رئيس التحرير: عادل صبري 12:35 مساءً | الأحد 18 نوفمبر 2018 م | 09 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

الإرهاب من أجل الاستقرار والأمن مقابل الغذاء

الإرهاب من أجل الاستقرار والأمن مقابل الغذاء

مقالات مختارة

إسماعيل الإسكندراني

الإرهاب من أجل الاستقرار والأمن مقابل الغذاء

إسماعيل الإسكندراني 24 ديسمبر 2013 19:57

في معبد أصنام الدولة الحديثة، وثن كبير يتوسط الباحة، يدعى "الأمن القومي". تختلف عبادته عن سائر الأوثان المعروفة. كانت الأصنام قديمًا تستوجب من عبيدها الانحناء بالركوع والسجود، لكن الثورة الصناعية بشرت بعبودية تقدمية تُهدم فيها العبوديات الرجعية المتخلفة، فأتت الحداثة بعبودية الواقفين صفوفًا، الرافعين كفوفًا، المحتشدين ألوفًا، الهاتفين بالتحية، المفتدين بأرواحهم ذاتك القدسية. لأجلك يا أمن قومي تراق الدماء على مذبحك، فالحكم لك، والمجد لك، والأرض لك، والعرض لك.

 

ولأنك، مثل سائر الأصنام العتيقة، لا تسمعنا ولا تفقه قولنا، وفي الحقيقة لا نعرف عنك سوى ما يقوله لنا كهنتك المقربون، فإن الشعب المخلص لدولته، الخاضع لهيبتها الجلية وطلتها البهية، قد وافق على التفويض. نعم، فوّض الشعب حراسك وكهنتك، رهبانك وسدنتك، فهم الأدرى بأولويات خدمتك، والأعلم بما ترضى به عن عبيدك فتمنحهم الغذاء والكساء، والبنين والرفاء.

 

يقول الكهنة إن رضا الرب – الأمن القومي – الجالب للغذاء الوفير والرزق الغزير مرهون بالاستقرار ومكافحة إرهاب الشياطين. لكن كبير الكهنة، ويا للعجب، طالب العبيد بالاحتشاد الغفير لمنحه التفويض، ثم عاد كاهن الأمور الداخلية ليستصدر قانونًا يمنع الناس من الاحتشاد ثانيةً. لقد احتار الشعب يا أمن قومي!

 

بات الناس في لغطهم يتجادلون، وسهرت أعين كهنة الأمن القومي مرهقة من فرط التدقيق في حسابات المعبد وكيفية اقتسام إيرادات المعبد بين كبار الرهبان. وحين أتى الصباح، كان لا بد للكهنة أن يصارحوا جماهير العبيد المخلصين بأن الرب غضبان حتى يعاونوهم في القضاء على الشيطان. ألم تكن الآلهة منذ الأزل هي التي تخلق الشياطين؟ فلماذا يتحمل العبيد إذن مسؤولية وجودهم؟ هل يمكن القضاء تمامًا على إبليس في الدنيا؟ أم أن الرب يعدنا بالجنة والنعيم إذا حققنا مراده؟ ما ألطفه من رب يجهز لنا المفاجآت السعيدة! لقد وجبت عبادتك يا مولانا.

 

انطلق الناس هائمين، يبحثون عن كل الشياطين. فوجدوا أناسًا مثلهم، أغلبهم يرتاد المعبد ذاته، لكنهم الآن مقموصون بعد تشليحهم من كهنوت الدولة في 30 يونيو الماضي، وبعضهم متمردون ساخطون لا يأبهون لهدم المعبد على من فيه، ما لم يعودوا للرهبنة. عاد الناس حائرين، أين الشياطين؟!

 

لا ينبغي للكهنة المخلصين أن يتركوا العبيد مترددين. لذلك، قرروا صنع بعض الشياطين كي تتوفر شروط المباراة. هيا، العبوا مع بعض، وتذكروا أن الجائزة استقرار، والمكافأة طعام يباركه الرب، مرشوش بالمبيدات التي قد تودي بصحة كثيرين منكم. ما الذي أثار موضوع صحة الكثيرين منكم؟ دعونا في المهم، "الأمن القومي".

 

يعود الناس في حيرة من أمرهم. ألم ندخل المعبد كي نهدأ ونستقر؟ لماذا يطالبنا الكهنة الآن أن نتبارى ونتصارع مع الشياطين؟ نحن الذين فوضناهم كي ننصرف إلى شؤوننا. ما على هذا اتبعناكم.

 

تعلو الهمهمات، ويأتي حراس المعبد للتنكيل بمن اشتبهوا في تعاطفه مع الشياطين والمتمردين.

 

ينساق الناس إلى المباراة، وحين تنقضي مدتها، ينعم الرب عليهم بأشواط إضافية. ولأن كرمه غير محدود، فإن المباراة لا تنتهي.

 

ويظل الوثن يتوسط الباحة، تصطف أمامه صفوف الكهنة، ليلقوا إليه بالتحية النظامية صباحًا، ويسهروا على اقتسام عوائد معبده في الليل.

 

وعلى أطراف المعبد يعجز حراسه الفاشلون عن صون أمنه. وفي محيط إقليمه، يعبث أعداؤه مرتكنين إلى حميم صداقتهم مع كبار كهنته. أما الجماهير المتجرعة السم في الماء، المستنشقة الهلاك في الهواء، فلا تقوى أرجلها على حملها لعجزها عما تحتاجه من غذاء. وأما موارد الطاقة التي تنير المعبد وتوقد ناره فقد بيعت أو سرقت في ليلة حمراء قضاها الكهنة في مواخيرهم، محتسين شرابهم، قارعين كؤوسهم، في صحة الأمن القومي.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان