رئيس التحرير: عادل صبري 11:15 مساءً | السبت 17 نوفمبر 2018 م | 08 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

قائمة اتهامات مرسي !

قائمة اتهامات مرسي !

مقالات مختارة

عبد الله حمودة

قائمة اتهامات مرسي !

بقلم: عبد الله حمودة 23 ديسمبر 2013 14:12

تثير محاكمة الرئيس المصري "المعزول" محمد مرسي جدلاً واسعًا، وزاد احتدام هذا الجدل، أنها لم تنجح في الإجابة عن أسئلة عديدة ملحة، تتعلق بالاتهامات التي حتمت مثوله أمام المحكمة، وتركت المطالبين بمحاكمته في حيرة من أمرهم، بشأن ما إذا كانت تلك المحاكمة تمثل - فعليا – خطوة على طريق "عدالة ناجزة"، في ضوء التسريبات التي تحدثت عما اقترفه مرسي، ويصل إلى درجة الخيانة العظمى. أم أنها مجرد مسرحية لإلهاء الرأي العام، بأن هناك جرائم تبرر المحاكمة، ومع مرور الوقت وتوالي جلسات متباعدة لنظر القضية، يكون وجود مرسي في قفص الاتهام كافيًا وشافيًا، ومع انحسار موجة المظاهرات المطالبة بعودته، يمكن طي الصفحة، على نفس النحو الذي حدث في محاكمة سلفه في المنصب "المخلوع" حسني مبارك.

 

فكما أن هناك "أبناء مبارك" والمجموعة التي ترفع شعار "آسفين يا ريس"، الذين يطالبون ببراءة مبارك، مازالت جماعة "الإخوان المسلمين" - وحلفاؤها من مؤيدي الإسلام السياسي - يطالبون بعودة ما يسمونه "الشرعية"، وبإعادة مرسي إلى منصب الرئاسة. الفرق بين الحالتين هو أن "أبناء مبارك" والمعتذرين له، يقرون - ضمنًا على الأقل - بأحقية ثورة 25 يناير 2011، لكن "الإخوان ومن والاهم" ينكرون أن تنظيمهم الأم ومرسي شخصيًا مسئولون عن تفجير موجة 30 يونيو الثورية، التي أوقفت تنفيذ المخطط الإخواني قبل أن يكتمل، وإن كانت ملامحه التي اتضحت كافية لتفجيرها.

 

في ثورة 25 يناير كانت الشعارات "خبز .. حرية .. عدالة اجتماعية.. كرامة إنسانية"، وهي جميعًا متطلبات كانت مفقودة قبل ذلك التاريخ، وعجزت الحكومات المتوالية بعده عن تحقيقها، سواء كان ذلك العجز ناتجا عن صعوبة الإنجاز، أو لأن تلك الحكومات رأت أن ولايتها "انتقالية"، ومن ثم لم تفكر في وضع أسس للتجاوب مع تلك المطالب الثورية الأساسية، وفي هذا شبهة التلكؤ والتكاسل، أو رغبة - تبدو مشروعة في نظر من يتبناها - في ترك الفرصة أمام "حكومة تنفيذ"، لكي تخطط وتلتزم أمام برلمان وتنفذ. لكن أيا من هذين العذرين ليس مقبولاً، فحكومات الدول تعمل بعقل جماعي، وتستطيع أن تترك خططًا تمثل خيارات أمام حكومات تالية، وما يكون مقبولاً كعذر من فرد، لا يكون مرفوضًا فقط من جانب مؤسسة، إنما يكون سببًا لمساءلتها وتجريمها.

 

بطبيعة الحال وبسبب قصور الإعلام المصري في طرح الحجج والأدلة، وكذلك نتيجة للقصور في عمل مؤسسة النيابة العامة في إعداد قائمة الاتهام، وربما تردد مؤسسات أمنية ذات طبيعة توصف بأنها "سيادية" في الإعلان عن حقيقة ما اقترفه مرسي باسم جماعة الإخوان - يعاني كثيرون في مصر من عدم وجود أدلة واضحة ومحددة عن مسئولية حكم الإخوان مبعوثهم إلى القصر الجمهوري محمد مرسي، ويترتب على ذلك تعاطف – ليس له في الحقيقة ما يبرره - مع قتلى المظاهرات من الإخوان ومؤيديهم، في تجاهل لممارساتهم الاستفزازية، الناتجة عن أوهامهم "الاستشهادية" الانتحارية. صحيح أن الحكم المؤقت في مصر يتسامح مع خروج مظاهرات الإخوان، في ظروف الطوارئ وحظر التجوال، اعتقادا بأن تلك المظاهرات تتضاءل في حجمها وتخفت في حدتها بشكل تدريجي، ورغم أن ذلك ثبتت صحته، إلا أنه يعطي فرصة للمتحدثين باسم تنظيم الإخوان، للقول إنهم قادرون على الحشد والتظاهر، وخرق حظر التجوال ومخالفة مقتضيات الطوارئ، بما لذلك من آثار في أوساط الرأي العام المصري.

 

ومن ثم فإن هناك ضرورة لإعلان الجرائم الحقيقية التي اقترفها مرسي باسم الإخوان، بعد تكييفها وفق المدونات القانونية السارية في مصر، ويمكن تلخيص تلك الجرائم على النحو التالي:

 

أولا: جرائم سياسية:

1 - وجه مرسي خطابه السياسي إلى "أسرته وعشيرته"، والمعني بذلك جماعة الإخوان المسلمين، مستبعدا من حسابه بقية المصريين؛ بمن في ذلك بقية فصائل تيار الإسلام السياسي من السلفيين، ناهيك عن القوميين والليبراليين والأقباط واليساريين، ومن ثم قسم الشعب المصري، ولم ير نفسه رئيسا لكل المصريين.

 

2 – لم يكتف الإخوان ورئيسهم باعتماد الأدوات الدستورية لممارسة السلطة، وإنما لجأوا إلى أساليب شعبوية غوغائية، فحشدوا أعضاءهم لمحاصرة المحكمة الدستورية، ومنعوا القضاة من الوصول إلى مقار أعمالهم لممارسة عملهم.

 

3 – عندما وصل متظاهرون محتجون على حكم مرسي إلى القصر الجمهوري (مقر الرئاسة)، ورفض الحرس الجمهوري تفريقهم باعتبار أن ذلك مناف لحرية التظاهر، حشد الرئيس ميليشيات حزبه لتعتدي عليهم وتقتل وتصيب عديدًا منهم.

 

ثانيا: جرائم دستورية:

1 – في 22 نوفمبر عام 2012، وبعد أقل من خمسة أشهر على تولي مرسي منصب الرئاسة، وأدائه قسم الحفاظ على الدستور، أصدر الرئيس إعلانا دستوريا، أوقف به العمل بالدستور، وحصن قراراته من الطعن فيها أمام القضاء، فأصبح حاكمًا مطلقًا ليس لسلطته حدود، وكأنه ينتمي للعصور الوسطى ولا يعيش في القرن الحادي والعشرين.

 

2 – في ضوء حالة تردد الرئيس وعجزه عن اتخاذ قرارت، وتراجعه عن قرارات اتخذها، لم يكن واضحًا ما إذا كان الرئيس هو الذي يمسك بمقاليد الحكم، أم أن الذي يحكم هو المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، أو مكتب إرشاد الجماعة بشكل جماعي، وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن الرئيس تسلم نص الإعلان الدستوري وقت صلاة الفجر من مكتب الإرشاد، وأصدره في اليوم ذاته. ويثير ذلك تساؤلات دستورية بشأن ما إذا كان الرئيس المتنخب هو الذي يحكم، أم أن المرشد العام وأعضاء مكتب الإرشاد هم الذين يحكمون، رغم أنهم لم يحصلوا على حق من هذا النوع في انتخاب عام، ولم يؤد أي منهم القسم الدستوري لممارسة مهام الرئاسة.

 

ثالثا: جرائم مؤسسية:

1 – عمد حكم الإخوان تحت رئاسة محمد مرسي إلى خلق مؤسسات إخوانية لدولة موازية للمؤسسات القائمة؛ فقد استبعد مسئولون من جماعة الإخوان السفارات في عواصم أجنبية، وأجروا اتصالات مباشرة مع مسئولي تلك الدول باسم الرئاسة. ولم يقتصر ذلك على وزارات خارجية تلك العواصم، إنما حدث مع مؤسسات أمنية فيها أيضا. ونقل وزراء الإخوان أعدادًا من أعضاء جماعتهم لتولي مناصب حساسة؛ في مواقع مثل مدراء مكاتب السجل المدني والشهر العقاري، تولاها أشخاص كانوا مدراء مدارس، لكي يطلعوا على معلومات أساسية مهمة ذات طبيعة خصوصية للمواطنين.

 

2 – رفض الرئيس مرسي على مدى الستة أشهر الأخيرة من حكمه دعوات متكررة من أوساط وطنية عديدة لتعيين حكومة أخرى مؤهلة لمعالجة مشكلات مصر المعقدة، وأصر على الإبقاء على حكومة هشام قنديل العاجزة، بحجة أنها حكومة "إخوانية".

 

هل الاتهامات الموجهة إلى مرسي الآن، تفتح آفاقا لتوجيه اتهامات تتعلق بالجرائم المذكورة؟ ليست هناك إجابة واضحة عن هذا السؤال. وهذا أمر يحتاج إلى توضيح عاجل. فالاتهامات التي وجهت إلى مبارك، جعلت المحاكمة تنتهي بتبرئته من معظمها، ولم يتطرق الأمر إلى جرائم كان يتعين محاكمته باقترافها، مثل "تجريف" المجتمع المصري و"تحقير" المواطن، من خلال تخفيض اعتمادات التعليم والصحة، في تخل من الدولة عن مسئولياتها. ما جرى مع مبارك لم يكن تعبيرا عن "عدالة ناجزة"، وما يجب التأكيد عليه، أن ما يراد ليس انتقامًا، إنما إقرار للحق بشأن ماهو حق وماهو باطل. وتسود مخاوف من أن يكون ما يجري في حالة مرسي، مجرد مظاهرة سياسية بشكل قانوني، وما يراد هو إقرار للحق، وإدانة لما هو باطل.

 

وفوق هذا كله، يظل سؤال مهم يطرح نفسه، لماذا لم يتم الإعلان عن اتصالات قالت تسريبات إن مرسي أجراها قبيل عزله، دعا فيها قوى أجنبية إلى التدخل عسكريا في مصر، فالإعلان عن هذه الاتصالات ونشر تسجيلات صوتية لها، يحسم الجدل في أوساط مصرية واسعة، ويقضي على الجدل الذي ليس هناك مبرر لاستمراره. فمن الضروري تنظيف الساحة من الجدل والشكوك في المرحلة الانتقالية التي قاربت على الانتهاء، وتمهيد الأرضية لبداية جديدة على أسس صحيحة.

 

كاتب مصري مقيم في لندن ( نقلاً عن جريدة العرب)

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان