رئيس التحرير: عادل صبري 05:25 مساءً | الاثنين 17 ديسمبر 2018 م | 08 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

التطبيع السعودي مع إسرائيل.. تمهيد سياسي لصفقة القرن

التطبيع السعودي مع إسرائيل.. تمهيد سياسي لصفقة القرن

مقالات مختارة

الملك سلمان ونتنياهو

أوضاع الأمن القومي العربي لأهم دولة في صفقة القرن (4-8)

التطبيع السعودي مع إسرائيل.. تمهيد سياسي لصفقة القرن

بينما لم نستفق بعدُ نحن المتابعين للشأن العربي والسعودي من هول صدمات حرب اليمن وخسائرها وحصار قطر الظالم وإهانة ترامب والإدارة الأمريكية لنا كعرب ومسلمين بشأن القدس، فتح الأمير الشاب ونظام حكمه جبهة جديدة، وتلك المرة جبهة داخلية تمس أساس الحكم والعائلة المالكة وكبار رجال الاقتصاد والأعمال وقام في نوفمبر عام 2017 باعتقال اكثر من 200 أمير ورجل أعمال، وبدأ عملية اتهامات قاسية بالفساد واستغلال النفوذ وغسيل الأموال، جرت مساومات للإفراج عنهم مقابل مبالغ مالية ضخمة وصلت حسب البيانات المتاحة 100 مليار دولار..

لن نناقش الآثار الاقتصادية المدمرة الناتجة عن حملة الاعتقالات تلك واستحالة جذب مليارات الدولارات من الدولارات لأجل تمويل خطط مشروع رؤية المملكة 2030، لن نتحدث عن هروب مئات المليارات من الدولارات إلى خارج المملكة، ولن نناقش الآليات المختلفة والتي كان يمكن بها إدارة عملية مثل تلك دون أن تلحق الضرر بأعضاء الأسرة المالكة أو الاقتصاد الوطني وسمعة المملكة العالمية، ولكن أخطر نتائج تلك المبادرة الخطيرة هو أنها مثل الزلزال الضخم الذي من المؤكد أنه أحداث شروخًا داخلية عميقة في نسيج العائلة المالكة ستمثل بيئة خصبة لتدخلات خارجية خبيثة وانقسامات داخلية خطيرة يمكن استغلالها في المستقبل لكسب مزيدٍ من الامتيازات والتنازلات السياسية والاقتصادية، العائلة المالكة لبنة أساسية في منظومة الحكم، بالمملكة ومثل تلك الإجراءات التي يمكن اعتبارها متسرعة وغير مناسبة لا يمكن إلا أن تكون مصدرًا من مصادر زعزعة استقرار المملكة ومتانة جبهتها الداخلية، والتي لم تكد تهدأ وتتعافى بعد من إجراءات عزل ولي العهد السابق الأمير محمد بن نايف من ولاية العهد، ونقلها إلى الأمير محمد، وما واكبها من تعينات لعدد من الأمراء واستبعاد آخرين.

أيضا طالت الاعتقالات سعد الحريري، رئيس وزراء لبنان، وفي مشهد لا يختلف كثيرًا عن مشاهد الكوميديا التي تعرض بمصر أثناء محكمات قيادات الإخوان بتهم ملفقة وادعاءات كاذبة أمام قضاء غير مستقل، تجبر سلطات الحكم بالمملكة رئيس وزراء لبنان إلى إلقاء بيان استقالة من عاصمة المملكة، وليس عاصمة لبنان كما تقضي الأعراف الدبلوماسية وكما يقضي الدستور اللبناني في مشهد رديء الاخراج، وكأن فوهة البندقية خلف ظهره، وأيضا مثل تلك البيانات الركيكة التي يكتبها أفراد الأمن الوطني عديمي الكفاءة بالقاهرة جاء بيان الاستقالة وأسبابها ركيكًا صبيانيًا أيضًا مليئًا بالمغالطات، وبدا سعد الحريرى مذهولًا من وقع الصدمة وهول الإجراء.

مرة أخرى تفشل دوائر الحكم بالمملكة في إحداث انقسام لبناني وتأليب الشارع ضد حزب الله وحليفته إيران، ومرة أخرى تنتقل حكومة المملكة من فشل إلى آخر ويخرج حزب الله أكثر قوة وتأييدا بالشارع اللبناني وتخرج الرياض من تلك الأزمة مهزومة وهي محل استياء لبناني محلى وعالمي لخطورة الخطوة وعدم احترامها لحصانة منصب رئيس وزراء دولة عربية وعضوة بالأمم المتحدة، تدخلت فرنسا بكل ثقلها من أجل الإفراج عن رئيس الوزراء اللبناني وإنقاذ ماء وجه المملكة من عاصفة من الاستياء الدولي باتت تلوح بالأفق، فتلك سابقة خطيرة في الأعراف الدبلوماسية والعلاقات الدولية أن تقوم حكومة دولة باحتجاز رئيس حكومة دولة أخرى، وبدا نظام الحكم بالرياض كنظيره بالقاهرة في أسوأ صوره كنظام يمارس البلطجة السياسية ويستخدم أذرعه أكثر مما يستخدم عقله، الأمر الذي أفقد النظام بالرياض كثيرًا من احترام السياسيين الإقليميين والعالميين.

 

لم تكد تتوقف الإخفاقات السياسية والأمنية السعودية حتى طالعتنا وكالات الأنباء أن الأمير محمد بن سلمان قام منذ عامين بشراء أغلى قصر بالعالم في فرنسا بمبلغ خيالي قدره 500 مليون دولار وأغلى يخت بالعالم بنفس المبلغ تقريبًا ولوحة فنية لدافنشي بنفس المبلغ أيضًا، قامت دوائر صحفية إقليمية وعالمية بتداول تلك الأخبار التي لم ينفها نظام الرياض مسقطين أثارتها وسخونتها على إجراءات مكافحة الفساد وإجراءات الحكومة التقشفية والتجاء الحكم إلى نفس الإجراءات الاقتصادية القاسية والتي يفرضها نظام القاهرة بعشوائية على مواطنيه، والتي أضرت بقطاعات واسعة من المجتمع السعودي بل وأضرت في جزء منها قطاعات كبيرة من الاقتصاد، اليوم وبعد أن فقدت المملكة مستشاريها الاقتصاديين الأكفاء واستبدلتهم بآخرين ثبت من نصائحهم وتوجهاتهم افتقادهم لأي قدر من الكفاءة والعلم والحكمة، تنقل المملكة من فشل إلى آخر وبسرعة وبامتياز.

مرة أخرى وفي نفس التوقيت تتبجح تل أبيب وتعلن عن زيارات سرية لولي العهد السعودي وتنسيق أمني عسكري واتفاق كامل في وجهات النظر بشأن قضايا المنطقة، ويتبجح نتنياهو معلنًا نجاح الدولة في الوصول إلى علاقات متميزة مع نظام الحكم في الرياض، بالتوازي يتم تسريب بنود ما يطلق عليه صفقة القرن التي تصفى القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، ويعلن ترامب ان القدس بشقيها الشرقي والغربي عاصمة لدولة إسرائيل، وأنها لن تكون بعد اليوم بندًا ضمن بنود مباحثات التفاوض بين الفلسطينيين وإسرائيل، وأن هذا قد تم الاتفاق عليه مع القاهرة والرياض وتباركه أبو ظبى.

و بنفس غشم وجهل مستشاري الحكم بالقاهرة سارت على الدرب الرياض فاعتقلت السلطات عددا غير قليل من العلماء والإعلاميين والمثقفين المعارضين المشهود لهم بالاحترام والتأثير وسط الشارع السعودي، وفى تكرار لنفس مشهد القاهرة سقطت في نفس التوقيت أوراق التوت عن علماء السلطة ومثقفيها وظهرت حقيقتهم المؤسفة، وبدت المؤسسات الدينية والاعلامية والتي كانت أحد أدوات استقرار الحكم والتأثير في الشارع والمجتمع السعودي، وقد تحولت من الرزانة والتوازن الإيجابي المحمود إلى ملهى ليلي يرقص فيه علماء الحكم ومؤيدوه من المثقفين والإعلاميين الاستربتيز في مشهد عبثي مؤسف، وفي سيناريوهات مشابهة لما توقعناه في مصر نتوقع زيادة السخط الشعبي من سياسات الحكومة الاقتصادية وارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية والخدمات الحكومية ومع فقد الثقة في علماء المؤسسة الدينية والاعلامية وضعف تأثيرهم على الشارع، نتوقع تصاعد اعمال العنف ضد الحكم ستغذيها التناقضات الواضحة بين سلوك الحكم وتصرفاته التي تخالف التصريحات والبيانات وكلامه، وستجد جماعات داخلية معارضة للنظام دعمًا ماليًا هائلًا من أمراء ورجال أعمال موتورين، وقد جردهم الحكم من ثرواتهم وأهانهم وحقر من شأنهم، كما سيهتم أعداء الخارج، وبخاصة إيران بدعم أولئك المعارضين وستوفر لهم كل ما يلزم من اجل زعزعة الحكم وتهديد استقراره، ستوفر صفقة القرن إذا ما اقرت وما سيتبعها وكما هو مخطط من تطبيع كاملا مع دولة اسرائيل الغطاء الشرعى الدينى والاخلاقى والسياسى للعمليات المسلحة لتغيير النظام الحاكم، وستولد اجراءات القمع العنيفة المتوقعة من الدولة معينا لا ينضب من الموارد البشرية المعارضة لتلك السياسات الداخلية والخارجية، قد يطول اجل تحقق هذا السيناريو أو يقصر ولكن السعودية قبل حرب اليمن وقبل اعتقالات فندق الريتز والاجراءات الاقتصادية الاخيرة الغير مدروسة وقبل هرولتها نحو التطبيع العلنى مع دولة اسرائيل وموقفها من ما يسمى صفقة القرن ومحاولة فرضها على الفلسطينين رغم اجحافها بحقوقهم وضمانها سيطرة اسرائيل على القدس ليست هى المملكة السعودية بعد كل هذا ، وأعتقد ان تسارع الأحداث بعد موت الملك سلمان وتقلد الامير محمد منصب الملك رسميا سوف يظهر هشاشة الحكم اكثر مما يظهر قوته .

الان مازالت ايران بدعمها للحوثيين تسيطر على القرارات بصنعاء وأهم مناطق اليمن، ومازالت تضغط بشدة على الرياض وتستنزفها أقتصاديا وتستغل الدمار الحاصل ومعاناة الشعب اليمنى افضل استغلال لكسب التاييد الدولى واحراج نظام الرياض، حتى الان مازال لطهران اليد العليا في المواجهات الاقتصادية والسياسية مع الرياض في غزة ولبنان وسوريا والعراق كما تدعم قطر اقتصاديا وسياسيا دون اى امل مستقبلى في حلحلة هذا الوضع، الرهان السعودى على ما قد توفره العلاقات الأمنية مع اسرائيل والغرب من معلومات استخباراتية وخطط لمحاصرة ايران وتقليص نفوذها الإقليمي رهانا خاسرا يبرهن على سذاجته وخطأ حساباته ان أيران ظلت تفاوض اقوى الدول الغربية واكثرها كفاءة بما فيهم أسرائيل لمدة عشرين عاما بشان برنامجها النووى وانتهت المفاوضات بخروج ايران بمكاسب اكبر بكثير من خسائرها وأقرار الغرب والرئيس اوباما وقتها باستحالة هزيمة ايران عسكريا، اى اندفاع غير محسوب نحو تصعيد المواجهات بين طهران والرياض سيشعل المنطقة وسيكون من المستحيل التنبؤ بنتائجه . ولا استبعد في مرحلة ما من حرب اليمن ان توسع طهران من حجم مساعداتها للحوثيين وتتحول الحرب إلى سيناريوا اشبه بحرب لبنان 2006 .

هرولة الرياض نحو التطبيع الكامل والسرى مع تل ابيب والتعاون الاستخباراتى والعسكرى معها والضغط على حكومة لبنان من أجل محاصرة حزب الله واستمرار السياسات السعودية المناوئة لحركات المقاومة الاسلامية الفلسطينية واستخدام وسائل الضغط الاقتصادية والسياسية على حكومة عباس من اجل خنقها وتمرير صفقة القرن دون مقاومة أو معارضة قوية لن يجدى نفعا ومصيره الفشل المحتوم . كما ان موقف الرياض من دمشق داعم وبشدة لتفتيت سوريا وتقسيمها ودعم الرياض لنظام الجنرال المصرى القمعى بالقاهرة هو امر بالتاكيد ليس في صالح امننا العربى والاسلامى . ( لسنا هنا ندافع عن نظام الاسد ولا ممارساته ولكن ننظر من منظور استراتيجى سياسي بحت خاصة وان البدائل كلها لا تعدو اكثر من مشاريع عملاء لدول إقليمية ودولية تتخذ من تطلعات جزء كبيرا من شعب سوريا وسيلة لتحصيل المكاسب المالية والسياسية ) . رضا تل ابيب والغرب لم يحمى شاه ايران ولا حكم السادات ولا خلفه حسنى مبارك ولا بن على ولا القذافى وبالتاكيد لن يحمى الانظمة الحالية بالقاهرة والرياض وابو ظبى .

لا اعلم اى اساس وعلى ما يبدو قررت الرياض وابوظبى قبول هيمنة اسرائيل على المنطقة عن القبول بالمصالح الايرانية والتركية ، لا اعلم اية حسابات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو حتى دينية شرعية تجعل من قبول اسرائيل كدولة إقليمية عظمى اكثر منفعة للامن القومي العربى من الاعتراف بحق ايران وتركيا في ان يكون لهما نفس الحقوق الاسرائيلية والنفوذ الإقليمي .

عموما نحن نلمس وكما هو حاصل في مصر تسرع غير محسوب في القرارات السياسية والاقتصادية نتائجه كارثية وغاية في السلبية على عناصر القوة الشاملة للمملكة، ولا استبعد ان يكون قد حدث اختراقا خطيرا لدوائر صنع القرار بالرياض ينصح الامير الشاب بما ليس في صالحه ولا صالح بلده ولا صالح دينه وعروبته، إذا لم ينتبه الامير وقيادات المملكة إلى النتائج الكارثية لسياساتهم واستراتيجياتهم فان المستقبل سيكون وبكل اسف غير مبشرا وسيكون عليهم توقع الأسوأ خلال سنين قليلة قادمة لا يختلف وضع المملكة فيها كثيرا عن وضع جمهورية مصر .

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان