة 26 ديسمبر 2013 11:55

تحت جنح الظلام وبعد أن حلقت بنا الطائرة على ارتفاع منخفض على بيوت عامرة بالرشاشات حطت على أرض المطار بسلام، توجهنا بعدها إلى قاعة الاستقبال التي تبدو هادئة ويبدو معها أيضًا العاملون أنهم طيبون وبسطاء ولو أن علامات الاستفهام الصامتة التي تبدو على وجوه الجميع هي اللغة السائدة، توجهنا إلى مقر الإقامة وعلى جدران المنازل التي مررنا بينها يقرأ المرء عناوين الحرب الكلامية، الشيء الملفت الذي لاحظته أني لم أسمع للتو أصوات الرصاص، وتمعنت قليلاً في ذلك ثم سألت صديقي وهو أحد القاطنين بالمدينة فرد على الفور بأن الرصاص ارتفعت أسعاره وبدأ يحسب لقيمة الرصاصة الواحدة، وعليه أن يدخرها لأصعب الظروف أو لأعلى الأسعار، ثم أضاف إذا سمعت صوت الرصاص فإنه قتال بين طرفين وليس لغرض الترفيه.

في صباح اليوم التالي طلبت من صديقي المضيف أن نسير في جولة بين أحياء المدينة، وبعد أن ركبنا السيارة وجدنا الزجاج مكسورًا فسألته عن السبب فقال لي هذا حدث أمس فقط في وقت الظهيرة وفي وسط الجامعة، فقلت له أذن السرقات تحدث حتى في الأماكن العامة، فقال: اللصوص يسرقون أمام الناس ولا أحد يتدخل لأن الأغلبية مسلحين وهو من الذي يعرض بحياته للمخاطرة ليتصدى للص؟ فسألته وماذا يسرقون من السيارات؟ فأجاب من فوره أي شيء من الهواتف والسلاح والذخائر إلى الأموال أو حتى أوراق السيارة لاستعمالها في تهريب السيارات المسروقة.

 

طلبت من صديقي الذهاب إلى القلعة الأثرية التي تقع إلى جانب المدينة، فقال سمعت بأنه صار ممنوعًا زيارتها ولكن لنجرب، بعد دقائق وصلنا إلى مجموعة من المسلحين تقف عند مدخل القلعة أسفل الجبل، طلبنا منهم أن يسمحوا لنا بزيارة القلعة فرفضوا على الفور وقالوا إن القلعة تحت الصيانة، فقلت لهم أنا أتيت من مكان بعيد وأريد زيارتها لدقائق وحسب الممكن، فأتى العسكري الآخر ووجهه مقطب وهو ينزل بندقيته من على كتفه وقال بصوت أكثر حزمًا وصرامة وبلهجة تباوية "قلعة ممنوع".

 

فهم صديقي اللغة سريعا وأدار السيارة إلى الخلف في صمت وبعد أن ابتعدنا أوضح لي بأنه ربما يوجد قناصة على أعلى التلة تحسبًا لأي طارئ ولذلك كانت الحراسة عليها مشددة، بعدها طلبت منه أن نذهب إلى الحي العجيب الغريب الذي حدثني عليه سابقًا، فقال لي إنها مغامرة كبيرة فربما نفقد كل ما لدينا وحتى هذه السيارة، إنه حي تحت حراسة مشددة من قبل أشخاص يروننا ولا نراهم، ونحن على قرب من ذلك الحي المرعب قال لي أتنظر إلى تلك الغابة من المنازل المهجورة، فقلت نعم يبدو أنها منازل حديثة البناء ولم تكتمل، فتابع قائلاً: لقد اختفى بعض الناس من المدينة ووجدوهم مقتولين أو مذبوحين في ذلك الخراب. ابتعدنا في صمت وأخذنا طريقنا بين مزارع النخيل الجميلة الهادئة ثم سألته من هم سكان ذلك الحي "السري العجيب"؟  فأجاب يقال إنهم غرباء وخليط غير معروف من أجناس من مالي والنيجر، ثم قال: دخلته مرة فشعرت بأنني في عالم آخر، اللون، اللغة، السكن، الفقر، شبكة من خيوط الكهرباء العارية والممتدة تحت الأرض وفوقها، مياه الصرف الصحي، السلاح، البضائع الغريبة، وغيره.

 

والوقت يشير إلى ما بعد العصر دخلنا إلى المدينة من زاوية أخرى وقال لي صديقي هذا هو "جامع الرملة" الذي يسكن بجانبه أحد الأقرباء الذي أتينا لزيارته، بالتحديد فهذا الحي يتشكل من أطياف مختلفة من القبائل شديدة المراس ومسلحين بشكل جيد، والناس يعرفون بعضهم البعض ويشكّلون فيما بينهم دوائر لحماية أنفسهم من المخاطر، ولكن في المقابل فحوادث القتل بينهم لا تنقطع وكلما احتووا حادثة تولد لهم أخرى كالشيطان أكثر بشاعة وتجعلهم يضعون أصابعهم على الزناد.

 

استقبلنا السيد الذي أتينا لزيارته ورحب بنا وأنزلنا في ضيافته وعند وقت الغروب أبلغني بأن العشاء والمبيت سيكون عنده في بيته وذلك لقضاء الوقت في الحديث حول ما يدور حولنا من أحداث في مجتمعنا وبلادنا، بعد تناولنا لوجبة العشاء الدسمة والحديث حول الجديد من الأخبار على كاسات الشاي الأخضر ذو الصنف الخاص المستورد من النيجر بدأنا نخلد إلى الهدوء، وفي ساعة متأخرة من الليل أطفأنا الأنوار وتركني صاحب البيت للنوم في صالون الضيافة، مرت دقائق وفجأة استيقظت من الفزع ولم أنتبه إلا وأجد نفسي واقفًا وأصوات الرصاص تصم الآذان وكأنها معركة حقيقية على أبواب المنزل، بعنف انفتح باب الصالون الحديدي ودلف إلى الداخل شخص في الظلام يحمل السلاح وأقفل الباب على الفور من خلفه وقال لي لنستعد للدفاع إذا هاجمونا، وأنا واقف وفي حالة من الدهشة من إطلاق الرصاص وسحب الأقسام فكّرت أن أطلب بندقية في هذه المعركة الليلية، ولكن تذكّرت بأني غير متدرب على القتال الليلي، فهي معركة بين الأشباح في هذه الليلة حالكة السواد، وبعد عدة دقائق ابتعدت أصوات الرصاص ورجع الهدوء، سيطر الصمت وبعدها قضيت بقية الليل أفكّر في حال الحياة هنا وكأنها مسرح للمعارك في هذه المدينة؛ مدينة الرصاص مدينة سبها، وفي اليوم التالي أخبرونا بأن ما حدث البارحة كان قتالاً ومطاردة بين أفراد من قبيلتين بينهما تصفية حسابات.

 

نقلاً عن موقع ليبيا المستقبل الإلكتروني

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان