رئيس التحرير: عادل صبري 03:49 مساءً | الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م | 05 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية
الشتاء العربي!

مقالات مختارة

الكاتب العراقى محمد عبد الجبار الشبوط

الشتاء العربي!

بقلم: محمد عبد الجبار الشبوط 24 ديسمبر 2013 11:49

بعد ثلاث سنوات من الإطاحة بحكم الرئيس التونسى السابق زين العابدين بن علي، لم يعد من المستساغ استخدام عبارة الربيع العربى لوصف ما حدث فى تونس، ولاحقا فى مصر وليبيا واليمن، ثم سوريا، فقد تحول هذا الربيع المفترض إلى شتاء بارد جدا، لم ترفع من درجة حرارته المنخفضة الدماءُ الساخنة التى سالت فيه وبسببه.

 

فهذه تونس فى دوامة سياسية وأزمة حكم وحكومة، وتلك اليمن تترنح أمام القاعدة، وأما سوريا فقد تحول ربيعُها إلى حرب أهلية طائفية بالغة القسوة والوحشية، وهذا رذاذ الربيع العربى المزعوم يتناثر فى سماء المنطقة، الخاسر الأكبر فيها شعوبها، والرابح الأكبر فيه القاعدة وأخواتها وإسرائيل التى يحق لها أن تشعر لأول مرة فى تاريخها بأنها أضحت فى مأمن من العرب الذى كانوا يهددون بدفع اليهود إلى البحر. لا توجد فى العالم العربى الآن دولة تستطيع الزعم بأنها قادرة على تحقيق "التوازن الاستراتيجي" مع إسرائيل.

 

النتيجة أن "الربيع العربي" فشل فى جعل ورود الديمقراطية تتفتح فى العالم العربي، وفشل فى أن يحقق ما حققه الربيع الأوروبى الشرقى الذى شهدته أوروبا بعد سقوط جدار برلين فى 9 تشرين الثانى (نوفمبر) 1989. فشل الربيع العربى فى إرساء أسس الديمقراطية والدولة المدنية الحديثة فى البلدان العربية التى حصل فيها.

يعيد هذا الأمر السؤال مرة ثانية عن الذهنية العربية أو الممانعة العربية بوجه الديمقراطية. استمرت الدوائر الأكاديمية لسنوات عديدة تقول أن الثقافة العربية - الإسلامية السائدة فى الشرق الأوسط هى العائق الحقيقى أمام وصول الرياح الديمقراطية إلى المنطقة. ومع الكثرة الكاثرة من الباحثين الذين يرون هذا الرأى إلا أنه كان هناك دائما من يعارضه، أمثال الباحث الأميركى فى شؤون الديمقراطية لارى دايموند فى كتابه "روح الديمقراطية" الصادر العام 2008.

ومع أن الكثير من الباحثين فصلوا فى القول بأنه لا يوجد شيء فى الثقافة الإسلامية ولا فى العقلية العربية مما يمكن أن يعارض الديمقراطية، إلا أن الواقع العملى يقول بأن صعود الجماعات الإسلامية المتطرفة وسيطرتها على المشهد السياسى فى بلدان الربيع العربى المزعوم هو أكبر عائق أمام الديمقراطية، يضاف إليه الضعف النسبى فى إمكانيات القوى الديمقراطية والشعبية فى الدولة المدنية وعدم قدرتها على إرساء أسس وجذور الديمقراطية وإشاعة ثقافتها وبناء مؤسساتها.

ويمكن أن يقال فى هذا الصدد أيضا أن الولايات المتحدة ربما لم تفعل ما ينبغى فعله من أجل تعزيز الرياح الديمقراطية، بل ربما فعلت العكس، الأمر الذى ربما ساهم فى ترك الساحة مفتوحة أمام الجماعات الإسلامية المتطرفة المعادية، بالتعريف، للديمقراطية والدولة المدنية. وفى هذا الصدد، لا بد أن نستذكر أن الربيع الأوروبى لم يحصل من فراغ، ولم يكن ظاهرة محلية بالكامل، بل إنه أصبح ممكنا فقط بعد أن التحم الدعم الدولى بالنشاط المحلى الديمقراطي. وهذا ما لم تكن الولايات المتحدة حريصة على تحقيقه فى العالم العربي، بل ربما تصرفت بطريقة لا مبالية أو نفعية وسطحية فسحت المجال أمام هذه الجماعات لأن تتسيد المشهد. ولعلها تشعر الآن بحجم الخطأ الكارثى الذى وقعت فيه، لكن بعد فوات الأوان.

إن الطريق الى الديمقراطية طويل وصعب، وربما كان ما تعانيه الآن دول الربيع العربي، كما العراق، إنما هو جزء من متطلبات هذا الطريق الطويل. ليست الديمقراطية هدية مجانية، إنما لا بد أن تدفع الشعوب ثمنها، وقد دفعت الشعوب الأوروبية هذا الثمن قبلنا.

 

نقلا عن صحيفة الصباح العراقية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان